محنة الإسلام على يد العلمانية المتطرفة في بنجلاديش (محمد سليم منسيري)

By :

تسيطر على حزب (رابطة عوامي) الحاكم في بنجلاديش علمانية متطرفة تسعى لعودة الحزب الواحد ومحو المعارضة

 

 -يكرس العلمانيون جهودهم لمعاداة الإسلام وأتباعه الناشطين


قضت محكمة جرائم حرب فى بنجلاديش، يوم الإثنين 21 يناير 2013 بإعدام أبو الكلام أزاد, الذي ينتمي للجماعة الإسلامية في بنجلاديش, بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال حرب الانفصال عن باكستان التى شهدتها البلاد عام 1971.

 

وهذا هو الحكم الأول الذي تصدره تلك المحكمة المثيرة للجدل، والتى تحاكم عددًا من قيادات الجماعة الإسلامية بمن فيهم خمسة من قادة الجماعة الإسلامية بما في ذلك مؤسس الجماعة في بنجلاديش البروفيسور غلام أعظم، والأمير مطيع الرحمن نظامي، والأمين العام على إحسان محمد مجاهد، ونائب الأمير  دلاور حسين سيدي, بتهمة ارتكاب جرائم خلال هذه الحرب. وقد أدين آزاد غيابيا لأنه لجأ إلى باكستان بعد اتهامه بهذه الجرائم العام الماضى.


وفي ثلاث حلقات, نعرض لمحنة الإسلام في بنجلاديش:
أكثر من  85 % من سكان بنجلاديش البالغ عددهم 150 مليون نسمة  هم من المسلمين، فهي ثالث أكبر بلد مسلم في العالم بعد إندونيسيا وباكستان. ومع ذلك يتحول دينهم، الإسلام، إلى دين أقلية يوما بعد يوم. المسلمون في جميع أنحاء العالم، وحتى في الغرب حيث هم أقلية،  يتمتعون بالحرية الدينية الأساسية، لكن هذا الحق يُحرم منه المسلمون في بنجلاديش، حتى وهي تتطلع لأن تصبح مجتمعا علمانيا يتمتع فيه كل مواطن بحرية الفكر والرأي وحرية التدين.


 اتخذ النظام الحالي في بنجلاديش سياسة شاملة للعلمنة بهدف إبعاد النفوذ الإسلامي من المشهد السياسي والاجتماعي ولو كان على حساب الحرية الدينية الأساسية للمسلمين. وهذه السياسة أصبحت بشكل واضح معادية لمبادئ الديمقراطية، وسيادة القانون، وحرية التنقل، والتعددية السياسية، وحقوق الإنسان المعترف بها دوليا.


نقطة التحول الأخيرة
تمر بنجلاديش بمرحلة انتقال ضخمة من مجتمع مسلم ليبرالي إلى مجتمع "علماني متطرف". بعد سنتين من نظام الحكومة المؤقتة المدعومة من الجيش أجريت انتخابات عامة في بنجلاديش في ديسمبر عام 2008 جاءت بالتحالف الذي تقوده رابطة "عوامي بنجلاديش" للسلطة بأغلبية الثلثين في البرلمان. وعقب الانتخابات، توقع شعب بنجلاديش والمجتمع الدولي أن تتبع الحكومة المنتخبة طريق الديمقراطية مع اﻷحزاب المعارضة، لإرساء سيادة القانون وتعزيز المؤسسات الديمقراطية.


غير أن التقارير تشير إلى أن النظام الحاكم لجأ إلى قمع المعارضة، لا سيما الإسلامية منها، منذ البداية. ويوضح تقرير حقوق الإنسان 2009، الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، من بين مصادر أخرى أن النظام أوجد حكما يقوم على الرعب في جميع أنحاء البلاد، حيث الثأر السياسي، وإنشاء زنزانات التعذيب في المؤسسات التعليمية، والاغتصابات، وتصاعد أعمال العنف والقتل. وهكذا تحولت التوقعات المتزايدة للشعب إلى قلق متزايد. فعملية العلمنة في بنجلاديش لا  تراعي الحقوق ولا تحترم المعارضة،  بل عدوانية يصاحبها العنف والاضطهاد وإرغام الخصوم.


