سلوك المسلم عند الأزمات (فرج ابو طير)

By :

الأزمة هي الشدة والقحط  والخطر والبلاء الذي ينزل بالناس , وقد تكون أزمة مالية , أو سياسية أو مرضية وغير ذلك ولقد ضرب الله لنا في القرآن الكريم القصص القرآني وفيه بيان بعض الأزمات التي تعرض لها الأنبياء – عليهم السلام – وكيف تعاملوا معها – ومن يقرأ سيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم – يجد أنه قد تعرض هو وأصحابه  لأزمات عديدة ومنها اشتداد الإيذاء به وبأصحابه في السنوات الأولى من الدعوة , وأزمة الحصار الاقتصادي لحوالي ثلاث سنوات في شعب أبي طالب , أزمة وفاة عمه أبي طالب , وزوجه خديجة رضي الله عنها في عام واحد , وأزمة تكذيب قريش لمعجزة الإسراء والمعراج , والأزمة عند الهجرة ولحوق المشركين به , والأزمة في عزوة بدر الكبرى , أزمة حادثة الإفك , وفي أحد , وفي الأحزاب , وفي الفتنة التي أراد المنافقون إشعالها بين المهاجرين والأنصار و يوم صلح الحديبية _ثم في التاريخ الإسلامي أزمات كثيرة كما في أزمة مجيء التتار , والصليبين , وأزمات الاحتلال , وفي مصر أزمة هزيمة 67 , والأزمة التي حدثت أيام نبي الله يوسف عليه السلام 0


تمر الآن مصر بأزمات شديدة أحدثت فزعا ً, وقلقا ً , واضطراباً  بين أهالينا في الوطن الحبيب ومن هذه الأزمات وأخطرها الانفلات الأمني وعدم الاستقرار , ونقص المواد الغذائية والغاز , والبطالة والفقر وعدم توفر الوظائف المناسبة , وانتشار الأمراض ونقص وغلاء الدواء , وغير ذلك من الأزمات , وجميعنا يسأل ماذا بعد ؟ وما المخرج؟


وهذا التساؤل دعاني مستعينا ً بالله تعالى إلى التفكير في الإجابة ووجدت أن أنسب إجابة هي الحديث في فقه التعامل مع الأزمات من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة وتاريخ المسلمين , حتى نتعرف على سلوك المسلم عند الأزمات بصفة عامة , ثم نفرد بعض الأزمات بالتفصيل وكيف يتعامل معها المسلم ؟ فالإسلام دين عظيم شامل كامل ينظم شؤون الحياة كلها لكل زمان ومكان , فيه تشخيص الداء , وفيه العلاج المناسب , وصدق الله تعالى إذ يقول .( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ً لكل شيءٍ وهدىً ورحمة ًوبشرى للمسلمين ) النحل ( 89 )


أولا  - الاعتراف بالذنب والإسراف في الأمر والرجوع باللوم على النفس  
فالمسلم الرباني عند الأزمات والشدائد لا يكن أول همه أن  يلقي باللوم على الآخرين أو السخط من القضاء والقدر بل يراجع نفسه لعل ما وقع به بسبب الذنوب والمعاصي أو تقصيره في حق مولاه أو مجتمعه  
قال تعالى ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين 0 وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر  لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين 0 فآتهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين  ) آل عمران ( 146 – 148 ) 


وتأمل عندما تحدث المسلمون بعد غزوة أحد عن أسباب الهزيمة نزلت الآية الكريمة ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصابتكم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير ) آل عمران ( 165 )   
وفي الآيات قبلها يقول تعالى ( ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين )آل عمران ( 152                                                                                                               ً ثانياً– اللجوء إلى الله تعالى


ويكون ذلك بالدعاء والذكر والصلاة وسائر العبادات


قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ) البقرة ( 153 )


قال تعالى ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) سورة الرعد ( 28 )


قال تعالى ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) غافر ( 60 )


عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال ( تعوذوا بالله من جهد البلاء , ودرك الشقاء , وسوء القضاء , وشماتة الأعداء ) متفق عليه
                                                                                   
