نحو فهم صحيح لماضي وحاضر الإسلام ( إبراهيم صالح الحسيني)

By :

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن تبعه ووالاه.


مقدمة:
 لازالت الذكريات تتجدد، ويتجدد معها الإيمان بالله والثقة فيه، بأنه سبحانه وتعالى، هو الحافظ لهذا الدين العظيم قال تعالي:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]


 وبالرغم من معاناة الأمة الإسلامية من تمالؤ الأعداء الحقيقيين، وتضليل الأدعياء الضالين المضلين، من طوائف المبتدعة أجمعين، ومعاونتهم من قبل الجهلة المغرر بهم السادرين، وكل من سلك نهجهم من المنافقين والمغفلين والمستهزئين، فستظل رحم هذه الأمة خصبة تنجب من يجدد لها دينها بعد طول جمود مُنذِرٍ باندراس، ويذكي جذوة النخوة والشهامة في ليوثها الرابضين بعد توهم انحباس، فيشمرون عن ساعد الجد لشحذ همم أفراد الأمة بأساليب رشيدة وحكيمة نابعة من الأعماق، تسهل لهم مهمة بيان حقيقة دين الفطرة ونشره في سائر الآفاق.


وكما عودناكم أيها السادة والسيدات، قراء موقع السيادة، يشرفنا أن ننشر  هذه الكلمة التي تصور في كل سطر من سطورها ما يجب أن يتحلى به ويعرفه المسلم، المؤمن، المحسن، القوي، الفطن، الذي يعمل جاهدا وبحكمة وإخلاص من أجل نشر العلم والمعرفة من غير تحريف أو تبديل، والعمل به بعيدا عن مظاهر الغلو والتعطيل، حتى تتنزل الرحمات، وتعم البركات، ويسود العدل والإنصاف، وتختفي مظاهر الظلم والإجحاف، فتسعد البشرية جمعاء، بسبب دين الفطرة الذي بشرت به سائر الرسل والأنبياء قال تعالى:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم:30].


 هذا، وتعتبر هذه الكلمة على صغر حجمها، موسوعة في معانيها، تفتح للقارئ آفاقا جديدة للتأمل، وتهيئ له الفرصة لتجديد الإيمان، وتنمي فيه ملكة البحث والتدقيق، وتحفزه للاستفادة من عبر التاريخ، ثم تجديد النية والعزم للعمل المستمر بصدق وإخلاص لنصرة هذا الدين.


ونحن إذ ننشرها لأهميتها، لا يفوتنا أيضا، أن نتوجه بخالص الشكر لإخواننا في الله، الذين تكبدوا المشاق، وتجشموا الصعاب من بلادهم لزيارة سماحة شيخ الإسلام، وسعادة الأنام، مولانا الشيخ الشريف إبراهيم صالح الحسيني، حفظه الله في القاهرة، زيارة في الله، لله، وبالله، فكانوا السبب في إفادة الأمة الإسلامية قاطبة، بما احتوته هذه الكلمة القيمة من درر، وجواهر، ولآلئ، قال تعالى:{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}[التوبة:122].فجزاهم الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء.


والإخوة الزوار هم:-
1- الشيخ سلطان بن محمود المسكري، من سلطنة عمان
2- السيد أحمد قريشي، من سلطنة عمان،
3- السيد عبد الله الصيابي، من سلطنة عمان
4- السيد أحمد يعقوب، سلطنة عمان
5- الدكتور مختار علي، الإمارات العربية المتحدة
6- الدكتور أمين يوسف، الإمارات العربية المتحدة
7- السيد الشريف الرشيد أحمد عبد الرحمن الخراساني، الإمارات العربية
8- السيد رحمة الله، هندي، من كيرلا مقيم بجدة، المملكة العربية السعودية.

نسأل الله تبارك وتعالى، أن يطيل في عمر سماحة شيخ الإسلام، وسعادة الأنام، مولانا الشيخ الشيخ الشريف إبراهيم صالح الحسيني، وأن يبقيه ذخرا لهذه الأمة، وأن يحفظه، وأهله وأصحابه بما حفظه به الذكر الحكيم، وأن يمتعه بالصحة الكاملة، والعافية التامة، وأن ينصره نصرا مؤزرا، وأن يحقق له جميع الآمال، وعلى رأسها، أمله الكبير في أن تعود هذه الأمة قوية موحدة منتصرة، يسود بين جميع أفرادها بمختلف طبقاتهم وفئاتهم، معاني الرحمة، والمحبة، والوئام، وأن يعم سائر بلاد المسلمين الأمن، والاستقرار، والسلام،  وما ذلك على الله بعزيز. 
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

سم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين، وخاتم النبيين، وسيد الأولين والآخرين، وعلى آله، وأصحابه الطيبين الطاهرين.
وبعد:-


صعوبة مهمة الصحابة في صدر الإسلام
  لقد استطاع الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم أجمعين، نصر الإسلام والمحافظة عليه، بالرغم من أنهم كانوا في خضم النزاعات والخلافات. وكان اختلاف وجهات النظر في عهد الصحابة، وخاصة في فترة إنتقال الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، إلى الرفيق الأعلى، أكبر وأخطر مما نحن فيه اليوم، لماذا؟ لأننا وجدنا هؤلاء الصحابة أتموا البناء، ورسموا لنا الطريق، ووضعوا لنا معالمه، وأصبحت مهمتنا فقط هنا المشي عليه، وحفظ معالمه حتى نصل إلى الغاية.


  أما هم فقد وجدوا الأرض جاهزة للبناء، وكل شيء خام. هم الذين امتحنهم الله، واختبر صدقهم، ونيتهم وأمانتهم بالبناء وإن شئت بإعادة البناء، وترسيم معالم هذه الأبنية على أساس ما سمعوه، وعقلوه، وحفظوه، من رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما هو مكمل لما جاء به قبله الرسل والأنبياء، وخاصة ما جاء به سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام. فمهتهم أصعب، لأن مهمة البناء دائما صعبة، وأصعب منها المحافظة على البناء بأمانة، ولكون  نقض البناء أحيانا يكون أصعب، يدفع بآخرين إلى أن يختاروا غير خيار الصحابة واختيارهم، ويختاروا غير طريقهم مدعين أنهم أدرك للأفضل، و أكثر إدراكا للمناسب مع أن هذه دعوى غير صادقة، وغير صحيحة، فتبدأ البدع ،وكأن الإبتداع أمر يقره الإسلام ويحبذه. وبدأت البدع فعلا بظهور القدرية أولا، والمرجئة، والاعتزال، وأشياء أخرى كثيرة منذ عهد الصحابة.


بداية تقسيم الأمة الإسلامية
ثم بعد ذلك ترتب على ذلك إنقسام الأمة إلى عدة أقسام. صحيح كان الرسول عليه الصلاة والسلام، في القصة المشهورة في غزوة سيدنا خالد رضي الله عنه، بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، سيدنا عليا، كرم الله وجهه، ليجمع الغنائم ويأتي بالخمس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحد الصحابة يكره سيدنا عليا، و حدث أن اصطفى سيدنا علي، شيئا من الخمس وأخذه لنفسه بعد أن أخذ حق آل البيت.  وكان هذا الصحابي يكره سيدنا علي، غاية الكراهية. فلما جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، قال له يا فلان: أنت تكره عليا؟ قال: نعم يا رسول الله.  انظر الصدق!!! قال له: نعم يا رسول الله، أكرهه. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تكرهه. فإن لعلي في الخمس أكثر مما أخذ، وعلي، هو مولاك بعدي، أو من كنت مولاه فعلي مولاه، أو كلام يشبه هذا.