إبعاد التدين عن الساحة
في الآونة الأخيرة، تعرض "سابوج"، الطالب بالسنة الرابعة في جامعة راجشاهي، للضرب المبرح من منظمة طلاب بنجلاديش (BCL)، الجناح الطلابي لرابطة عوامي بنجلاديش، لأنه ذهب لأداء الصلاة. لم يكن ناشطا في أي من تلك المنظمات الطلابية المتنافسة، وكل جريمته أنه كان يمارس مهامه الدينية الأساسية (الصلاة).


في نفس الجامعة، منعت الطالبات في قسم علم الاجتماع من دخول الجامعة بسبب ارتداء الحجاب. إدارة الجامعة عينت مؤخرا أربعة أعضاء في هيئة التدريس بشرط أن لا يُظهروا أبدًا الرموز الدينية أو الممارسات الدينية مثل إعفاء اللحية ولبس الثياب السابغة مثل اللباس البنجابي المعروف، أما من كشفوا هذه الأخبار فإنهم يتلقون تهديدات من منظمة الطلاب (BCL).


خلال الأشهر القليلة الماضية، كان هناك العديد من التقارير عن الموظفات اللاتي احتجزن، أو تعرضن للمضايقة، او الطرد بسبب لبس الحجاب أو حمل الكتب الإسلامية. في بيروجبور وحدها، ثلاث فتيات يرتدين الحجاب احتجزن لأكثر من شهر، وتعرضن لمضايقات واستجواب من قبل الجهات المختصة بالرغم من عدم وجود أي مخالفات قانونية على الإطلاق. ولم يفرج عنهن إلا بتدخل من المحكمة العليا.


وأجبرت الكثيرات على مضاجعة قادة الحزب الحاكم،  ومن ترفض تتعرض للاعتقال والمضايقة والاعتداء الجسدي بعد وصفهن بأنهن من "الأصوليين".


هذا غيض من فيض المظالم التي لا حصر لها للمتمسك بدينه وعقيدته في بلد تم تأسيسه وانفصاله عن الهند  باسم الإسلام.


علمنة فريدة من نوعها
يقصد بالعلمانية الفصل بين الدين والسلطة السياسية بحيث تكون السياسة حرة لا يتدخل في شؤونها الدين ورجاله، وكانت وليدة رد فعل للمظالم التي تعرضت لها شعوب أوربا على يد رجال الكنيسة المسيحية لقرون طويلة.


ولما تولى الطغاة في الدول الإسلامية مقاليد الحكم وأحسوا أن القوة المحركة لشعوبهم هي إيمانهم بدين الله الحنيف حاولوا محو آثار الدين من الحياة، الاجتماعية منها والشخصية، وذلك بقمع وتعذيب المتدينين، وهذا الذي يعيشه شعب بنجلاديش حاليا. إن معظم كبار صانعي السياسة والوزراء اليوم هم من الشيوعيين إبان فترة النفوذ السوفيتي، ويحلمون بإعادة دستور عام 1972، لتطبيق النمط السوفيتي القديم:  حكم الحزب الواحد، ومحو المعارضة، إسلامية كانت أم غيرها. هذا النمط من العلمانية في بنجلاديش يمكن أن نسميه "العلمانية المتطرفة"، أو "الفاشية الجديدة" لما فيها من رغبة شديدة متأصلة لاستئصال الخصوم من المجتمع.


علمانيون متطرفون
يقول الكاتب البنجالي الشهير أبو روسب في كتابه (نشأة العلمانية المتطرفة): "بدأ تطور العلمانية في بنجلاديش بحالة نفسية فريدة، وهي العداوة الشديدة للإسلام والرغبة المتأصلة لاستئصال جميع شعائره .. لقد تولوا نشر هذا النمط الفريد من العلمانية لا لأن الإسلام يفتقر إلى مصادر سياسية واجتماعة لإدارة نظام الدولة، بل لأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يملك السياسة الشرعية لإدارة نظام حديث بنظرية سياسية شاملة لجميع نواحي الإنسانية ويقودها إلى نموذج فريد يضمن المصالح العامة. ولهذا نجدهم لايدعون الناس إلى نظريتهم السياسية، بل يكرسون كل جهودهم لمعاداة الإسلام وأتباعه الناشطين. في مقالاتهم وخطبهم ونشاطاتهم السياسية الأخرى يصرفون معظم جهودهم للهجوم على الإسلام بدلا من عرض نموذجهم العلماني وفلسفته. لذا ينبغي أن يوصفوا بأنهم علمانيون متطرفون".


