موقف علماء المسلمين في مالي عن الأزمة الحالية (محمد الصالح ديالو)

By :

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله ربينا محمد وآله وصحبه أجمعين.


  أما بعد: فبناء على ما لاحظته في الآونة الأخيرة من بعض إخواننا المسلمين، وخاصة في العالم العربي من مواقف تتسم بعدم التصور والاستيعاب الكاملين لحقيقة ما يجري في مالي، الأمر الذي قد يصدر عنه أحكام خاطئة؛ إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، رأيت أنه من واجبي في النصح لعامة المسلمين كتابة هذه الأسطر، ونشرها، وهي كلمات أتحمل مسئولية كل حرف منها أمام الله، ولا يدفعني لكتابتها أي اعتبار آخر سوى الدافع الديني الذي أشرت له، وتتلخص هذه المقالة في عنصرين أساسيين هما:


1. من الذين خلف العمليات في شمال مالي؟
2. ماذا فعل علماء المسلمين في مالي لإخماد الفتنة؟
3. ما موقف علماء المسلمين في مالي بخصوص الأزمة؟


أقول وبالله تعالى أستعين:
• من الذين خلف العمليات في شمال مالي؟ أما بخصوص من يقف خلف هذه العمليات المسلحة التي نتج عنها احتلال المناطق الشمالية لدولة مالي، فقد سبق أن كتبنا عنها مقالا منشورا حتى اللحظة على موقع الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وسأوجز الكلام هنا في التعريف بمن يحركون هذه الفتنة في مالي.


هذه الفتنة الجديدة التي شهدتها دولة مالي الإسلامية ، يقف خلفها طرفان أساسيان، بهدفين كبيرين متناقضين، وهما:-


1. الحركة الوطنية لتحرير أزواد : وهذه الحركة تتألف فقط من قبيلة الطوارق، وهم ماليون. وهدف الحركة المعلنة هو فصل المناطق الشمالية عن بقية الدولة وتأسيس دولة علمانية مستقلة بها، إلا أن هذا المطلب تواجهه صعوبات جمة أهمها: أن غالية سكان المناطق الشمالية  لا يوافقون عليه، ولأنه عمل عنصري واضح سيترتب عليه مصاعب جمة للمسلمين القاطنين في هذه المناطق، كما أن الطوارق أنفسهم – وهم للعلم مسلمون 100% - ليسوا مجمعين على هذا الطلب، بل إن كثيرا منهم يعارضونه بكل قوتهم، ويعملون جنبا إلى جنب مع سلطات دولتهم مالي لإحباط هذا المشروع.


2. جماعة أنصار الدين، وحلفاؤها (تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا، وحسب بعض المصادر توجد أيضا مقاتلون من جماعة بوكو حرام النيجرية) وهذا التحالف الإسلامي الجهادي المغالي، عنده هدف أساسي أعلن عنه وهو: تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع أرض مالي، وخاصة تطبيق الحدود الجنائية الشرعية في السرقة والزنا وشرب الخمر والقتل والحرابة وغيرها من الحدود الشرعية، وهذا التحالف يؤمن بوحدة أرض مالي، ولا يؤمن بفصل شمالها عن جنوبها، إلا ما جاء في تصريح أخير لقائد جماعة أنصار الدين عياض أغ علي يطالب فيه بمنح المناطق الشمالية حكما ذاتيا. ويتألف هذا التحالف من ماليين وأجانب؛ فجماعة أنصار الدين تتألف بشكل أساسي من طوارق مالي، وأما حليفتها، تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، فهي حركة أجنبية تتكون بشكل رئيسي من الإسلاميين الجزائريين، ومعهم عناصر من جميع دول شمال أفريقيا وغيرها، ولا يستبعد أن يكون معهم  بعض الماليين، كما أن حليفتها الثانية: حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقياـ تعتبر هي الأخرى حركة أجنبية تتألف من عناصر من موريتانيا ومن مالي طبعا ومن جميع دول غرب أفريقيا، وأما بوكو حرام فمعلوم أنها حركة أجنبية تتألف من متشددين إسلاميين نيجيريين.