وحديث بريدة هذا جاء فى عدة أصول ويستحسن أن ننقله للأهمية : 
عن بريدة – يعنى : ابن الحصيب – قال:" أبغضت علياً بغضاً لم أبغضه أحداً قط قال: وأحببت رجلاً من قريش لم أحبه إلا على بغضه علياً رضى الله عنه.
   قال : فبعث ذلك الرجل على جيش فصحبته ما صحبته إلا ببغضه علياً رضى الله عنه . 
   قال: فأصبنا سبايا فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ابعث إلينا من يخمسه " قال : فبعث [إلينا] عليا رضى الله عنه وفى السبى وصيفة هى أفضل السبى .
  قال: فخمس وقسم، فخرج ورأسه يقطر، فقلنا: يا أبا الحسن، ما هذا ؟ قال: ألم تروا إلى الوصيفة التى كانت فى السبى، فإنى قسمت وخمست، فصارت فى الخمس، ثم صارت فى أهل بيت النبى صلى الله عليه وسلم، ثم صارت فى آل على، فوقعت بها.
   قال: فكتب الرجل إلى نبى الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ابعثنى مصدقاً، قال: فجعلت أقرأ الكتاب وأقول: صدق قال: فأمسك يدى والكتاب، وقال:" أتبغض علياً ؟ " قال: قلت: نعم قال: " فلا تبغضه، وإن كنت تحبه فازدد له حباً " فوالذى نفس محمد صلى الله عليه وسلم بيده لنصيب آل على فى الخمس أفضل من وصيفة ".
   قال: فما كان أحد من الناس بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلى من على .
   قال عبد الله – يعنى : ابن بريدة – فو الذى لا إله غيره مابينى وبين النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث إلا أبى بريدة.
قلت: فى الصحيح بعضه.
   رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عبد الجليل بن عطية وهو ثقة وقد صرح بالسماع ، وفيه لين .
   وعن بريدة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثين إلى اليمن، على أحدهما على بن أبى طالب رضى الله عنه، وعلى الآخر: خالد بن الوليد، فقال:" إذا التقيتم فعلى على الناس، وإن افترقتما فكل واحد منكما على جنده ".
    قال: فلقينا بنى زيد من أهل اليمن، فاقتتلنا، فظهر المسلمون على المشركين، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، فاصطفى على امرأة من السبى لنفسه.
   قال بريدة: فكتب معى خالد بن الوليد، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخبره بذلك، فلما أتيت النبى صلى الله عليه وسلم، دفعت الكتاب، فقرىء عليه، فرأيت الغضب فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، هذا مكان العائذ، بعثتنى مع رجل وأمرتنى أن أطيعه، ففعلت ما أرسلت به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تقع فى على فإنه منى وأنا منه، وهو وليكم بعدى " .
    قلت: رواه الترمذى باختصار.
رواه أحمد والبزار باختصار وفيه: الأجلح الكندى، وثقه ابن معين وغيره وضعفه جماعة، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.


   وعن بريدة قال: 
   بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً أميراً على اليمن، وبعث خالد بن الوليد، على الجبل فقال: " إن اجتمعتما فعلى على الناس " فالتقوا وأصابوا من الغنائم ما لم يصيبوا مثله وأخذ على جارية من الخمس، فدعا خالد بن الوليد بريدة فقال: اغتنمها فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم، ما صنع، فقدمت المدينة، ودخلت المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، فى منزله وناس من أصحابه على بابه، فقالوا : ما الخبر يا بريدة ؟ فقلت: خيراً، فتح الله على المسلمين، فقالوا : ما أقدمك؟ قلت: جارية أخذها على من الخمس، فجئت لأخبر النبى صلى الله عليه وسلم، فقالوا: فأخبر النبى      صلى الله عليه وسلم، فإنه يسقط من عين النبى صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، يسمع الكلام، فخرج مغضباً، فقال: " ما بال أقوام ينتقصون علياً ؟ من تنقص عليا فقد تنقصنى، ومن فارق عليا فقد فارقنى، إن عليا منى وأنا منه، خلق من طينتى، وخلقت من طينة إبراهيم، وأنا أفضل من إبراهيم ذرية بعضها من بعض، والله سميع عليم، يا بريدة أما علمت أن لعلى أكثر من الجارية التى أخذ، وأنه وليكم بعدى؟ " فقلت: يا رسول الله بالصحبة إلا بسطت يدك فبايعتنى على الإسلام جديداً قال: فما فارقته حتى بايعته على الإسلام.
   رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه: جماعة لم أعرفهم، وحسين الأشقر: ضعفه الجمهور، ووثقه ابن حبان.


    وعن عبد الله بن بريدة، عن على قال:" بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب، وخالد بن الوليد كل واحد منهما وحده وجمعهما فقال:" إذا اجتمعتما فعليكم على " قال: فأخذا يميناً ويساراً، فدخل على وأبعد، وأصاب سبياً، وأخذ جارية من السبى.
   قال بريدة: وكنت من أشد الناس بغضاً لعلى، قال: فأتى رجل خالد بن الوليد، فذكر أنه أخذ جارية من الخمس، فقال: ما هذا: ثم جاء آخر، ثم جاء آخر، ثم تتابعت الأخبار على ذلك، فدعانى خالد فقال: يا بريدة، قد عرفت الذى صنع فانطلق بكتابى هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقت بكتابه حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ الكتاب بشماله وكان كما قال الله – عز وجل – لا يقرأ ولا يكتب إذا تكلمت طأطأت رأسى حتى أفرغ من حاجتى، فطأطأت رأسى ، فتكلمت، فوقعت فى على حتى فرغت، ثم رفعت رأسى، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، غضب غضباً شديداً لم أره غضب مثله إلا يوم قريظة والنضير، فنظر إلى فقال : " يا بريدة أحب علياً فإنما يفعل ما أمر به " فقمت وما من الناس أحد أحب إلى منه " .
    رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه : ضعفاء وثقهم ابن حبان .


   وعن عمرو بن ذى مر وسعيد بن وهب، وعن زيد بن يثيع قالوا سمعنا علياً يقول:" نشدت الله رجلاً سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم لما قام، فقام ثلاثة عشر رجلاً، فشهدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال :" ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ " قالوا : بلى يا رسول الله، قال : فأخذ بيد على فقال :" من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من يبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله " .
   رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة.


   عن رياح بن الحارث قال: " جاء رهط إلى على بالرحبة، قالوا: السلام عليك يا مولانا، فقال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم غدير خم يقول :" من كنت مولاه فهذا مولاه ".
   قال رياح: فلما مضوا تبعتهم، فقلت: من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصارى .
   رواه أحمد والطبرانى إلا أنه قال: قالوا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: " من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " .
   وهذا أبو أيوب بيننا، فحسر أبو أيوب العمامة عن وجهه، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:" من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ".ورجال أحمد ثقات.
   وعن أبى الطفيل قال: " جمع على الناس فى الرحبة ثم قال لهم:" أنشد بالله كل امرىء مسلم سمع رسول الله عليه وسلم، يقول يوم غدير خم ما قال، لما قام، فقام إليه ثلاثون من الناس.
   قال أبو نعيم: فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذ بيده فقال:" أتعلمون أنى أولى بالمؤمنين من أنفسهم"؟ قالوا : بلى يا رسول الله، قال:" من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وَالِ من والاه، وعاد من عاداه ".
   قال: فخرجت كأن فى نفسى شيئاً، فلقيت زيد بن أرقم، فقلت له: إنى سمعت علياً يقول كذا وكذا، قال: فما تنكر، قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول ذلك.
ففهم من هذا الكلام بعض من سمعه أن عليا، هو وريث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن يوجه ناس هذا المعنى إلى الإرث الحسي لأنه ابن عمه، والرسول عليه الصلاة والسلام، ليس من أبنائه ذكرا موجودا، هذا لوكان الأنبياء يورثون حسا كغيرهم  فعلي يختص مثلا بوراثته الحسية يعني ليس عليا وحده ولكن  العباس أيضا، ومن بقي من أهل البيت ممن هم فى مستواهم.
 وآخرون يفهمون من هذا الكلام أن الرسول عليه الصلاة والسلام، دائما اهتمامه ليس بالإرث الحسي، وإنما يهتم بالإرث المعنوي، وهو ما يتعلق بالأحقية فيمن ينوب عنه في تبليغ ما جاء به؛ وهو الخلافة عن النبوة، ليس النبوة، وإنما خلافة عن النبوة.


وكلنا نعلم أنه لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يخطر بالبال أن عليا يكون نبيا بعد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا.ونعلم أن الأنبياء لايورثون بل كل ما تركوه من تراث حسى يكون صدقة كما أخبر به سيدنا أبوبكر الصديق، رضى الله عنه، وإنما يكون خليفة عنه كأبي بكر، وعمر، وعثمان. وكان ظنهم أن يكون علي، هو الخليفة بلا خلاف.للأحاديث الواردة فى ذالك : 
ومنها حديث البراء بن عازب عن النبى صلى الله عليه وسلم، قال:" من كنت مولاه فعلى مولاه " رواه أحمد وابن ماجه ورواه أحمد عن بريدة والترمذى والنسائى والضياء فى الأحاديث المختارة عن زيد بن أرقم وهو حديث حسنه الحفاظ .
  وفى رواية لأحمد والنسائى والحاكم فى المستدرك عن بريدة من كنت وَليُّهَ فعلى وليه.