جهد البلاء –  أي من البلاء الذي يبلوا الجهد , أي الطاقة , والبلاء نوعان , بلاء جسمي كالأمراض , وبلاء معنوي كمن ينشر معايبك وينسى حسناتك


ومن درك الشقاء – أي ومن أن يدركك الشقاء , والشقاء ضد السعادة , والسعادة سببها العمل الصالح , والشقاء سببه العمل السيىء , فإذا استعذت من درك الشقاء فهذا يتضمن الدعاء بألا تعمل عمل الأشقياء


وسوء القضاء – أي من القضاء الذي يسوءك ويحزنك خاصة إذا لم تستقبله بالرضا


ومن شماتة الأعداء – أي الأعداء الذين يفرحون بما أصابك من بلاء


قال تعالى ( أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أءله مع الله قليلاً ما تذكرون  ) سورة النمل ( 62 )


نبي الله أيوب – عليه السلام – حينما أصيب بالمرض وفقدان المال والأولاد


- ( وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين 0 فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وءاتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ) الأنبياء ( 84 )       

             
تفسير المنتخب ( واذكر أيها النبي أيوب حين دعا ربه – وقد أضناه المرض – وقال . أني قد أصابني الضر وآلمني , وأنت أرحم الراحمين 0 فأجبناه إلى ما كان يرجوه , فرفعنا عنه الضر وأعطيناه أولاداً بقدر من مات من أولاده وزدناه مثلهم رحمة به من فضلنا , وتذكيرا ً لغيره ممن يعبدوننا ليصبروا كما صبر , ويطمعوا في رحمة الله كما يطمع 0


نبي الله يونس – عليه السلام – ( وذا النون إذ ذهب مغاضبا ً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 0 فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ) الأنبياء ( 87 – 88 )


وقال تعالى ( وإن يونس لمن المرسلين 0 إذ أبق إلى الفلك المشحون 000 ) سورة الصافات ( 139 – 148 )  


وقصة التاجر الذي أراد قطاع الطريق وصلى وتضرع إلى الله ( كتاب الداء والدواء )

 

ثالثا ً – الأمل والثقة 
ونقصد بذلك أن يكون عند العبد اليقين بأنه الله قادر على إخراجه من الأزمات والشدائد ,( فإن مع العسر يسرا 0 إن مع العسر يسرا ) الشرح ( 5, 6 )


( لا تحزن إن الله معنا ) سورة التوبة ( 40 )


وتذكر لجوء الرسول – صلى الله عليه وسلم – في كل أحواله – كما نعلم في غزوة بدر الكبرى , وفي غزوة الخندق , وفي رحلة الطائف وغيرها 0


وتأمل في قول نبي الله موسى – عليه السلام حين عند المحنة والأزمة حين لحق به فرعون بجيشه ( فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون 0  قال كلا إن معي ربي سيهدين ) الشعراء ( 62 ) 0


وتأمل في قول نبي الله – يعقوب عليه السلام – حين قال لأولاده ( قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله مالا تعلمون 0 يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تايئسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) يوسف ( 86 – 87 )


رابعا ً – الإخلاص والعمل الصالح 
كما نتعلم ذلك من قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت في الغار ( القصة في البخاري )


خامسا ً – حسن التوكل على الله 
والتوكل الحقيقي هو معرفة الله تعالى وصفاته العلى , وتوحيد القلب ويقينه بقدرته , وحسن الظن بالله , وتفويض الأمر إلى الله مع الأخذ بالأسباب ,ويتبع ذلك الرضا بالنتائج والعاقبة التي تكون بمقادير الله 0


عن عمر – رضي الله عنه قال . سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم يقول ( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصا ً  وتعودوا بطانا ً ) رواه الترمذي


ولنا في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – القدوة الحسنة – في حسن التوكل على الله –  في الهجرة إلى المدينة المنورة , وفي حفر الخندق , وفي كل حياته 0