   فالعمليات المسلحة العدوانية في شمال مالي دشنتها الحركة الوطنية لتحرير أزواد يوم 17 يناير 2012 بمهاجمة مواقع الجيش النظامي في دائرة ميناكا، وتتابعت الهجمات على مواقع الجيش النظامي في مختلف مدن الشمال بالتحالف بين الحركة الوطنية لتحرير أزواد وبين الجماعات الإسلامية الجهادية، ووصلت العمليات إلى ذروتها بسيطرة الجماعات المسلحة على المدن الشمالية الكبرى (كيدا وغاوو، وتومبوكتو، وأجزاء من إقليم موبتي) وإرغام الجيش النظامي على الانسحاب منها، وبالسيطرة على هذه المناطق أعلنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد نهاية العمليات العسكرية لأنها حسب زعمها تمكنت من تحرير كامل أرضها، ولم تلبث أن أعلنها من جانب واحد دولة مستقلة.


   وبعد هذا الوضع عقدت الجماعات المسلحة المسيطرة على الشمال عدة لقاءات فيما بينها للتوصل إلى صيغة توافقية للتعايش وإدارة المناطق المسيطر عليها، ولكن هذه اللقاءات كلها باءت بالفشل لتناقض مطالب الأطراف المسلحة، فالحركة الوطنية لتحرير أزاد، حركة علمانية تحظى بدعم غربي وخاصة من فرنسا التي تستضيف بعض قادة الحركة، وفيها تم الإحتفال بـ: (دولة أزواد)، وبالتالي لا يمكن أن تتنازل عن مبدأ علمانية الدولة الجديدة، بينما تتمسك جماعة أنصار الدين بإسلامية الدولة والتطبيق الكامل للشريعة الإسلامية، وهذا هو موقف حلفاء جماعة أنصار الدين من القاعدة وحركة التوحيد، مما يجعل أي تنازل من طرف جماعة أنصار الدين عن هذا المبدأ أمرا عسيرا؛ إذا قد ينشأ عنه تقاتل داخلي بين الجماعات الإسلامية.


    تعايشت الجماعات المسلحة (الإسلامية من جهة، والعلمانية الإنفصالية من جهة أخرى) بعلاقات هشة يكتنفها التوتر وسوء التفاهم مدة تزيد على الشهرين، ولكن هذا التعايش الهش انتهى بمعركة دامية بين الطرفين في مدينة غاوو في شهر يونيو 2012، انتهت بطرد الحركة الانفصالية من مدينة غاوو التي أعلنوها عاصمة لدولتهم.


   وأصبحت الجماعات الإسلامية المسلحة هي المسيطرة على جميع المناطق الشمالية التي وزعوا إدارتها فيما بينهم، فأصبحت كيدال تحت إدارة جماعة أنصار الدين، وقائدها من إقليم كيدال أصلا، وأصبحت غاوو تحت إدارة حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا، بينما أصبحت إقليم تومبوكتو تحت إدارة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. ومع هذا التوزيع فإن الحركات الثلاث احتفظت فيما بينها بتنسيق قوي؛ بحث إذا تعرضت إحداها لي خطر ساندتها الأخرى فورا.