   وهناك حديث آخر: قال ابن اسحاق :" ولما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الخروج خلف على بن أبى طالب على أهله، فأرجف به المنافقون، وقالوا : ما خلفه إلا استثقالا، وتخففا منه، فأخذ على سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نازل بالجرف، فقال: يا نبى الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتنى لأنك استثقلتنى، وتخففت منى، فقال:" كذبوا ولكننى خلفتك لما تركت ورائى، فارجع فاخلفنى فى أهلي وأهلك، أفلا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا أنه لا نبى بعدى" فرجع على إلى المدينة ". والحديث فى أمهات كتب السنة كالبخارى فى المغازى، ومسلم فى فضائل الصحابة، وابن هشام فى السيرة .


أهلية سيدنا أبي بكر الصديق، رضي الله عنه في تولي الخلافة
لكن تعلم أن طول التجربة والممارسة فى كبر السن أحيانا يقوم مقام العلم، ويقوم مقام المعرفة والخبرة ، ولذلك كان سيدنا أبو بكر الصديق، أولى من يقود الناس في تلك المرحلة. لماذا؟ لأنه قد وزن بالأمة كلها فرجح بها وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالنص وقد أدرك الجاهلية، وأحاط علما بمكر الجاهليين وكيدهم، و أساليب تفكيرهم، وأدرك الإسلام. في نشأته، وأدرك نمو الإسلام وهو رجل وعرف خير الدنيا وشرها، وعرف خبث الناس وطيبتهم، فهو أولى أن يميز بين أخيارهم وأشرارهم، وبين حقهم وباطلهم، وبين صواب حكمهم وخطئه، وبين الاعتدال منهم فى المشورة والزيغ.
رأى الفاروق ومن معه إعطاء الخلافة لسيدنا أبي بكر الصديق، بعد ما  انبرى الصديق وعين سيدنا عمر، وأبو عبيدة، وطالما اختار الناس واحدا منهم، لكن سيدنا عمر بنفاذ خبرته وحكمته اختار أبا بكر، لأن سيدنا أبا بكر، شخصية يجمع عليها جميع خيار المهاجرين والأنصار، وأنه أولى من تجتمع عليه الكلمة ولذلك  قال قولته المشهورة "لأن أقدم فتضرب عنقي في غير إثم خير لي من أن أقود قوما فيهم أبو بكر الصديق".
  فهذه الأمور كلها مجتمعة، ساهمت في عدم تولي سيدنا علي رضي الله عنه الخلافة، فنتج عن هذا احتقان في بعض الناس، عمران بن حصين، وابن مسعود، وزيد بن أرقم، وعمار بن ياسر، وأبو أيوب الأنصارى، وأبو ذر الغفارى، و وغيرهم، وغيرهم، أخذوا في نفوسهم بأن هذه مؤامرة؛ أى العدول عن إختيار على كرم الله وجهه. ونحن ما زالت معنا الشكوى من المؤامرة ولا زالت الحكاية هى هى معنا حتى في هذا العصر لم نتجاوزها حتى الآن.


تطور الأحداث بعد سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه
  فلما قرب انتقال سيدنا أبوبكر، ورأى أن الأمة تحتاج إلى رجل قوي عين سيدنا عمر،  ولما أراد الله الشهادة لعمر، وانتقل جعلت الخلافة شورى بين ستة أشخاص من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ممن انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الرفيق الأعلى وهو عنهم راض.
ثم جاء الاختيار، أو وقع الاختيار على سيدنا عثمان. بعض الناس يطعنون في بنو أمية، وبعض الناس يقبلونهم، وكلنا نعلم ما حدث في ذلك الوقت. فانقسم الناس حتى قبل وفاة سيدنا عثمان. أصبح الناس ينظرون إلى الخلافة كأنها لا تمثل الرأي العام للأمة الإسلامية، ولا تمثل الإجماع، وإنما أصبحت خلافة لصالح فئة في مقابل كل المجتمع، وهي فئة بني أمية؛ خصوصا بعدما تساهل معهم سيدنا عثمان، في دخول الحكم وغيرها من الأمور كل هذه تراكمات كثيرة مؤثرة واستمرت حتى جاء الثائرون من المصريين ووقع ما وقع لسيدنا عثمان، الخليفة الراشد رضى الله عنه .وقد تبلورت الاحتقانات في ذلك الوقت، فمن الصحابة من أحجم وجلس في بيته، وليس له دعوى أو إهتمام بما يحصل، وهناك من خرج من داخل المدينة إلى ريفها، وهناك من  شارك  فى الأحداث بإيجابية ، وهناك وجهات نظر كثيرة في أحداث تلك الفترة.


تطور الاحتقانات في عهد سيدنا علي كرم الله وجهه
ومع ذلك، فبعد استشهاد سيدنا عثمان رضي الله عنه، أجمع الصحابة على خلافة سيدنا علي، فبدأ الإنشقاق. أولئك الذين يطمعون في الأمر، ويطمحون إلى الإستيلاء عليه لم يقبلوا إلا بأن يحدثوا فرقة جديدة في المجتمع؛ بأن يطالبوا عليا بأن يقيم حد القصاص على أولئك الذين قتلوا سيدنا عثمان. هؤلاء الذين قتلوا سيدنا عثمان، قتلوه في تجمهر؛ مظاهرة مجنونة صماء بكماء، لا يرى فيهم أحد بعينه هو المسؤول حتى لو عينت فيهم واحدا وقلت هذا منهم، تحتاج إلى شهود ليثبتوا ذلك، وكل هؤلاء الشهود مدخول في شهاداتهم؛ لا يمكن اعتماد شهادتهم فى قضية الأمة الكبرى، وفى ذلك الوقت لو أعطيت الفرصة لسيدنا علي كرم الله وجهه، لتمكن من متابعة الأمر بهدوء وحكمة، حتى تتكشف  الأمور ويعرف الحقيقة ويحاكمهم. بإقامة حد القصاص على قتلة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضى الله عنه.

لكن هم يريدون غير هذا، لا يريدون محاكمة، وإنما ير يدون ما ينتج ويحدث إثر المحاكمة، فإذا تجاوب الإمام علي كرم الله وجهه، وتجرأ وقام وأراد أن يقيم حد القصاص على هؤلاء فسيكون مصيره مصير عثمان، ويخلو الجو لمثيرى الشغب، وهذا بالضبط ما يريده أيضا المتعصبون من بنى أمية  فقامت قصة قميص عثمان، مثل سيدتنا عائشة، التي كانت في وضع عادي عندما وصلها خبر مقتل سيدنا عثمان، لم تتألم ولم تتأثر كثيرا، وعندما سألت وعرفت أن من عين بعده هو سيدنا علي، قالت: وا عثماناه، فتألمت وولولت، وقادت المعارضة المطالبة بدم سيدنا عثمان. 
حصل كل هذا. ونحن نقدر موقف أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها من على كرم الله وجهه، فموقفه منها فى قصة الإفك بالنسبة لها ليس أمرا هينا، وهو كذلك لكل إنسان وجد نفسه فى مثل هذا الأمر الذى جرى لها رضى الله عنها من هذا الإفك والإفتراء.

 خلافة سيدنا الحسن رضي الله عنه، ونشوء مذهب أهل السنة والجماعة، والتشيع
ومع ذلك الحمد لله، بعد الإمام علي، وانتهى الأمر وجاء سيدنا الحسن، وطمست القصة، هنا عندما نقول الخلفاء، الخلفاء أربعة، ولما نخمس نخمس بعمر بن عبد العزيز، خلافة الإمام الحسن، لا أحد يذكرها ولا أحد يهتم بها كأنها لم تحصل، بل هناك يذكر ابن الزبير أكثر منه!!  وهذا شيء متعمد!! ولكن التاريخ لم يهمله. 
ونشأ للأمة اسم أهل السنة والجماعة، ولما ظهر للأمة اسم السنة والجماعة، تكشفت حقيقة أخرى وهي دفينة لأن الأمر رجع إلى بني أمية وحدهم. فالناس الذين هم غير راضين عن بني أمية، جاءتهم الفرصة ليعلنوا مذهبا آخر وهو التشيع لعلي، والمغالاة في هذا التشيع.
  نشأ هذا التشيع في عهد سيدنا علي، ونشأ حتى قبل عهد سيدنا علي، في زمن سيدنا أبي بكر، وعمر،  فالمحبون والموالون،  لسيدنا علي ولأهل البيت موجودون لكن، ما كانوا بهذه الشدة، ولا بهذا التطرف. وبعد أن سلم سيدنا الحسن، الأمر إلى معاوية، ظهر مسمى أو مصطلح  أهل السنة والجماعة، وظهر في المقابل مصطلح الشيعة. ثم واصل مذهب أهل السنة والجماعة - ولحسن حظهم-، كل الأئمة الأربعة المشهورين وغير الأربعة ممن اندرست مذاهبهم كالظاهرية، وأبي ثور وغيرهم،  كلهم موالون لهذا المذهب مذهب أهل السنة والجماعة، فاصبحوا يمثلون الشرعية الأساسية لمذهب الأمة الذي تسير عليه.