في عالم ما بعد أحداث سبتمبر 2001، حيث صارت معاداة الإسلام والنيل منه عملة رائجة للوصول إلى مباركة القوى المهيمنة وتأييدها، يرى أبو روسب أن هؤلاء العلمانيين المتطرفين لا يألون جهدا لمعاداة الإسلام ومهاجمة الأحزاب السياسية. ألسنهم طليقة عن الأصولية الإسلامية، بينما هم سجناء أصولية بغيضة. وقد غرقت بنجلاديش في حالة من الذعر والخوف من هذه التركيبة الرهيبة من العلمانية الفريدة وأسلوبها للإبادة الجماعية.


في بنجلاديش كان الإسلام دائماً هدفا للانتقادات الموجهة من العلمانيين، غير أن الناس بشكل عام كانوا يتمتعون بحريتهم الدينية الأساسية. والآن يتم استهداف الإسلام والرموز والشخصيات الإسلامية باسم إنشاء "دولة علمانية" حسب خطة رابطة عوامي.


حين تولى هذا النظام الحكم أعربت الهند عن تطلعها لرؤية بنجلاديش دولة علمانية، فالنظام الحاكم في بنجلاديش يتكون من عدد من الأحزاب اليسارية المتشددة التي كثيرا ما تعرف باسم "العلمانية الفريدة"، كما أنه مما  يحقق المصالح الأمنية للهند ألا تتحول بنجلاديش إلى "بؤرة طالبانية".


عملية العلمنة الحالية التي تستهدف تقويض الحرية الدينية يمكن أن تعزى إلى "الأجندة" التي وضعها كل من "ساجيب وازد جوي"، ابن رئيسة الوزراء شيخة حسينة، وسي. سيوفاكو (أمريكي أيد الرئيس بوش الابن في "الحرب على الإرهاب بلا هوادة")، اللذان أعدا معا خريطة طريق للعلمانية في مقالتهما بعنوان: "إيقاف نهوض التطرف الإسلامي في بنجلاديش"، نشرت في "المجلة الدولية لجامعة هارفارد"، في /نوفمبر 2008، وادعيا فيها أن العناصر الإسلامية داخل الجيش، ونظام التعليم الإسلامي (المدارس) تعتبر العائق الرئيس في تحقيق غاية "علمنة بنجلاديش". ويعتقد أن هذه المقالة هي "المخطط الأزرق" للحكومة الحالية في "خطة علمنة بنجلاديش".


دعت المقالة إلى علمنة المدارس الدينية، فضلا عن الجيش والإدارة برمتها. بالنسبة لهم، "المدارس العلمانية المجردة من التعاليم الدينية ستكون رادعًا دون "احتكار التعليم" الذي تتمتع به المدارس حاليا" زاعمة أن "تحفيظ القرآن بدون معرفة المعاني بالاعتماد على التمويل السعودي والكويتي يأتي بنتائج عكسية على الأمة "!.


وتضع المقالة خريطة طريق واضحة المعالم لتدخل الدولة لتنحية الإسلام وشعائره من المشهدين السياسي والاجتماعي.


وتتخذ عملية العلمنة في بنجلاديش مسارات متعددة، يمكن أن تتبلور في أمرين:
|إقصاء الإسلام والشعائر الإسلامية من المشهد السياسي.
الاستيلاء الكامل على أرضية الإسلام لصالح (رابطة عوامي). 
 

وفي سبيل ذلك، اتخذ النظام السياسات التالية: 
تصفية الأحزاب السياسية الإسلامية:

في البداية، سعى النظام الحالي للربط بين الأحزاب السياسية الإسلامية والتشدد، وكانت هناك دعاية واسعة النطاق أطلقها بعض الوزراء ووسائل الإعلام في الداخل والخارج عن أن بنجلاديش "دولة التطرف"، ربما لجذب القوى العظمى التي تعادي الإسلام ومن ثم حصول النظام على الدعم المطلق ضد القوى السياسية الإسلامية، وقد دبرت بعض الحوادث التي أدارتها الدولة لتثير وسائل الإعلام ضجيجًا حول هذه القضية وتكسب الرأي العام لصالحها.