• ماذا فعل علماء المسلمين في مالي لإخماد الفتنة؟
  هذا هو الواقع، دولة مالي مقسمة إلى شمال وجنوب، شمال تحت سيطرة الجماعات الإسلامية المسلحة ويسكنها ما يزيد قليلا على 10% من سكان مالي، وتمثل ثلثي مساحة أرض مالي، وجنوب خاضع للحكم النظامي الرسمي، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الجهود  المبذولة لحل الأزمة، وتحديدا ما الدور الذي لعبه علماء المسلمين في مالي لحل الأزمة؟


    الحقيقة أنه تم بذل جهود كبيرة من جهات متعددة لحل الأزمة سلميا، سواء من المجموعة الإقتصادية لدول غرب أفريقيا، أو من الإتحاد الأفريقي، أو من منظمة التعاون الإسلامي، أو من الأمم المتحدة، وكلها تعطي الأولوية لحل الأزمة سلميا عن طريق التفاوض، ثم إذا فشلت المساعي السلمية يكون آخر العلاج الكي، وكان المقرر المواصلة في مساعي الحل السلمي إلى شهر سبتمبر 2013م.


   وأما علماء المسلمين، فيمكن إيجاز دورهم في الآتي:


1. دور علماء المناطق الشمالية: حيث تمثل دورهم في إدانة ما قامت به الجماعات المسلحة، سواء الانفصالية منها أو الإسلامية؛ ورفض العلماء الانضمام لهؤلاء الناس، رغم طلباتهم الملحة؛ وسعوا في إطار الحيز الضيق المفتوح لهم من حرية التعبير لتوعية الشعب بمخالفة فعل هؤلاء لضوابط الشريعة الإسلامية التي يرفعونها كشعار.


2. دور علماء الجنوب المشترك: وهو توعية المسلمين وخاصة الشباب منهم بحقيقة فكر هؤلاء وما فيه من غلو يأباه الشرع الحنيف، وذلك من خلال الخطب والمحاضرات الإذاعية والمحاضرات العامة، والهدف منع تعدي حمى التطرف الديني لبقية شباب المسلمين.


3. دور المجلس الإسلامي العلى في مالي: أما المجلس الإسلامي الأعلى في مالي – وهو أعلى جهة دينية تمثل مسلمي مالي – فقد اضطلع بدور محوري لحل هذه الأزمة منذ لحظاتها الأولى حرصا على تفادي أية نتائج كارثية أكبر من التي عرفتها المناطق الشمالية أثناء معارك السيطرة عليها،


أ‌. فقام وفد من المجلس الإسلامي الأعلى ممثل في شخص رئيس المجلس الشيخ الإمام محمود ديكو ضمن وفد وطني كبير يضم وزراء وقادة سياسيين، بالذهاب إلى مدينة وغادوغو عاصمة بوركينا فاسو؛ حيث الوسيط الدولي لإنهاء الأزمة سلميا الرئيس بليز كومباووري؛ وذلك للتعاون المشترك لإنهاء الأزمة سلميا.


ب‌. زيارة وفد من المجلس بقيادة رئيسه الإمام محمود ديكو للمناطق الشمالية ومقابلة قادة المسلحين الإسلاميين فيها وخاصة في مدينة غاوو كبرى المدن الشمالية، وبين لهم موقف المسلمين الرافض لفعلهم، ونبههم إلى الويلات التي جرتها أمثال فعلهم هذا على دول إسلامية، مثل ما حدث في الصومال وأفغانستان ... الخ، وقد اقتنعوا بفكرة التفاوض التي عرضها عليهم وفد المجلس الإسلامي الأعلى لإنهاء الأزمة ولو بالتنازل عن بعض مطالبهم.


ت‌. جمع التبرعات من السكان من أجل شراء المواد الغذائية والطبية وتوصيلها للسكان الذين تبقوا في الشمال، وقد وفق المجلس الإسلامي الأعلى لجمع مبالغ مالية كبيرة، وتوصيل المواد الغذائية والطبية لجميع الأقاليم الشمالية المحتلة، وأشرف المجلس عمليا على توصيل المساعدات للمعنيين وتوزيعها عليهم.