فترة غزو الدول الغربية للبلاد الإسلامية ونهب خيراتها، وتمزيق وحدتها
وما زالت في الرحلة الطويلة هذه وتقلبات الحكم والخلافات،  تنشأ مذاهب فرعية أخرى في المعتقدات، في الفروع، إلى أن جئنا إلى القرن الحادي عشر الهجري، عندما استفحل أمر بريطانيا، وفرنسا، والبرتغال، وغيرهم من فتنة الاستيلاء على بلاد الناس، ونهب خيراتهم، باسم الاستعمار. وكأن الإسلام منذ جاء، لم يحضر الناس، ولم يعرفهم الحقوق، ولم يعرفهم الواجبات، ولم يضعهم على الصراط المستقبم،  بريطانيا، جاءت لتحضر الناس! فرنسا، جاءت لتحضر الناس!  لكن حقيقة هذا التحضر هو صرف الناس عن الدين صرفا حقيقيا بمحض إرادتهم، ونهب خيرات تلك البلاد إلى بلادهم ليعمروها بها!!!
 وكان من نتائج ذلك إرتداد بعض الناس عن الإسلام، ولو مظهريا وسقوط الخلافة، وفتفتة الكيانات الإسلامية حتى تصير عاجزة عن حماية نفسها وعن إغاثة غيرها من أخواتها وهذا الحلم أعنى حلم معاودة الإستعمار ولو فى أشكال أو صور مختلفة ما زال يساور نفوس الدول القوية حتى اليوم!!. تفكر في كيف تنهب البترول؟ كيف تنهب الخيرات الأخرى، الموجودة في هذه البلدان الإسلامية النامية، كيف تزيدها افتراقا وتباعدا وهذا شيء مؤكد.
ظهرت علل كثيرة، وبدع أكثر، فبدأ العلماء يختلفون فى طريقة علاجها، كل متعالم إذا لم يجد له موضعا في المجتمع، يحاول أن يجد لنفسه موضع قدم في المجتمع عن طريق الخروج بمذهب!!! أصبحنا نكفر حتى بالإسلام لمجرد الخلاف!! ونكفر بالهوية دون استبيان فانتشرت بدع التكفير، بدع التبديع. وعندما تقرأ كتب التاريخ تجد في بعض الكتب القديمة، خاصة إخواننا الحنابلة الله يرحمهم، ويهديهم، جذور هذه البلاوى ففيها تكفير الإمام أبى حنيفة، تكفير الإمام الشافعي، وتكفير كل مخالف فى الرأى وقد بلغ الغلو ببعضهم آنذاك إلى الإختلاف حول هل يجوز الزواج من المرأة الشافعية  أو لا؟! ما هو ذنبها؟ ذنبها أنها شافعية المذهب. وظهرت الأكاذيب. لو قرأت حتى كتب عبد الله بن الإمام أحمد، أو ابن مندة، أو غيرهم تجد مكتوبا فيها أن أبا حنيفة هذا اليهود خير منه! ومنهم من يروي:
 "أنه يظهر في الأمة شخص يدعى محمد بن إدريس أشر على الأمة من إبليس".
ومحمد بن إدريس هو الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، عالم قريش.


 ظهور الفتن الدينية
فهذه الفتن تعددت وتنوعت؛ فتنة الطائفية المظلمة، وفتنة التطرف والتشدد، وفتنة الهرج والمرج، وفتنة الجاسوسية والعمالة، وفتنة بغض الصالحين والأولياء والحقد والكراهية والغل غير المبرر على أهل الإيمان حبا فى السيطرة والقهر للآخرين، وسفك الدماء وإزهاق أرواح المسلمين بغير حق. فنتج عنها الشيء الكثير وما زلنا نعاني منها اليوم. 
وهذه الفتن أكثرها نشأ مع نشأة الفرق فى الإسلام وهذه من أضرارها على الأمة اتباعها سياسة غرس البغضاء الحالقة للدين فى قلوب أتباعها ضد المسلمين ممن لايدخلون فى إطار أتباعهم ومقلديهم. وقلما يخلو تنظيم بدعى من الحقد والكراهية والبغضاء للمسلمين المخالفين له، ولا يتورع أكثرهم من رمى الجماعات الإسلامية الأخرى كما فعل الخوارج مع الإمام على كرم الله وجهه، وأخلافهم تراهم يكفرون أئمة أهل السنة والجماعة من الأشعرية والماتريدية وهم أغلبية الأمة بلا شك كما يكفرون طوائف الصوفية دون حجة أودليل فقط لمجرد ما غرسه أعداء الإسلام فى نفوسهم من الشرور المخالفة لعدالة الإسلام وسماحته. 
وعندما ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كانت الأمة فى وضع شبيه بما تعايشه أمتنا اليوم فهى فى أشد الحاجة إلى التجديد وكانت دعوته إلى التوحيد فى بعض أجزاء شبه الجزيرة العربية دعوة محمودة متقبلة لدى كل من أنصف ولكن دعوى أتباعه بأن الأمة كلها انحرفت عن صحيح التوحيد، دعوى باطلة، ولو سلمنا جدلا فى ادعاء إنحراف هذه الأمة الذى أشاروا إليه إذا  وقفوا به عند حدود البدعة والمحدث، أو المحدثات دون القفز بها إلى التكفير لكان ذلك أمرا هينا يمكن تداركه و لم يؤثر فى بناء وحدة الأمة، ولكن تجاوز الحدود المعقولة بذلك، واعتباره هو والمغالون فيه من أتباعه لذلك كفرا مخرجا عن الملة فأمر لايمكن قبوله.
وكذلك ما تبع ذلك من تكفير كل من خالفهم  فقد قالوها صريحة وإن لم يكن ذلك رأيا لجميعهم فأكثرهم يرى أن كل من خالفهم فى الرأى فهو كافر خارج عن الملة مهما كانت مكانته فى الأمة ومرتبته فى العلم والصلاح، وهو فى أصل دعوته لم يدع إلى غير التوحيد. ولكن للأسف دخل  في هذه الدعوى السم في العسل فى نظر أكثرية علماء الأمة أيام كان للأمة علماء يسمع لهم ويطاع أمرهم.
 هذا، ولأن الأشياء التي اعتبروها كفرا وخروجا عن الملة، ليست سوى محض الإسلام والإيمان ومقتضياته وهي تتمثل فى حب الأولياء والصالحين، والتبرك بهم وحب النبي والتبرك به وزيارته حتى ترى المسلم فى كثير من المواقف يتحرج من أن يقول للناس زرت النبى صلى الله عليه وسلم، بل يجب عليه أن يقول زرت مسجد المدينة أو زرت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، على استحياء  وكما ترى، أن هذه كلها مسائل فرعية مشروعة بل ندب إليها الرسول الكريم صلوات ربى وسلامه عليه.


نحن نرى أن الرسول عليه الصلاة والسلام، تبرك الناس به. تبركوا ببصاقه، تبركوا بنخامته، تبركوا بشعره، تبركوا بآثاره، أشياء كثيرة كلكم تعرفونها وليست خافية. ومع ذلك لم يقل أحد بأن هؤلاء المتبركون مشركون، بل هناك الرسول عليه الصلاة والسلام، هو الذي أعطى خالد بن الوليد قصته، وهو الذي قسم شعره بين أبي موسى، وغيره من الصحابة، كلنا نعرف هذا . والقصة كما جاءت فى صحيح السنة والسير قالوا:
فلما أكمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحره استدعى بالحلاق فحلق رأسه، فقال للحلاق وهو معمر بن عبد الله بن نضلة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف، وحضر المسلمون يطلبون من شعره – وهو قائم على رأسه بالموسى، ونظر فى وجهه وقال: يا معمر، أمكنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، من شحمة أذنه وفى يدك الموسى، قال معمر، فقلت: أما والله يا رسول الله، إن ذلك من نعم الله على ومنه.
قال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن، فلما فرغ منه قسم شعره على من يليه، ثم أشار إلى الحلاق، فحلق جانبه الأيسر، ثم قال: ها هنا أبو طلحة، فدفعه  إليه.
قال ابن سعد: وحلق رأسه وأخذ من شاربه وعارضيه وقلم أظفاره وأمر بشعره وأظفاره أن تدفن .


