إسلاميو تونس في مواجهة اليسار والفلول (ليلى بيومي)

By :

المتابع لما يحدث في تونس، كأنما يقرأ في كتاب الواقع المصري تمامًا، فالقضايا المثارة هي نفس القضايا، والمخاوف هي ذات المخاوف، والقوى السياسية الناشطة والمؤثرة في الشارع هي نفس القوى، والغل والكراهية تجاه الإسلاميين هو الشعار الذي يحكم سياسات اليسار وبقايا نظام بن علي.

ورغم أن هناك اختلافًا مؤثرًا وحقيقيًّا في التجربة التونسية عن التجربة المصرية، وهو أن رأس الدولة في تونس تشترك فيه قيادة ثلاثية من أهم الأحزاب السياسية في الشارع التونسي، فرئيس الدولة "المنصف المرزوقي" هو أمين عام حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، ورئيس البرلمان "مصطفى بن جعفر" هو أمين عام التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، ورئيس الحكومة "حمادي الجبالي" هو أمين عام حركة النهضة التونسية، إلا أن ذلك لم يمنع اليسار والفلول من الهجوم الشرس على القيادة الثلاثية، وبصفة خاصة على حركة النهضة الإسلامية.

الأطراف التي تتولى إشعال الأزمة في تونس هي فلول العهد البائد، ومعهم اليسار والإعلام.

ومعروف أن حزب الرئيس المخلوع زين الدين بن علي "حزب التجمع الدستوري الديمقراطي" هو الذي هيمن على الحياة السياسية في البلاد منذ الاستقلال 1956م إلى بداية سنة 2011م، أي عندما اندلعت ثورة تونس، ورغم حل هذا الحزب إلا أن أعضاءه استطاعوا اقتحام أحزاب وحركات سياسية أخرى، كما أنهم يهيمنون -بحكم وجودهم التاريخي- على الاتحاد العام التونسي للشغل. كما كان قيام رئيس الوزراء السابق الباجي قايد السبسي مؤخَّرًا بتشكيل "حزب نداء تونس" إيذانًا بتجميع فلول العهد البائد، وقد اعتبره حزب حركة النهضة الحاكم من فلول النظام السابق للعودة إلى الحياة السياسية باعتبار أن أبرز الوجوه التي ساندت النظام السابق ومَن تتعلق بهم شبهات فساد مالي وإداري؛ التحقت بهذا الحزب.

ولأن التجمعيين ومعهم اليسار، بحكم تجربتهم التاريخية الطويلة، يملِكون المال ووسائل الإعلام، فباتوا يحرضون الشارع التونسي تحريضًا سافرًا، داعين إلى الإضرابات والاعتصامات، وإلى غلق الطرقات وتعطيل السكك الحديدية ووسائل النقل العمومية, بل حتى حرق بعض الغابات ومخازن الأدوية، وباتوا وكأنهم في معركة للإجهاز المبكر على حركة النهضة؛ حتى تفشل في أعوامها الأولى في الحكم، وحتى يموت حلم استعادة الهوية الإسلامية في مهده.

وفي هذه المعركة اتضح أن حركة النهضة تملِك إعلامًا ضعيفًا حصلت عليه بعد الثورة، في مقابل إعلام قوي قائم ومستمر منذ سنوات يملكه رموز من عهد بن علي عن طريق سيطرتهم على رءوس أموال ضخمة.

أما اليسار فإنه يدير معركته مع حركة النهضة وحكومتها عبر "الاتحاد العام التونسي للشغل"، وهو أكبر منظمة نقابية في البلاد، ويتمتع بسجل نضالي منذ تأسيسه عام 1946م، كما يتمتع بنفوذ سياسي واسع، ولعب الاتحاد دورًا محوريًّا في مقاومة الاستعمار الفرنسي حتى استقلال تونس عام 1956م، وخاض مواجهات دامية مع نظام الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، كما وجه الضربة القاضية لنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي في آخر مظاهرة أمام مقر وزارة الداخلية يوم 14 كانون ثانٍ (يناير) عام 2011م، قبل إعلان سقوط النظام وفرار بن علي إلى خارج البلاد. ولكن هناك شبهات بالفساد في ظل النظام السابق تلاحق عددًا من قيادات الاتحاد، كما أن هناك انتقادات ضده بأنه كان مهادنًا لنظام بن علي خلال السنوات الأخيرة، وأنه أحجم حتى عن الإضرابات العامة طيلة فترة حكم بن علي.

ومنذ صعود الإسلاميين إلى الحكم بعد الثورة تتسم علاقة الاتحاد بالحكومة المؤقتة -التي تقودها حركة النهضة مع حزبي المؤتمر والتكتل العلمانيَّينِ- بالتوتر ولَيِّ الذراع في كثير من المسائل الخلافية. وقد تسبب هجوم نفذته جماعات تنتسب إلى "روابط حماية الثورة" المقربة من حركة النهضة على المقر المركزي للاتحاد العام للشغل بالعاصمة إلى حالة احتقان في الشارع. ويتهم الاتحادُ حركةَ النهضة بإدارة ميليشيات تحت لافتة "روابط حماية الثورة" ضده وضد الأحزاب المعارِضة، بينما تتهم الروابطُ المنظمةَ النقابية بتأجيج الاحتجاجات ضد الحكومة المؤقتة في المحافظات.