خلط بين الحركات المتشددة والأحزاب الإسلامية
ولا يخفى أن بنجلاديش شهدت تشددًا من بعض الحركات المسلحة السرية مثل جماعة المجاهدين لبنجلاديش، وحركة الجهاد، وكلاهما محظورة، وتم إعدام قادتها من قبل النظام السابق. أما الأحزاب الإسلامية الرئيسية فتشمل الجماعة الإسلامية في بنجلاديش، والنهضة الإسلامية (أوج) وقد شكلتا حكومة تحالف مع الحزب الوطني لبنجلاديش ما بين 2001 – 2006م. وهذان الحزبان شجبا بشدة عنف جماعة المجاهدين وحركة الجهاد، ولم يثبت أي دليل على تورطهما في العنف وحمل السلاح، غير أن العلمانيين المتطرفين يحاولون إلصاق تهمة العنف بهذه الأحزاب، ويعملون بلا هوادة لتحقيق حلم التخلص من الدين وشعائره، والخطوة الأولى منه حظر السياسة على أسس دينية. وقد قاموا بتحقيقات مطولة في الحوادث المدبرة في محاولة لربط تلك الحوادث بالقوى السياسية الإسلامية.

أثناء انفصال بنجلاديش جرت عمليات إبادة عرقية ضد مسلمي بيهار الذين وقفوا إلى جانب باكستان من قبل جيش تحرير بنجلاديش تحت قيادة رابطة عوامي بنجلاديش وترك أكثر من 30,000 بيهاري للموت جوعاً في مصنع الجوت بالقرب من داكا

 وبعد الانفصال تمت تصفية أكثر من نصف مليون بيهاري بواسطة "رابطة عوامي" والأحزاب الأخرى. لكن المحكمة المشكلة مؤخرا لا تحاكم مجرمي الحرب الثابت إجرامهم هؤلاء بل تحاكم كبار قادة الجماعة الإسلامية


في 24 يناير 1972، سنت الحكومة قانونا آخر لمحاكمة أولئك الذين لم يقفوا إلى جانب حرب التحرير، أو عارضوا الدعوة لحرب التحرير سياسيا، أو تعاونوا طواعية مع الجيش الباكستاني، أو ارتكبوا أعمالا إجرامية، وسمي "قانون المتعاونين" لسنة 1972. 


 قبل بدء المحاكمة .. تم إعلان أسماء 36 مجرم حرب أغلبهم من الجماعة الإسلامية،  وبعض من في القائمة كان عمره بين 4 إلى 8 سنوات أثناء الحرب عام 1971م!


في إطار خطة إقصاء الإسلام من المشهد السياسي والاحتماعي في بنجلاديش خرجت رابطة عوامي الحاكمة وشركاؤها في تحالف العلمانية المتطرفة بخطة لمحاكمة ما سمي "مجرمي الحرب" لعام 1971 واختلقت دعوى استهدفت بها قادة الجماعة الإسلامية وحدهم.

 

وشكل النظام بالفعل "محكمة جرائم الحرب" في محاولة لمحاكمة وإعدام من يسميهم  بمجرمي الحرب. صحيح أن القوات الباكستانية مارست جرائم حرب، واضطهاد للمدنيين في حرب عام 1971م (التي ترتب عليها انفصال بنجلاديش وكانت تسمى باكستان الشرقية عن باكستان)، كما جرت عمليات إبادة عرقية ضد مسلمي بيهار (الذين وقفوا إلى جانب باكستان) من قبل جيش تحرير بنجلاديش المسمى في اللغة البنغالية موكتيباهيني" تحت قيادة ’رابطة عوامي بنجلاديش‘ كما ورد بتقارير شبكة أن بي سي، يومي 30 و 31 ديسمبر 1971. لقد ارتكب موكتيباهيني إبادة جماعية، وترك أكثر من 30,000 بيهاري  للموت صبرا وجوعاً في مصنع الجوت في آدمجي بالقرب من داكا، لأنهم كانوا يريدون البقاء مع باكستان.