وروى البخارى، عن ابن سيرين، عن أنس رضى الله تعالى عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ شعره، قال: وهذا لا يناقض رواية مسلم: لجواز أن يصيب أبا طلحة من الشق الأيمن مثل ما أصاب غيره، ويختص بالشق الآخر، لكن قد روى مسلم أيضا من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصارى فأعطاه إياه ثم ناوله الشق الأيسر فقال: احلق فحلقه فأعطاه أبا طلحة فقال: أقسمه بين الناس.
ففى هذه الرواية -كما ترى- أن نصيب أبى طلحة كان الشق الأيمن، وفى الأولى أنه كان الأيسر، وفى رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعطاه أم سليم ولا يعارض هذا دفعه لأبى طلحة لأنها امرأته، وفى لفظ: فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس ثم قال: بالأيسر فصنع به مثل ذلك ثم قال : ها هنا أبو طلحة فدفعه إليه، وفى لفظ ثالث: دفع إلى أبى طلحة شعر شق رأسه الأيسر، ثم قلم أظفاره وقسمها بين الناس.
وكلمه خالد بن الوليد فى ناصيته حين حلق فدفعها إليه فكان يجعلها فى مقدم قلنسوته، فلا يلقى جمعا إلا فضه.
هذا الشعر الذي قسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين أصحابه وتنافسوا فى الحصول عليه هو من أجل التبرك به. أفهل يكون بهذا قد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى الشرك أودعا الناس  إلى الكفر؟ لكن الهوى إذا استمكن أدى إلى أكثر من هذا ولقد وصل الغلو بالناس إلى مرحلة" خطيرة إذ يزعم معظمهم أن من خالفهم كفر"!! فتوسع آخرون وقالوا: لا. حتى من رضيه أو رضى به بعد أن كفرناه فهو كافر لأن الرضي بالكفر كفر. وجاء إخواننا أصحاب التسييس الإسلامي وهم أيضا قالوا بتكفير: الحاكم ، والذين صوتوا له أو قبلوه وانتخبوه أيضا  من الكفار! وانتشرت هذه الفتنة. وجاء الأستاذ سيد قطب رحمه الله، وكتب كتبا في هذا المجال أخذ عليه فيها أشياء من هذا القبيل .


كل هذا عندما تخلطه في مكان واحد، وتضيفه إلى آراء الشيخ محمد بن عبد الوهاب يتجلى لك بوضوح ماوقعت فيه أمتنا، وقد نتج عن هذا مولود جديد انتحل له اسم قديم : "السلفية". هذا المولود اجتهد واستخرج أحكاما جديدة لا تبقي مسلما أبدا في الإسلام إلا من هو منهم وإليهم! وهناك أدوار أخرى اختفت تماما عن الوجود، لا تأثير لها مثل أدوار شيوخ الإسلام من الفقهاء الذين كان في السابق يرجع الحاكم إليهم. أصبح وجودهم كالعدم وهم يقولون المعدوم شرعا كالمعدوم حسا.
 وساهم في هذا النصارى، لما حكموا البلاد باستعمارهم, وأيدهم الناس الجدد الذين جاءوا مؤخرا لأنهم لا يستطيعون أن يقبلوا الفقهاء؛ لأن آراء الفقهاء تختلف عن آرائهم نظرا لأن  الفقهاء يختلفون عنهم ذوقا ومنهجا بل وسلوكا إذ كل كلمة يقولها الفقهاء تجدها مقيدة إما بحديث أو آية قرآنية، أو مفهوم من الحديث، أو من القرآن. وهؤلاء الجدد لا يقبلون هذا. فأصبح يجتهد للناس من لا علم له،  ويجتهد من لا معرفة له. وهذه الاجتهادات الفردية ترتب عليها أشياء كثيرة.


مخططات أعداء الإسلام لضرب الإسلام في داره
لما أرادت أمريكا أن تكون وتبرز من العالم الإسلامي قوة قادرة على التغيير من كنف أبنائها لتضرب بعد فترة أكثر البلدان الإسلامية حيوية وأعظمها تاريخا، حبذت للمسلمين المخدوعين فى أمريكا أن يحاربوا السوفييت في أفغانستان، وهرول الناس من هذه الدول وجلهم من المدنيين ومن العاطلين وطلبة العلم إلى أفغانستان.
 واستخدمت أمريكا بصفة خاصة نفس الدول الإسلامية العربية، وكلفتها بأن تنقل أبناءها إلى أفغانستان لقتال السوفييت، وكأن كفر الروس السوفيت وأغلبهم من الأرثذوكس، يختلف عن كفر المحافظين المتصهينين الجدد فى أمريكا أو فى غيرها من بلدان العالم،  مع أن الحقيقة لافرق يذكر بين الجميع. 
وبعد أن ذهب هؤلاء الشباب إلى هناك واجتمعوا تدربوا على فنون الحرب وعرفوا استخدام السلاح،  وامتلكوا تقنيات ما كانت موجودة عند الناس العاديين في العالم العربي، والإسلامى وانتهت قضية الروس، بدأ هؤلاء يتآكلون فيما بينهم حتى وصلت المسألة إلى أن يقتل بعضهم بعضا حتى صار من ضحاياها الشيخ عبد الله عزام، وابنيه وغير ذلك خلافات بسبب الأحجبة والتحاصين بين المعتدلين والمتطرفين فإذا رأى أحدهم مجاهدا آخر، يرتدى حجابا، أو  وجد واحدا عنده آيات يحملها يقول له الآخر : أنت مشرك! أو كافر! وخلافات بين السلفيين وغيرهم من الوهابيين المتبصرين فبدأت الفتنة بينهم. حتى أوفدت الرابطة جماعة من العلماء لحل هذا المشكل وقد وفقوا للحل ولله الحمد كما أخبرنى بعض العلماء ممن لديه صلة مباشرة بالموضوع.

ثم قام إخواننا الطالبانيون هم أيضا بعمل آخر وهو تشريع جديد، صحيح في أغلبه يمشي مع المذهب الحنفي، إلا أنه في الحقيقة قد اشتمل على  أشياء أخرى ، تخالف الدقة والحكمة فشددوا في بعض المهام الفرعية. أما الواجبات الكبرى التي يجب أن يشتغل بها المسلم فى العصر الحاضر فقد أهملت، فتركنا إحكام تأسيس دولة الإسلام على أساس متين وحكيم بإتقان، واهتممنا بالحجاب والمرأة، ومنعها من التعليم والتثقيف، وأن شأنها المكث في البيت، وأن عليها أن تشتغل بالنسج، والغسيل، والطبخ والشأن المنزلى إلخ... وأنها لا يحق لها أن تتعلم، ولا يحق لها أن تتكلم!!ولا يحق لها أن تشارك فى بناء ولا تعمير ولا نضال من أجل التحرر من المغتصب او استرداد الحق أو المشاركة فى إدارة أو قيادة أو تولى المناصب المناسبة لها فى الدولة والمجتمع.
ولما أمعن هؤلاء فى تكفير المخالف وإخراجه من الملة فكروا في المبررات، فلم يجدوا غير أشياء لم ير الإسلام فيها أى ضرر على الدين أو العقيدة منذ فترات طويلة ولارأى أنها تشكل خطرا على المسلم فى عقيدته.  وهذه الأشياء موجودة منذ فجر الإسلام ولم يهتم المسلمون بها؛ لابهدمها أو إبقائها بعد رسوخ أقدام المسليمن في التوحيد والإيمان؛ وذلك مثل تماثيل بوذا فى أفغانستان، وتماثيل الفراعنة فى مصر، كل هذا الكلام لم يهتم به الأوائل لعدم الأهمية. بل اعتبروها آيات ودلالات على قدرة الله فقد أبادهم الله مع بغيهم وطغيانهم كما قال الله فى فرعون موسى {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} [يونس : 92] 
 
