فقه الدعوة في ضوء الكتاب والسنة

By :

خلاصة فقه الدعوة

 سمى الله تعالى القرآن الكريم شفاء للناس، وشفاء ورحمة للمؤمنين، وشفاء لما في الصدور في أربع آيات محكمات

لذلك فالداعية الرباني هو من يقدم الدواء الشافي لأمراض القلوب والنفوس، والسلوك لدى الناس، ولدى المؤمنين، فهو أشبه بالطبيب الحاذق في علاج مريضه، من حيث ملاحظة حال المدعو وكيفية العلاج، ونوعية العلاج، وجرعات الدواء، لذلك فإذا كان الداعية مخلصا متخصصا بصيرا وحكيما وهاديا، وهادئا وهادفا فإن الله تعالى يوفقه في دعوته، وينطبق عليه – دلالة ولزومًا – قول النبي: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً». وقوله: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أَصَابَ الدَّوَاءُ الدَّاءَ بَرِئَ بِإِذْنِ اللهِ». وقوله: «إِنَّ اللهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ».

التعريف بالعنوان
 
يتضمن العنوان كلمتين هما: «فقه»، و«الدعوة».

1-التعريف بالفقه لغة، وفي القرآن الكريم والسنة:

1-الفقه لغة: الفهم، ولكن التحقيق هو أنه: الفهم الدقيق والفطنة، والفقيه هو العالم الفَطِن، أو العالم المجتهد، أو المستنبط حسب اصطلاح علماء الفقه والأصول. وليس مجرد عالم فقط، ولذلك نرى أن القرآن الكريم استعمل الفقه في هذا الفهم العميق والدقيق والفطنة، قال الراغب الأصفهاني: «الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، فهو أخص من العلم، قال تعالى: {فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا}.

وقد تكررت مادة: «فقه» في القرآن الكريم بصيغة المضارع مفردًا وجمعًا (20) عشرين مرة.

منها: قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}، وقوله تعالى: {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ}، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ}.

وإذا تدبرنا في هذه الآيات لوجدنا أن الفقه في هذا الآيات كلها قد استعملت في معنى أخص من العلم، فعلى سبيل المثال في سورة المنافقون حينما ذكر القرآن القضايا الغيبية من أن الله هو الذي يملك خزائن السموات والأرض عقب ذلك بقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾، لأن هذه المسألة تحتاج إلى تدبر بأن الله خالق الكون، ومالك الخزائن، إذن لا يحرم الرسول وصحبه الكرام منها في حين استعمل العلم الذي يستعمل في الأمور الظاهرة في الآية التي بعدها مباشرة والتي تتحدث عن أن المنافقين قالوا: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ﴾ أي: عبد الله بن أبي بن سلول ﴿مِنْهَا﴾ أي: من المدينة﴿الأَذَلَّ﴾ الرسول معاذ الله، لذا عقب الله تعالى على ذلك بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لم يبق لديهم حتى العلم بالظاهر البين الواضح، وذلك لأن الرسول كان هو القائد في المدينة وصاحب الأمر والنهي، فكيف يصفونه بـ(الأذل).

فهاتان الآيتان تدلان على أن الفقه يستعمل في شيء يحتاج إلى تدبر ودقة وعمق، أما العلم فهو يستعمل للظاهر، والله أعلم.

وقد استعمل لفظ: (الفقه) لدى المتأخرين في: (العلم بالأدلة الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية).

لكن المقصود بالفقه المضاف إلى (الدعوة) هو المعنى اللغوي، أي: الفهم العميق للدعوة: كلمة وكتابة، فعلًا وأسلوبًا، وغاية ووسائل وأهدافًا، وداعيةً ومدعوًّا، والعلم بالوسائل التي تجعل الدعوة مؤثرة على مستوى الفرد والجماعة.

2- الدعوة لغة، وفي القرآن والكريم:

الدعوة لغة مصدر: دعا، بمعنى الطلب والسؤال، والاستغاثة، فيقال: دعا الرجل، أي: طلبه، وبمعنى السوق فيقال: دعا الجمل ساقه، وبمعنى التسمية، فيقال: دعاه بزيد، أي: سماه به، وبمعنى الدعاء فيقال: دعا له بالخير، ودعا عليه بالشر. والدعاء بمعنى الندب، والدعْوَى بمعنى الدعاء، فقال تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

وبمعنى: إيجاب حق على غيره.

قال الأصفهاني بعد أن ذكر بعض المعاني اللغوية السابقة:

(والدعاء كالنداء إلا أن النداء قد يقال بـ (يا) أو (أيا)، أو نحو ذلك من غير أن يضم إليه الاسم، والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم... وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر...، والدعاء إلى الشيء الحث على قصده: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ...﴾.

والخلاصة: أن معاني «دعا»، ومشتقاته في القرآن تدور حول معانيها اللغوية.

3-فقه الدعوة:

يقصد بهذا المصطلح المركب (فقه الدعوة): الفهم الدقيق بالمدعو، والوسائل المؤثرة لتوصيل الإسلام – عقيدة وشريعة ومنهج حياة – إلى الآخر.

والمراد بالفهم الدقيق: هو العلم بالإسلام على حقيقته ومقاصده، وغاياته، ووسائله، والإدراك العميق لمآلات الأفعال، وكذلك العلم بالمدعو ووسائل الدعوة على أكمل وجه.

والمراد بالآخر هنا هو كل من يحتاج إلى توصيل الدعوة إليه فإن كان كافرًا فيوصل إليه الإسلام كله بالحكمة، وإن كان مسلمًا فاسقًا أو ظالمًا فيحتاج إلى توصيل ما يحقق له المنع من الفسق والفجور والظلم، وإن كان مسلمًا ملتزمًا فيحتاج إلى التذكير ليزداد إيمانا، وإلى التطوير والتنمية والارتقاء في جميع مجالات الحياة ليكون متقدمًا لا متأخرًا، فقد قال تعالى: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}، ولم يقل أو «يتوقف» لأن التوقف تأخر في حقيقته في عالم النشاط المتواصل، وهكذا.

إذن فالدعوة توجه للجميع للمسلمين وغير المسلمين وإن كانت نوعية ما يُوَصَّل يختلف من مسلم إلى غير مسلم، وقد تُسَمَّى الأمة غير الإسلامية أمة الدعوة باعتبار ضرورة توجه الدعوة إليها، وأن الأمة الإسلامية تسمى أمة الاستجابة باعتبار أنها قد استجابت لنداء الإسلام والتوحيد، ولكنها تظل مدعوة إلى الإحسان والتقوى، والتطوير والتنمية والاستخلاف والتعمير، وبالتالي فجميع البشر في حقيفتهم أمة الدعوة، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} غير أن واجب هذه الأمة هو الدعوة والتبليغ بالقول والفعل والقدوة الحسنة، وكل وسائل التأثير الإيجابية.


اترك تعليق