وسم العودة! (وجدان العلي)

By :

هل عرفت هذا الشيخ الذى فارق النسق، وابتكر الدرب لنفسه، وصار له صوته المميز، ونظرته الكاشفة التى تخترق المسكوت عنه فى مجتمعاتنا المحاصرة بأسلاك الكسل والتخلف الشائكة؟!

إنه الدكتور سلمان العودة، الأمين العام المساعد للاتحاد العالمى لعلماء المسلمين، وأحد أبرز وجوه الفكر فى عالمنا الإسلامى المعاصر.

وإذا كنت من الذين يتابعون قلم هذا الإنسان، فأنت ستجده متقنا لما يمكن أن نسميه «أدب السكينة»، الذى يجعل من حياته ميداناً لتحقيق ذاته، ومواصلة سيره، ولو امتدت من حوله الجدران خمس سنوات، فإن السير لم يتوقف فى مجاهل النفس وآباد الروح مراجعةً للنفس، ومكاشفةً للذات، وتحليقاً فى سماوات الفكر المتعددة.

والذى ماز الشيخ سلمان العودة روحٌ وثابةٌ تعودت الانعتاق، فهو عالمٌ يقتنص أفكاره من دواة النقاء الذى لا يعرف التلون، والصدق الذى يتصالح مع النفس، بعيداً عن المواءمات التى تكسو الإنسان وجهاً مستعاراً يجعله متكلماً بلسان غيرِه، أو كاتباً: همّه الأول والأخير أن يصل به قلمه إلى ما يُرضى الجماهير!

ولذا كان كثيراً ما يشير إلى أن العالِم ينبغى عليه أن يتخلص من سطوة الحُكَّام، ومن ضغط العوام، وأنه لن يتم له كماله واستقلاله، حتى يكون قائلا ما يرضى ربه، ويطمئن له قلبه.

وهو مع توسعه فى التحصيل الشرعى، وتراثه الحافل بالشروح والتحقيقات والمحاضرات، شيخ لا ينفصل عن أمته فى زنزانة التنظير، بل يتواصل مع شبابها، وطموحاتهم، وأفكارهم: يوجه ويستمع، ويصغى ويتساءل، ولا مانع لديه مع رفعة شأنه أن يتعلم من هؤلاء الشباب!

وبعد منعِه من السفر، وإيقاف برنامجه الشهير «الحياة كلمة»، لم يجلس سلمان العودة فى ظلال همه، فقد ابتكر لنفسه درباً آخر فى مسار الدعوة، واتخذ لنفسه زاوية فى اليوتيوب تحولت إلى مزار يفد إليه الملايين لمشاهدة برنامجه المدهش «وسم»!

وصار البرنامج حديث الناس، بحلقاته: نعم أتغير، آسف، يارب، ثم حلقته الرابعة: من أين لك؟!

وكانت حلقته الرابعةُ استثناءً فى محيطٍ اعتاد الصمت عن مثل هذا السؤال الذى ينفخ البوق لبعث الأرواح الهامدة أن تتساءل فى شجاعة: «من أين لك؟!» حتى تتخلص من «مدن الملح» وسقوف الصفيح التى صنعتها موائد الذين لم يجدوا من يسألهم هذا السؤال الصغير الكبير!

عندما شاهدت الحلقة الأخيرة، أحسست أنه صار لزاماً علىّ أن أشير إلى هذا الإبداع الذى يقدم نموذجاً جديداً يحقق التوازن بين المتعة والفائدة، وجمال الصورة والمحتوى، ويعيد إلى الإعلام رسالته الغائبة، وكم كان رائعاً أن تكون تلك العودة على يد عالم كبير، زاده علمه إصراراً على التميز والإبداع والتجديد، وإلحاحاً على طرح الأسئلة المغموسة فى دموع الناس وهمومهم.. تلك الأسئلة التى لم تستطع الشفاه المقفلة أن تتكلم بها يوماً ما!

وكانت حلقات «وَسْم» ترجمةً حيةً للذين يبحثون عن تجديد الخطاب الذى تهاوى إلى دركات معتمة، والارتقاء بالإعلام الذى أصبح مشغولا بكل شىء، إلا أن يكون مشغولا بالذى ينفع الناس، وينهض بالأمة، حتى صارت بعض الشاشات عبئاً على الناس لانشغالها الدائم بهذا التلاسن والتنابز الذى صار سمتاً واضحاً فى الشارع والفضاء والجرائد!

شكرا شيخنا الحبيب.. فقد أجدبت حياتنا وكانت فى حاجةٍ لمثل هذا الوسم الجميل!


اترك تعليق