وفات إخواننا هؤلاء أن [ بوذا، وأسر، وكابل، وبنج شيك، وسنند ناد] وفرعون، وهامان، وقارون، والمتنمردين، والمتجبري ،كلهم وغيرهم لو أدركهم الإسلام لما وسعهم إلا الإيمان به والدخول فيه لأنه إرادة الله. لكن هؤلاء يريدون أن يجدوا شيئا يسندهم في اعتقادهم بأن المسلمين كفروا، وبأن المسلمين ارتدوا، ولذلك لا بد من إزالة هذه الأصنام التي لبوذا والفراعنة وأبى الهول وغيرها وغيرها، وهذه أيضا عمقت في نفوس الغرب الكراهية الشديدة للإسلام.والخوف والفزع من إبقاء الإسلاميين فى أمريكا وأوروبا فى المستقبل.
وبعد أن رجع هؤلاء الذين ذهبوا للجهاد في أفغانستان، وانكسر فى حقهم حاجز الخوف من النظم القائمة فى الدول العربية وبطشها بالمعارضين، وهو أمر مقصود ومخطط له من قبل الدول التى افتعلت قصة الحرب فى أفغانستان، فتنت أمريكا بينهم وبين الحكام، وكأنها قالت لهم هؤلاء تعلموا فنون الحرب، ولو تركتموهم على حالهم بعد العودة لم يتركوكم، ولا بد أن ينتقموا لما لحق بهم من الأذى فاعرفوا كيف تتصرفون معهم، أو كيف تتخلصون منهم! فرأوا أن السجون أولى بهم؛ فزجوا بكل من قدروا عليه فى غيابات السجون، وكل من جاء زجوا به في الزنازين، فنفروا، وشرد البعض، وهيأوا أنفسهم لجهاد لا نهاية له مع الكفر الأساسى فى بلدانه أمريكا وأوروبا والكفر الذى وقع فيه المسلمون بحسب رأيهم.
 وأصبحت الأمة مقسمة وممزقة. وكان الأولى بأمريكا أن تبعث بجنودها وقواتها ليحاربوا لها الروس السوفييت، أو تبعث بأبنائها من إحتياطيين وغيرهم ليقاتلوا الشيوعية ودحرها من التغلغل فى أفغانستان؛ لأن الإسلام إذا حارب من أجل الدين فسيحارب الكفر كله، ولافرق بين كافر شيوعى، وكافر غير شيوعى مع العلم بأن كثيرا من دول العالم وبعض دول المسلمين اتبعت فى سياساتها الإقتصادية النظام الإشتراكى فى مقابل النظام الرأسمالى الذى يتبناه الغرب وأمريكا ومن شايعوها. ونحن نعلم أنه لاهذا، ولاذاك هو منهج الإسلام فى المال والإقتصاد؛ لأن الإسلام فى رعايته للحقوق لم يتدخل فى حق الملكية بالتجزئة، ولا بالسلب، ولا بالتقييد المجحف وتدخل فقط لحفظ حق كل إنسان مفيدا أو مستفيدا، وليحمى الإنسان من ظلم وجشع الإنسان، وليهذب رغباته ونزواته حتى لاتعتدى أوتتعدى حدها المسموح لها به فى إطار قاعدة "لاضرر ولاضرارفي الإسلام"  وتدخل فقط ليمنع ظلم القوى للضعيف، وليفتح آفاق التعاون بين جميع الناس دون ظلم ولاخلابة فى المعاملات كلها.


 وكل الأسس والنظم التى جاء بها الإسلام تسير فى نفس الإتجاه وانظر إلى قوله تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [المائدة : 2 ].


فقد أكرم الإسلام الإنسان المسلم بالتوحيد والعبادة المقدرة بحسب الوسع والطاقة فقد قال تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة : 286 ]


   وفى المعاملات شرع حب الخير، وفعله للناس كافة، ودفع الضرر والضرار عن النفس وعن الناس، والإنتفاع والإستنفاع، وشرع تمام حسن الأخلاق وإتمامها بروح القلب السليم، وشرع إحترام الناس فى الأخذ والعطاء، وشرع التزكية حتى يتطهر الإنسان متجنبا جميع العيوب ليصفو من كل الذنوب إرضاء للخالق الرازق المحبوب، وشرع التسامح والرفق فى كل شىء وإعطاء كل ذى حق حقه.


    ولنعد إلى ماكنا فيه من استخدام أمريكا وأذنابها أبناء المسلمين فى محاربة الروس السوفييت وياليت ذلك كان فى سبيل الله كما يعتقد فى بداية الأمر. 


وكان من الممكن أيضا أن تبعث أمريكا بجيوشها وتطلب من دولنا الإسلامية أن تبعث لها من القوات النظامية فى هذه المهمة حتى لايحدث شىء من هذه الأمور التى بدا اليوم واضحا أنها تهدد الأمة الإسلامية فى أمنها وسلامها فى جميع بلدانها. ولا يخفى الهدف الأمريكى من وراء هذا الترتيب الخطير وأقله نشر الفوضى والإنفلات الأمنى والتخطيط لتغيير النظم الإسلامية القائمة واستبدالها بأخرى تفقد الخبرة والحنكة السياسية بأسها بينها شديد، وقلوبها شتى فقد كان من ذلك ماكان والبقية تأتى.


  ولما لم يجد هؤلاء الإسلاميون بعد عودتهم من أفغانستان ملاذا بعد العودة من أفغانستان إلا فى بلدان أوروبا وأمريكا التى تتبع نظاما ديموقراطيا ولو أنه مفصلا تفصيلا دقيقا عل شعوبها، فهاجر كثير منهم إلى هناك حيث استقر هناك قبلهم العديد من التيارات التنظيمية من أتباع الإسلام السياسى فرأت بعد ذلك أمريكا وبعض دول فى أوروبا، أن وجود هؤلاء على أراضيها يشكل خطرا كبيرا، وفرنسا أيضا تخاف من الزحف الإسلامي، وقد قيل أن ساركوزي قال: بعد خمسة وعشرين سنة، يعني بعد عام 2025م، ربما يأتي رئيس مسلم في فرنسا.أو كلاما يشبه هذا وخافت بريطانيا نفس الشيء..، ألمانيا نفس الشيء، إيطاليا نفس الشيء كل هذه الدول تخاف الإسلام، وتخاف من المسلمين وتخاف زيادة المواليد فى العالم الإسلامى فكيف بمواليد المسلمين المهاجرين! وكذالك تخاف هذه الدول امتلاك بلداننا لهذه الثروات الطبيعية الهائلة؛ البترول وسائر المعادن وكذلك تخشى هذه الدول المد الإسلامى والإنتشار الواسع السريع له فى كل مكان.


وأمريكا ذات الوجوه المتعددة تعلم هذا، وغير هذا وهي المعلمة للعالم تعلم كل المسائل التي تخرب، وتدمر وتبيد فتهلك الحرث والنسل وتتبنى نشر كل فساد فى الأرض.


ومن أجل ذلك ابتدعت حكاية تمكين وتوطين هؤلاء فى بلدانهم بإعادة تصديرهم إلى بلدانهم الأصلية مثل ما فعلت بريطانيا بإسرائيل، فى فلسطين تمكين وتوطين الإسلاميين على اختلاف إنتمآئتهم، وعلى اختلاف نزاعاتهم فى بلدانهم الأصلية لأنه ليس كلهم على سواء في السوء، فهناك المخلص، وهناك غير المخلص...... طالما هم يتحركون دعونا ندفع بهم إلى بلادهم؛ فأتت بإخواننا الذين شردهم ظلم الطغاة إلى تونس، وجاءت بإخواننا هنا إلى مصر، ليبيا، جاءت بهم ولكن للأسف بالنسبة لأمريكا لم يتمكنوا من تحقيق ما تريد لأسباب لا يعلمها إلا الله. لم يتمكنوا من إقامة دولة يسيطر عليها الإسلاميون من النوعية التى تفضلها هى، والفكرة هي فكرة إقامة خلافة إسلامية، كبيرة وأمريكا تعلم أن ذلك شبه مستحيل فى أوضاعنا الحالية... كيف تقوم هذه الخلافة؟ وكيف تنشأ؟ والله قادر على كل شىء، والله أعلم.