ث‌. اتصل المجلس الإسلامي الأعلى بأعلى سلطات الدولة؛ من أجل إقناعهم بضرورة السعي لإنهاء الأزمة بالتفاوض، وأن المجلس الإسلامي الأعلى مستعد للوساطة وإجراء هذه المفاوضات إذا قبلت الحكومة، الأمر الذي وافق عليه رئيس الحكومة الدكتور شيخ موديبو جارا، وأكد أن المجلس يحظى بتأييده الكامل في مثل هذه المساعي الحميدة.


ج‌. شكل المجلس الإسلامي الأعلى فورا لجنة علمية من العلماء المتخصصين لإعداد دراسة شرعية عن ضوابط الجهاد وتطبيق الشريعة وخاصة في دولة إسلامية مثل مالي، مع تحديد الحكم الشرعي في عمل هؤلاء المسلحين الجهاديين، وحكم الشريعة فيهم، وتم تشكيل اللجنة العلمية برئاسة الإمام هود بكاري كوني عضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، وينوبه كاتب هذه الأسطر وهو أيضا من أعضاء الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وتمت الدراسة قبل نهاية شهر رمضان الماضي (رمضان 1433هـ)، ولكن هذا السعي تمت عرقلته على ما يبدوا بضغط خارجي وداخلي على رئيس الحكومة، فقد كان كثير من السياسيين يعارضون التفاوض مع المسلحين الإسلاميين الأجانب المتشددين، وهذا موقف المجتمع الدولي أيضا، الأمر الذي جعل رئيس الحكومة يرفض التفاوض إلا مع المسلحين الماليين، وهم أعضاء الحركة الوطنية لتحرير أزواد بشرط التنازل عن فكرة الانفصال، وجماعة أنصار الدين بشرط التنازل عن فكرة التطبيق الشامل للشريعة.


  وكان المجلس يسعى للتوصل لصيغة توافقية مناسبة لإجراء هذه المفاوضات، ولكن فوجئ الجميع بتصعيد الجماعات الإسلامية لهجماتها صوب الجنوب؛ حيث هاجموا يوم الخميس 10 يناير 2013 موقع الجيش النظامي في مدينة كونا التي تفصل الجنوب عن الشمال، وتمكنوا من احتلالها وطرد الجيش النظامي منها، الأمر الذي جعل رئيس الجمهورية البروفيسور جونكوندا تراوري يكتب رسالة فورية لرئيس دولة فرنسا: فرنسوا هولند، يلتمس منه التدخل العاجل لمساعدته على الدفاع عن الدولة ومنعها من الانهيار والسقوط، حتى لا تتكرر في مالي تجربة الصومال المرة، وبهذا وجدنا أنفسنا في الوضع المؤسف الحالي، على أن المسلحين الإسلاميين يبررون تصعيدهم الجديد بأنه رد على ما اعتبروه استفزازا من حكومة مالي التي سعت لاستصدار قرار أممي لتدخل عسكري دولي لتوحيد أرض مالي في حالة فشل المفاوضات.
ح‌. وإلى جانب المجلس الإسلامي الأعلى توجد جهات علمية سعت في الأزمة وعلى رأسها إتحاد علماء أفريقيا الذي أصدر بيانات كثيرة بشأن الأزمة، كان آخرها صدورا حتى الآن ما صدر بتاريخ 19/01/2013 حول الحرب التي تدور حاليا في الدولة، والإتحاد يحمل الجماعات المسلحة الإسلامية المسؤولية الكاملة عما يجري.


• ما موقف علماء المسلمين في مالي بخصوص الأزمة؟ 
  
إن هذا هو السؤال الذي ننهي به هذا المقال، وذلك ليعرف إخواننا المسلمون حيث كانوا موقف إخوانهم في هذه القضية الشائكة، وخلاصة موقف علماء المسلمين في مالي مما يجري هو الرفض التام لما أقدم عليه المسلحون الإسلاميون والدعم الكامل لتصرف الحكومة بما في ذلك استقدامها القوات الفرنسية، ويظهر هذا الرفض في صور شتى نوجزها في الآتي:


1. المجلس الإسلامي الأعلى في مالي يصف عملهم بأنه حرابة وفساد في الأرض: من خلال البحث العلمي الذي قام به لجنة من العلماء ثم اعتمده جميع علماء مالي بعد مناقشته، يصف العلماء عمل المسلحين المتشددين بأنه حرابة وفساد في الأرض.