وبعد الانفصال تمت تصفية أكثر من نصف مليون بيهاري بواسطة "رابطة عوامي بنجلاديش" والأحزاب الأخرى. لكن المحكمة المشكلة مؤخرا، لا تحاكم مجرمي الحرب الثابت إجرامهم هؤلاء، بل تحاكم كبار قادة الجماعة الإسلامية الذين أيدوا سياسيا وجود باكستان المتحدة، ولم يكن لهم يد في ارتكاب جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية.


حقيقة قضية مجرمي الحرب
عقب استقلال بنجلاديش في عام 1971، تم تحديد 195 ضابطا من الجيش الباكستاني (ليس فيهم واحد من الجماعة الإسلامية) كمجرمي حرب، وفق التحقيقات الأولية التي أجرتها  حكومة بنجلاديش آنذاك. على إثر معاهدة سيملا التي تم التوقيع عليها في 2 يوليو 1972 بين إنديرا غاندي، رئيسة وزراء الهند، وذو الفقار على بوتو، رئيس وزراء باكستان، تم التوقيع على عدد من الاتفاقات بين الهند وباكستان فيما يتعلق بإعادة أسرى الحرب إلى أوطانهم. وفي 9 أبريل 1974، تم التوقيع على اتفاقية بين بنجلاديش والهند وباكستان في نيودلهي أثيرت فيها من بين مسائل أخرى، مسألة محاكمة 195 أسيرا حربيا، وتقررت إعادتهم لباكستان دون محاكمة، وإليك الفقرة 15 من اتفاق عام 1974:


"في ضوء ما سبق، وبخاصة، مراعاةً للنداء الذي وجهه رئيس وزراء باكستان لشعب بنجلاديش للصفح ونسيان الأخطاء الماضية، ذكر وزير خارجية بنجلاديش أن حكومة  بنجلاديش قررت عدم المضي قدما في المحاكمات عملا بالعفو والصفح، وتم الاتفاق على إعادة الـ 195 أسيرا حربيا إلى باكستان مع سائر أسرى الحرب الذين هم ضمن عملية الإعادة إلى الوطن الآن بموجب اتفاقية دلهي"


وهكذا أعيد 195 أسيرا من المصنفين كمجرمي حرب إلى باكستان، وتم التخلي عن محاكمتهم.


قانون المتعاونين 
في 24 يناير 1972، سنت حكومة بنجلاديش قانونا آخر لمحاكمة أولئك الذين لم يقفوا إلى جانب حرب التحرير، أو عارضوا الدعوة لحرب التحرير سياسيا، أو تعاونوا طواعية مع الجيش الباكستاني، أو ارتكبوا أعمالا إجرامية، وسمي هذا "قانون المتعاونين" لسنة 1972.


ألقي القبض على أكثر من مائة ألف شخص بموجب هذا القانون، اتُهم من بينهم 37,471 شخصا، ولم يتم مقاضاة 30,623 آخرين لعدم توافر الأدلة، والذين قدموا للمحاكمة بعد التحقيق 2,848 شخصا أدين من بينهم 752، أما بقية المتهمين  أي 2,096  فوجدوا غير مذنبين، وتم الإفراج عنهم.


ولم يكن أحد من زعماء الجماعة الإسلامية بين أي من تلك الفئات المذكورة.


ومراعاة لحالة السخط والكراهية السائدة في البلد أعلنت حكومة بنجلاديش تحت قيادة الشيخ مجيب الرحمن عفوا عاما في نوفمبر 1973 لإغلاق هذا الفصل المظلم.


غنى عن الذكر أن مؤسس بنجلاديش الشيخ مجيب الرحمن، والد رئيسة الوزراء الحالية الشيخة حسينة، اعتقد أن من صالح البلد القضاء على كل الصراعات والمحن والتناقضات التي تفجرت خلال حرب التحرير، بإعلان عفو عام. وبفضل العفو العام تم الإفراح عن جميع من اعتقل بتهم طفيفة بموجب القانون، ولكن العفو لم يشمل المتهمين في جرائم كبيرة مثل الاغتصاب أو القتل، والحرق العمد أو النهب، بل أبقى العفو المجال مفتوحًا لمقاضاة ومحاكمة المتهمين بارتكاب مثل هذه الجرائم.