 

ولكن هذه  هي الفكرة، فالمطمح كبير جدا،  ليس على ما يبدو حكم دولة، أو دويلة، لا. وهي بدأت بدول غير متعصبة للإسلام هي مسلمة، دول إسلامية لكن غير متعصبة للإسلام، بدأوا بها فعندما تزول كلها، سوف يأتي الدور على الدول الإسلامية الأخرى. وقد مهدوا لذلك بزرع فتن وتركوها نائمة لحين الوقت المناسب لتطل برأسها فتفني ولا تبقي ولا تذر. وقانا الله والمسلمين جميعا من ذلك.


 ففي جنوب السعودية هناك مشكلة، وفي البحرين توجد مشكلة، وفى اليمن، هناك مشاكل وفى سوريا، مشاكل أفظع وفى العراق، مشاكل قد تنفجر قريبا وسوف تتكشف المشاكل في أماكن أخرى.


  يهددون بإيران، ولكن لا يريدون القضاء عليها لأن القضاء عليها هو القضاء على مصالحهم، لاخوفا على دول عربية أو إسلامية فى المنطقة فقط. يقولون من أجل حماية الدول العربية، حتى لو ناوروا هنا وهناك فليس صحيحا. همهم أن يقضوا على الدول العربية، ويغرسوا شجرة الفتنة في هذه الدول العربية التى ببقائها يبقى الإسلام وإذا سقط العرب سقط اٍلاسلام كما قال مولانا الشيخ إبراهيم نياس: أن الإسلام يقوى بغير العرب، ولكنه يبقى يعني وجوده بالعرب. فإذا أزلت العرب زال الإسلام، ولذلك أصبحت القصة صعبة.فاعتبروا يا أولى الأبصار.


دور السادة الصوفية وموقفهم من هذه الأحداث
  قلنا إن دور الفقهاء المؤثر شبه انتهى أو اختفى، والسادة الصوفية دورهم أيضا بمعناه الحقيقى شبه انتهى أو اختفى، ولكن ليس معنى ذلك أنهم أى الفريقين الفقهاء الذين يحملون فقه الظاهر، والصوفية الذين يحملون فقه الباطن غير موجودين، بل الفقهاء بالمعنى العام والصوفية بالمعنى العام حاليا موجودون وتستطيع أن تقول بالنسبة إلى الصوفية أنهم أكثر من أي طائفة في العالم. ولكن لعدم مشاركتهم فى أهم مجالات الحياة كغيرهم يبدوا لكثير من الناس أنهم أقلية.
إن الصوفية لو نظرنا إليهم بمعناهم الحقيقى فيما سبق عند العلماء لوجدتهم أكثر طوائف المسلمين. فأكثر المحدثين من المذاهب الأربعة صوفية يهتمون بباطن الدين من أسرار الإيمان، ودقائق مقامات اليقين والإخلاص والتقوى، وهكذا الفقهاء والمفسرون وحملة العلم كافة، حتى الإمام  ابن تيمية وتلامذته أمثال ابن القيم، وابن رجب وغيره، ومعظم شيوخهم مثل ابن قدامة، وغيره كلهم من الصوفية. وفقهاء المذاهب السنية الأربعة فكتبهم شاهدة بما نقول. وحتى المنظمات الإسلامية أغلبها خصصت للتصوف مساحة واسعة فى مجالات حياتها كلها حتى المرشد الأول والمؤسس للإخوان المسلمين ليس بمعاد للصوفية، أو التصوف كما كان يعرف دعوته بأنها :[دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة إقتصادية، وفكرة إجتماعية].
 وانقلاب بعض أتباعه عن منهجه لايضره. ولقد لقيت منهم فى المدينة المنورة، السيد سعيد حوى، وكانت أفكاره سليمة على الجادة والفضل يعود إليه فى إعطائى الصورة الصحيحة للإخوان رحمه الله. وكل هذه المعطيات بمعناها الصحيح الأصيل، وانتساب الشيخ المرشد للتصوف غير خاف، وتدل دلالة واضحة على عدم وجود أى نوع من العداوة بينه وبين السادة الصوفية. وراجع ماكان يدور بينه وبين شيخنا المحدث محمد الحافظ التجانى، فى الإسماعيلية؛ أيام وجود الشيخ الحافظ، بها فى مهمة دعوية، والقصة فى رسائل الشيخ البنا.


وتصديقا لما نقول: فقد جاء فى كتاب  الإخوان المسلمون سنوات ماقبل الثورة قال: كما لم يعرف عن الإخوان المسلمين سنة 1928 سجلها بوصفها جمعية خيرية على غرار الجمعيات الخيرية ذات التوجه الصوفى المعروفة وقتها، حين كان قد انتهى إلى حسم أمر مساره الدعوى باتجاه تكريس ميوله الحركية المبكرة، لكن اهتمام البنا بالتصوف تجاوز النظرة الطرقية والطقوسية المغلقة فقد كان التصوف فى نظره مؤهلاً للتفاعل فى ساحات الأمة والمساهمة فى قضايا الإصلاح متى خرج عن عزلته، وبقى مكوناً روحياً للتربية والسلوك.
لقد كانت روح التصوف حاضرة فى البناء التنظيمى للجماعة، واحتلت جزءاً مهماً من مقررات التأطير والتربية فى الحركة، بل يمكن الجزم أن البنا أسس، على روح التصوف، أكبر تنظيم إسلامى حركى على الإطلاق فبنى بذلك جماعة حركية جمعت بين الصوفية والعسكريتارية 0


قد بلغ التكوين الصوفى لدى البنا فى شبابه، حيث كان قد انتمى للطريقة الحصافية الشاذلية، وواظب على الوظيفة الزروقية، مستوى مهماً جعله يفرد فى مقررات الإخوان التربوية والثقافية مساحة مهمة للمكون الصوفى الذى تجلى فى الوظائف والأوراد (الوظيفة الكبرى والوظيفة الصغرى) التى سنها فى جماعته. كما أدخل فى المقررات الثقافية للجماعة، بشكل مبكر من تأسيسها، عيون كتب التصوف مثل "شرح حِكَم ابن عطاء الله السكندرى"، و"رسالة المسترشدين" للحارث المحاسبى، و"المواهب اللدنية" للقسطلانى، و"الأنوار المحمدية" للنبهانى، و"الرسالة القشيرية"، و"إحياء علوم الدين" للإمام أبى حامد الغزالى، و"مختصر منهاج القاصدين" لابن قدامة المقدسى، مع التركيز على ما له علاقة بخصوصية التنظيمات الكبرى ، والابتعاد عن ماله صلة بالطرقية، من الناحية العملية والتربوية. لم تغب الفعاليات ذات البعد الصوفى عن حركة البنا، فحرص على الاحتفال بالمولد النبوى بشكل جماعى ذى بعد تنظيمى، كما لجأ إلى الترقية الروحية بممارسات وطرائق صوفية، فكان كتاب " التوهم " للحارث المحاسبى من المقررات التربوية الأساسية فى الجماعة التى يتم تذاكرها جماعياً فى الليالى التعبدية فى مشهد بليغ من المعايشة والتأثر  .    


     تنظيمياً، أعطى البنا، المكونات التنظيمية لجماعته حمولة معنوية قريبة من روح التصوف، فمعايير الترقى فى الجماعة كانت تخضع لاعتبارات تعبدية روحية يكون للتقوى الشخصية فيها النصيب الأكبر مثل الصيام، والقدرة على الصبر، والجلد، والمواظبة على الصلاة والأذكار وقيام الليل، يرتبط الأعضاء فى الأسر  والكتائب  بعلاقات إنسانية بالدرجة الأولى تقترب من درجة الأخوة فى الدم ، وتنتهى إلى الارتباط بلقب المرشد الذى يحيل إلى السلطة الروحية التى لا تشوبها رغبة فى التنافس على منصب القيادة وهذه كلها كانت مكونات استقاها البنا من خبرته فى الصوفية.
   ورغم أن ظروف الاحتلال وغلبة الطبيعة الحركية على الجماعة، ثم ضرورات الحضور السياسى فى الساحة المصرية لاحقاً قد عجلت بتراجع الأبعاد الصوفية فى جماعة الإخوان، إلا أن هناك تحولاً أعمق جرى فى المنظومة الإخوانية بعد ذلك فنقلها من الإطار الصوفى الذى يعطى أولوية للجانب الروحى إلى الإطار السلفى الذى يغلب الاهتمام بالنقاء العقائدى وما يستتبعه ذلك من حجاج وصِدام مع الممارسات الصوفية التى لا يراها متفقة مع الكتاب والسنة  .