- حرابة لأنها تفتقر إلى كثير من شروط وضوابط الجهاد الإسلامي، وخاصة أن الذين يقودون العمليات أكثرهم من دول أخرى قد لا تكون حتى مجاورة لمالي، وعلاوة على ذلك أن بعضهم معروفين منذ ما يربو على عشر سنوات بجهودهم غير الشرعية في الصحراء الكبرى من خطف السياح والعمال الأجانب ثم إطلاق سراحهم مقابل أموال تدفعها لهم دول الرهائن فدية لأرواح ذويهم، ومن تجارة المخدرات وتهريب البضائع، على أننا لا ننفي وجود أفراد من بينهم يحملون نوايا حسنة هي تطبيق الشريعة، واستنكار الوضع الحالي؛ حيث إن نظام الحكم في مالي في العقدين الماضيين عمل فعلا على إفساد الأخلاق ونشر الظلم الإجتماعي، ولكن حسن نية المخطئ لا يعذره شرعا، والغاية لا تبرر الوسيلة، فمهما تكن أخطاء الحكومة فإن ذلك لا تجيز الخروج عليها وقتل المسلمين في هذا السبيل والإستعانة بالأجانب على حرب الدولة وإضعافها.


- وفساد، لما ترتب عليه من المساوئ الكبيرة لشعب مالي المسلم، ولدعوة السنة المعتدل في مالي، فقد نتج عن هذه العمليات المسلحة لجوء مئات الآلاف من سكان الشمال للدول المجاورة، ونزوح عشرات الآلاف إن لم نقل أكثر من مائة ألف للجنوب، ونتج عنها توقف التعليم والتنمية في المناطق الشمالية، بل وتأثرت الخدمات الإنسانية الأولية بهذه العمليات؛ حيث تمخض عنها تخريب المشتشفيات العامة والخاصة، وتخريب الصيدليات العامة والخاصة، وتخريب مخازن الأغذية العامة والخاصة ونهب محتوياتها جميعا، وتم تخريب البنوك وهي ممتلكات خاصة، وترتب عليها قتل المئات حتى الآن من المسلمين، سواء من عناصر الجيش النظامي أو المسلحين أو المدنيين العزل، وكلهم مسلمون، بل ووصل الأمر إلى درجة اغتصاب الفتيات المسلمات، وهذا تكرر كثيرا في المناطق المحتلة وخاصة في إقليم غاوو، وأي فساد أكبر من هذا؟! حق أن معظم هذا الفساد ارتكب في بداية العمليات ومن عناصر الحركة العلمانية الإنفصالية، ولكن الحركات الإسلامية المسلحة تشاركها في تحمل كافة هذه المسئوليات؛ إذ لم تكن الحركة الانفصالية لتتمكن من ارتكاب المخالفات الإنسانية والشرعية الفظيعة التي ارتكبتها في حق سكان المناطق الشمالية عقب سيطرتهم على مدينة غاوو لولا مساعدة الحركات الجهادية لها وتحالفها معها. ومن المفاسد الكبيرة التي ترتبت على فعلهم ما يتعرض له اليوم دعاة أهل السنة المعتدلين، من مضايقات وملاحقات عدوانية من قبل بعض عناصر الأمن الذين لا يفرقون بين سني معتدل، ومتطرف من الغلاة يتظاهر بكونه من أتباع سلف الأمة.


2. القنوت في الصلوات والدعاء على المسلحين بدون استثناء بين علمانييهم وإسلامييهم الذين يعتبرون شرعا في حكم المحاربين والمفسدين في الأرض.