وكانت أحداث مدينة سليانة -التي تمكنت خلالها الشرطة من تفريق احتجاجات الآلاف من المتظاهرين والمعتصمين بالقوة، وإصابة أكثر من 200 متظاهر- فرصة سانحة لكي يستغلها الاتحاد بقياداته اليسارية؛ ليقود الاحتجاجات ضد حكومة حركة النهضة، ويدعو للإضراب، ويسانده في ذلك إعلام الفلول والإعلام اليساري، متهمين حركة النهضة وحكومتها بارتكاب أخطاء قاتلة مثل: قمع الاحتجاجات بالقوة، وتمكين رجال الأعمال الإسلاميين، وإهمال التنمية الاقتصادية الشاملة.

أما حزب "نداء تونس" العلماني المعارِض الذي يرأسه رئيس الوزراء السابق الباجي قايد السبسي، فبسبب كراهيته الشديدة للإسلاميين الذين أنزلوه من على عرش الحكم؛ قرر رفع شكوى إلى محكمة الجنايات الدولية ضد مسئولين حكوميين وسياسيين تونسيين بينهم راشد الغنوشي، بتهمة ارتكاب "جريمة ضد الإنسانية"، على خلفية تَكرار ما يدَّعيه حزب "نداء تونس" من اعتداءات محسوبين على حركة النهضة على مقرات واجتماعات الحزب وقتلهم أحد قيادييه. وستكون الشكوى ضد "علي العريض" وزير الداخلية والقيادي في حركة النهضة، و"راشد الغنوشي" رئيس الحركة، و"محمد عبو" أمين عام حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" (يسار وسط) شريك النهضة في الائتلاف الحاكم، و"محمد معالج" رئيس "الرابطة الوطنية لحماية الثورة" المحسوبة على حركة النهضة. ويتهم حزب "نداء تونس" وزارة الداخلية بالتواطؤ مع مئات من المحسوبين على هذه الرابطة، كما تدعي أحزاب معارضة أن الرابطة ما هي إلا "ميليشيات إجرامية" تستعملها حركة النهضة لضرب خصومها السياسيين، فيما تنفي الحركة كل هذه الاتهامات.

ورفض راشد الغنوشي ومحمد عبو مطالب المعارضة بحل رابطة حماية الثورة، بل حصلت الرابطة على ترخيص حكومي بالتأسيس، وقال الغنوشي: إن الرابطة هي "ضمير الثورة" التونسية التي أطاحت في 14 يناير 2011م بالرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. كما يَعتبر الغنوشي أن حزب "نداء تونس" أخطر على الثورة من السلفيين، وأنه يمثل امتدادًا لحزب "التجمع" الحاكم في عهد بن علي.

هذا، وقد صدرت مؤخرًا مسودة الدستور التونسي الجديد الذي سيُعرض للمناقشة والتصويت في الجلسات العامة.

وكثير مما جاء في الدستور جاء نتيجة لتوافق مختلف الاتجاهات، مثل: عدم إدراج الشريعة في الدستور، والاكتفاء بالفصل الأول من النص القديم: (تونس دولة حرة ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها) النموذج الأبرز لهذا التوافق.

وقد جاء الاتفاق بعد فترة انقسام كبيرة بين الفاعلين السياسيين، وبعد نقاش وطني واسع ساهم فيه العديد من المختصين، واقتنعت على إثره حركة النهضة بعدم إدراج الشريعة في الدستور.

وبالإجمال، فهناك إشارات جيدة وإيجابية، لكن مع وجود نقاط غموض اعتبرها البعض فِخاخًا أو قنابل قد تنفجر لاحقًا لحظة بلورة مشاريع القوانين.

وبالمقارنة مع الدستور المصري؛ فإننا نلاحظ فروقًا عديدة، ليس فقط بين النصين، ولكن كذلك بين مجتمعَينِ من حيث طبيعة الوعي المجتمعي العام؛ فنزعة المحافظة هي السمة الغالبة على المجتمع المصري، وهو ما تعكسه الخريطة السياسية، وكذلك نص الدستور المقترح، أما المجتمع التونسي فأقل محافظة، ولهذا السبب لم يُدرج مطلب الشريعة في الدستور، كما تم استبعاد فصل حول ما سُمِّيَ بتجريم التعدي على المقدسات.

ويقول المراقبون: إن أغلب فصول باب المبادئ العامة وباب الحقوق والحريات جاءت مستفيضة ومقبولة، ولو أنه يمكن التحسين فيها.

وهكذا، فقد وقع توافق على الإشكاليات الكبرى، ولم يبقَ سوى التوافق حول طبيعة النظام السياسي؛ إما رئاسي، وهو مطلب كل الأحزاب أو برلماني، كما تريد حركة النهضة.


اترك تعليق