إلغاء قانون المتعاونين 
في 31 ديسمبر 1975، ألغى "قانون المتعاونين" بأمر رئاسي، أي أن قانون المتعاوين ظل ساري المفعول لمدة تزيد على سنتين بعد إقرار العفو العام غفي عام 1973 ولم تسجل خلال تلك الفترة أي  جريمة خطيرة، وربما كان هذا سبب إلغاء القانون في عام 1975. وهكذا، تم إغلاق هذا الفصل من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية نهائيا.


الجماعة الإسلامية في بنجلاديش
الجماعة الإسلامية واحدة من أقدم الأحزاب في شبه القارة الهندية. نشأت في الهند وقت الاحتلال البريطاني عام 1941، وبدأت عملها في ما يسمى الآن بنجلاديش في الخمسينات، وهي حزب سياسي معتدل، تؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان وتتمسك بسيادة القانون. وتريد الجماعة الإسلامية إقامة مجتمع عادل من خلال المبادئ الديمقراطية والعملية الديمقراطية.


منذ أوائل الستينات نشطت الجماعة الإسلامية، جنبا إلى جنب مع الأحزاب السياسية الأخرى، ضد حكومة  أيوب خان المستبدة في باكستان. وكانت الجماعة الإسلامية في الصدارة عند تشكيل كل من: حركة باكستان الديمقراطية؛ وتجمع اﻷحزاب المعارضة وكذلك لجنة فعالية الديمقراطية؛ وهي المنصات الثلاث  للأحزاب السياسية التي حاربت النظام الاستبدادي لأيوب خان في باكستان الموحدة.


وكان حزب رابطة عوامي أيضا عنصرا نشطاً في تجمع اﻷحزاب المعارضة ولجنة فعالية الديمقراطية. وفي الثمانينات، شاركت الجماعة في بنجلاديش في الحركة الجماعية من أجل استعادة الديمقراطية جنبا إلى جنب مع الحزبين السياسيين الرئيسيين:  الحزب القومي لبنجلاديش ورابطة عوامي. في هذا النضال الطويل من أجل استعادة الديمقراطية، كانت هناك لجان اتصال بين الحزب الوطني البنجلاديشى، والجماعة الإسلامية ورابطة عوامي وكانت هذه اللجان تجتمع بانتظام لصياغة البرامج المشتركة، وقد طالبت الجماعة الإسلامية بإجراء انتخابات برلمانية في ظل "حكومة انتقالية" محايدة، وناضل معها لتحقيق هذا الغرض حزبا رابطة عوامي والوطني البجلاديشي.


وقد مثلت الجماعة الإسلامية في برلمان باكستان منذ عام 1962، وشاركت في جميع الانتخابات البرلمانية والمحلية بهدف تطبيق الديمقراطية في جميع مؤسسات الدولة. وفي عام 2001 م فازت الجماعة بسبعة عشر مقعدا في البرلمان وشاركت في تشكيل حكومة ائتلافية بوزيرين أثبتا كفاءتهما حين فشل الباقون في أداء مهامهم.


موقف الجماعة الإسلامية من حرب التحرير
أيدت الجماعة الإسلامية فكرة باكستان الموحدة، إيمانا منها بأن الانفصال يضعف المسلمين في القارة الهندية، لكن لم تكن هناك أي إدانة لواحد من قادتها أونشطائها في جرائم الحرب. وقد جرى حل قضية جرائم الحرب دوليا باتفاقية سيملا، ووطنيا بقانون المتعاونين، ومن ثم فحين تثار القضية من جديد وتحاول حكومة بنجلاديش لمحاكمة مجرمي الحرب بعد 39 عاماً فإنما يكون ذلك لدوافع سياسية بحتة، بهدف النيل من المعارضة الإسلامية، كما يخشى العديد من المراقبين من كونها مجرد محكمة مهزلة. فقد تم إعلان أسماء 36 مجرم حرب قبل بدء المحاكمة!، أغلبهم من الجماعة الإسلامية،  وبعض من في القائمة كان عمره بين 4 إلى 8 سنوات أثناء الحرب عام 1971م! . ويمارس النظام الحالي ضغطا هائلا على القضاة، حتى وصفه بعض القضاة بأنه ضغط هيدروليكي. ومن ثم فلا أمل في صدور حكم عادل من محاكمة هزلية ذات دوافع سياسية.


اترك تعليق