3. كتبت رابطة الأئمة والعلماء في مالي خطابا لجميع المساجد يطالب فيه الأئمة بأمور منها: القنوت والدعاء للدولة بالأمن والاستقرار وعلى الجماعات المسلحة التي تحارب الدولة بالهلاك والدمار، ومنها: مطالبة المسلمين جميعا بالإسهام ماليا في تمويل الحرب الحالية، وهو ما يجري الآن في جميع مساجد باماكو والأقاليم التي تحت السيطرة الحكومية؛ لأن رابطة الأئمة والعلماء في مالي، ترى في الحرب الجارية ضد المسلحين الإسلاميين المتشددين أنها دفاع عن الوطن وتحرير للأرض وقتال لأهل الحرابة والمفسدين.


4. أما التدخل الفرنسي، فرغم أننا جميعا كنا ضد أي تدخل أجنبي في شؤوننا الداخلية، لما يترتب على ذلك من المفاسد الكبيرة؛ ولكن الذي ليس فيه أدنى شك أنه أهون الشرين؛ فقتالهم رغم شبهة الإسلام الذي يرفعون لواءه أولى من انهيار دولة مالي بالكامل؛ لذلك قال رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الشيخ محمود ديكو الليلة البارحة: نحن نؤيد فرنسا ونشكرها على تدخلها لمساعدة مالي. وهذا هو موقف جميع علماء البلد اليوم فالدولة استعانت بفرنسا وغيرها مضطرة، مثلما استعان بهم ويستعين بهم دول إسلامية أخرى قبل غير مالي، لذلك فنحن نستغرب كثيرا ما نسمعه من بعض إخواننا المسلمين في العالم الإسلامي العربي من تنديد بموقف حكومة مالي في استعانتها بمن يساعدها على الحفاظ على وحدة أرضها وحماية شعبها، وكان الأولى بهؤلاء الإخوة الأحباب - الذين يتكلمون فيما أعتقد عن حسن نية وحب لمسلمي مالي – أن يطالبوا الجماعات الإسلامية المسلحة المتشددة بضرورة مغادرة دولة مالي والرجوع إلى بلدانهم، ثم مطالبة حكومة مالي بضرورة الدخول في مفاوضات جادة مع كافة أبناء الدولة، وهو مطلب لم ترفضه دولة مالي، بل كانت المفاوضات تجري عند ما تم الهجوم الأخير.


5. والذي أراه شخصيا ويراه معي الكثير من أبناء الدولة هو أن تتدخل الهيئات الإسلامية الدولية كمنظمة التعاون الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي والدول الإسلامية الصديقة المعتبرة كالسعودية ومصر والجزائر والمغرب، وغيرها لإيقاف الحرب وتهيئة أرضية مناسبة لمفاوضات جادة تتوصل بإذن الله تعالى إلى إنهاء الأزمة بشكل نهائي يكون في مصلحة الشعب والدولة والمنطقة برمتها، وما ذلك على الله بعزيز، متى صدقت النوايا وخلصت القلوب، واتجهت الإرادات لحل عادل ومنصف، فالأطراف المتنازعة كلها مشتركة في دين الإسلام، والله ولي التوفيق.


نسأل الله تعالى ان يكتب لأمتنا الأمن والاستقرار والطمأنينة في دولها، وأن يؤلف بين قلوبنا ويصلح ذات بيننا ويجمع كلمتنا على الحق، ويهدينا سبل السلام ويجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يعيننا على توحيد امتنا على الحق، وعلى تجاوز هذه الخلافات الضيقة التي تؤخرنا ولا تقدمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.


  وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

                         كتبها سيدي المختار محمد الصالح ديالو، 
عضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين، عضو اتحاد علماء أفريقيا، عضو المجلس الإسلامي الأعلى في مالي، عضو رابطة الدعاة في مالي.

بتاريخ الأحد: 20 مايو 2013 – 8 ربيع الأول 1434هـ.


اترك تعليق