فعلى المسلم الذي يعاني من الفقر أن يعمل أي عمل شريف طالما أنه قادر علي العمل


وعلى المريض لأن يأخذ بأسباب الشفاء


وعلى الشعب أن يعمل وينتج ليزداد دخله


ولنا في قول عمر بن الخطاب – الذي قاله لجماعة رآهم قابعين في المسجد بدعوى التوكل على الله فعلاهم بدرته , وقال كلمته المشهورة ( لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول . اللهم ارزقني , وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ً ولا فضة )


وقد قال الله تعالى ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) الجمعة ( 10 ) 

سادسا ً – البعد عن الحرام من الرزق 
قال تعالى ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات ) سورة البقرة ( 276 )


ومن ذلك أيضا ً الأيمان الكاذبة لترويج السلعة وهي تمحق البركة


سابعا - الاعتدال في الإنفاق والبعد عن الإسراف والتبذير

قال تعالى ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) الأعراف ( 31 )


وقال تعالى( وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ً 0 إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً ) الإسراء ( 26 – 27 )


وقال تعالى ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ً ) الفرقان ( 67 )


ولذلك نتواصى بالابتعاد عن مظاهر الترف والإسراف كما نرى اليوم في كثير من أفراح المسلمين , ومآتمهم , وحفلاتهم , ومناسباتهم المختلفة


ثامنا ً - التيسير وعدم المغالاة ( في الأسعار – في المهور وغير ذلك ) 
فالإسلام دين التيسير والرحمة في العبادات والمعاملات وفي كل التشريعات


قال تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) البقرة ( 185 )


قال تعالى ( هو اجتباكم و ما جعل عليكم في الدين من حرج ) الحج ( 78 )


تاسعا ً – حسن الظن وعدم إثارة  الشائعات الكاذبة بين الناس 
قال تعالى( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلي أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ً ) النساء ( 83 )


وقال تعالى (يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبىء فتبينوا أن تصيبوا قوما ً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) الحجرات ( 6 )


وقال تعالى ( يا أيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا ً من الظن إن بعض الظن إثم ) الحجرات ( 12 )  


عاشرا ً – التعاون والتكافل والإيثار 
قال تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) المائدة ( 2 )


ولنا في الأنصار – رضي الله عنهم – القدوة حينما تكافلوا مع إخوانهم المهاجرين , بل قدموا أروع نماذج الإيثار عبر التاريخ 0 ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) الحشر ( 9 ) 

 

الحادي عشر – الإيجابية 
فالمسلم يعرف عند الأزمات والشدائد خاصة وذلك بتقديم الحلول العملية والأعمال الصالحة المناسبة للخروج من الأزمات التي يعاني منها المجتمع  0


ولنا القدوة في الصحابة – رضي الله عنهم – ومن هذه النماذج الطيبة الحباب بن المنذر – رضي الله عنه – صاحب فكرة بئر بدر في غزوة بدر , وسلمان الفارسي – رضي الله عنه – صاحب فكرة حفر الخندق في غزوة الأحزاب , والصديق رضي الله عنه في كل مواقفه مع الرسول – صلى الله عليه وسلم


الثالث عشر –  الدعم المعنوي والمادي لقضايا المسلمين         
حيث يجب علينا تقديم كل صور الدعم المعنوي والمادي لنصرة إخواننا في فلسطين والتصدي للاحتلال الصهيوني  الغاشم , والتصدي لتهويد مدينة القدس وحفر الأنفاق في منطقة المسجد الأقصى , وغير ذلك صور العدوان الصهيوني , وكذلك يجب علينا نصرة الثوار والشعب السوري المظلوم وتخليصه من هذا الطاغية السفاح  0


ولذلك نوصي بالدعاء لإخواننا , والجهاد بالمال لنصرتهم , وكذلك يجب مقاطعة  منتجات الأعداء كمنتجات الكيان الصهيوني و أمريكا وروسيا والصين 0


قال تعالى ( إنما المؤمنون إخوة ) الحجرات ( 10 )


قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم ( من جهز غازيا ً في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا ً في أهله بخير فقد غزا ) متفق عليه 0


اترك تعليق