هذا وبالرغم من كل ما حدث من إنزواء لدور السادة الصوفية الحقيقيين، فإنهم إذا جردوا يعتبرون أكثر من كل الطوائف الأخرى، قد تقول أن الطائفة الفلانية وصل عدد منتسبيها إلى ستين مليون! نحن الطريقة التجانية... والقادرية في نيجيريا أكثر من ستين مليونا!!! حسنا ستون مليونا ولكن أين الدور؟؟!! الدور مفقود أو ضعيف غير مؤثر، أو أن الجهود كلها تصرف فى نزاعات جانبية عقيمة، والأعداء يسهرون على تدبير المكائد من اجل إلحاق الضرر بهم وبالتصوف عموما.


 وحجة البعض أن الصوفى لا ينبغى أن يفكر في الدنيا، ولا أن يفكر في أهلها، ولا يفكر حتى فى حماية دينه، ونفسه! وينبغى أن يترك الناس على ماهم عليه وفيما هم فيه... يتركهم وشأنهم وإذا مات لهم ميت أتي وصلي عليه فقط! لكن أنت أيها الصوفى العابد ،نعم موقفك أن لا تشارك في شئون الحياة الدنيا، ولا تشارك فى عمارة الأرض، ولا فى الدفاع عن دينك، والله تبارك وتعالى يقول:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} آل عمران : 200 .

 

ويقول:{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}[الأنبياء:78] 


 ويقول:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد:7].     


ويقول:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}[الحج:39-41] 


 ويقول:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}[الأنفال:20 - 21].


  ويقول:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[الأنفال:24-25.


 ويقول :{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[الأنفال:60- 61].          ويقول :{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ* لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} [الحشر:19-20]. 


  وهذه الآيات وما شابهها، والأحاديث التى تدعوا المسلم إلى الجهاد والنية له  والبيعة، خاطب الله ورسوله بها جميع المؤمنين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يستثنى منها الصوفية ولا غيرهم من سائر طوائف المسلمين. ولقد رسخت هذه الفكرة المثبطة والمدمرة في الأذهان، فمضى عليها زمن طويل وهى فكرة فى نفسها من المنكر الذى يجب تغييره، ولكننا فى الأغلب لم نعتبرها من العيوب والنقائص المنكرة إلى أن وصلت المشاكل بالمسلمين اليوم إلى الدرجة التي نراها!!!


لا تكاد تجد بلدا إسلاميا واحدا موحدا!!..... تجد كل البلاد مفرقة، ومعلوم  أن الله تبارك وتعالى قد حذرنا من ذلك فقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:46].


وأمرنا حيثما نكون أن تكون منا أمة تدعوا إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وترسخ الإيمان فى نفوس الناس وقلوبهم فقال عز من قائل :{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[آل عمران:104-105]. 


ويقول تعالى أيضا:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}[آل عمران:110]. 

 

حسنا، إن الله أمرنا بتقواه حق التقوى، وأن نموت على الإسلام وأمرنا بالإعتصام بحبله جميعا، ونهانا عن التفرق فقال :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[آل عمران:102-103].     


 وقال :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ*وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[الأنفال:45- 46]. 


وقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}[الأنفال:15-  16].


   لقد حصل التنازع، فماذا ننتظر نحن؟ ذهاب الريح!! والريح هي الدولة والقوة. تذهب قوتكم، وتذهب دولتكم بذهاب جولتكم، وهذا هو الذي يحدث اليوم في بلداننا كلها.


ولذلك يجب علينا جميعا أن ننتبه، ونعمل بثبات في أماكننا لنصرة الإسلام ، ونصر المسلمين، والحرص على توحيد صف المسلمين. لافرق فى هذا بين صوفى وغيره. ولا يجوز لمؤمن أن يحتقر  نفسه فيقول: لا. أنا لا أستطيع أن أعمل شيئا في هذا الخضم الذي يشبه المحيط المتلاطم الأمواج ! لا، لا .


 إنك أيها المؤمن تستطيع أن تؤثر ولو بالكلمة الطيبة، بتحين فرصة الوعظ، أو التوجيه في المكان المناسب، في الوقت المناسب فى قوم مناسبين،  وبذلك يأتي التوفيق من الله للفهم الصحيح، و اختيار الصواب إن شاء الله وسيتجدد الإيمان في نفوس المؤمنين، ويتجدد الإسلام في نفوس المسلمين، حتى يستطيعوا أن يدركوا حقيقة من يريد لهم الخير، ومن لا يريد لهم، ولا بهم الخير.


إزدياد خطورة وضع الأمة الإسلامية بعد ثورات الربيع العربي
والحقيقة نحن في خطر! الأمة الإسلامية في خطر. انظر إلى كل الدول التي تغيرت بسبب ما يسمى بالربيع العربي، ليبيا، ومصر، ولو كان هناك بلد آخر يجري الخلاف الدامي فيه، لماذا؟  إذا كان الغرض عمارة هذه البلاد، وتغيير القوة الحاكمة فيها بأفضل منها، إذن لماذا هذا التقاتل؟ لماذا هذا التناحر؟ ولماذا يسيل الدم المسلم دائما، ويهراق بدون أي سبب؟!


كل هذا يجعلك تدرك أن هناك هدفا يخططون له، وهذا الغرض لا يستطيع أن يتلافاه، أو يتداركه إنسان هو طرف في هذه النزاعات. إذا كنت طرفا في هذه النزاعات لا تستطيع أن تعمل شيئا. ولكن إذا لم تكن طرفا فيها، وكنت مسلما حقا... وكنت تمثل جانب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في دعوته وتوجيهه إن شاء الله ستفعل الكثير وسينصرك الله نصرا مؤزرا .


نسأل الله تبارك وتعالى، أن يوفقنا وإياكم، وأنا أرحب بكم، وإن شاء الله، بالتفاهم ستحل كل مشاكل الأمة الإسلامية، وقد أصبحت وسائل التفاهم كثيرة اليوم، ولا يعتقدن أحد منكم أنه إذا قال كلمة يجمع كل الناس عليها، لا. اليوم أنت إذا قرأت القرآن... لا يجمعون على معناه، ولا يجمعون على فهمه، ولا على تفسيره. كل واحد له رأي، ولذلك أنت تنصح بدون انغلاق. اترك قلبك مفتوحا، وعقلك مفتوحا وكذلك فكرك، تأخذ ما لك، وتنظر فيما ليس لك إلى أن تصل إلى النتيجة التي تريدها وتطلبها. ومن فضل الله تبارك وتعالى أن جعل القلوب بيده وليس بيد إنسان كائنا ما كان، والذي يوسوس فيها هو الشيطان، وأنت تستطيع أن تطرد هذا الشيطان بذكر الله .قال تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28]. 
وفقنا الله وإياكم.

العلاقة بين الطريقة التجانية، والقادرية، وجميع الطرق
  وأحوال التجانيين في الهند

وبعد سؤال سماحته عن أحوال التجانيين والزوايا في كل من الإمارات، وسلطنة عمان، أفاد السيد الدكتور/ مختار، أنه جاءهم فضيلة الشيخ رحمة الله، من كيرلا، بالهند، في الإمارات، وجاء لزيارة مولانا الشيخ موسى عبد الله، في أبو ظبي، وطلب أن نخبركم، بأنه يعاني من مشاكل كثيرة، لأن هناك توجد عندهم مشاكل كبيرة في الهند، ومن المؤسف أن يكون ذلك بين من ينتمون إلى الصوفية؛ والسبب فى هذا التوتر أن لدى بعضهم الإعتقاد بأنه يجب على صاحب كل طريقة مهما كانت، يجب عليه أن يتوسل بالشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه. فهو يشتكي من هذه المشكلة، وطلب إذا كان يمكن أن تكتبوا له دعاء.
فأجاب سماحة مولانا قائلا: نسأل الله له التوفيق، ولا بد أن يدركوا أن التجانية وغيرها من طرق الأولياء ليست ضد الشيخ عبد القادر الجيلاني، والتجانيون يسلمون لمولانا الشيخ القطب الفرد، المجمع على ولايته وجلالة قدره، كل مقاماته ومراتبه وحقائق ولايته، التى اختصه الله بها. وأن شيخنا التجاني رضي الله عنه، يوصي أتباعه بتعظيم واحترام جميع الأولياء، فضلا عن شيخنا عبد القادر الجيلانى رضى الله عنه وأرضاه . 
وعندما زار شيخ الإسلام، مولانا الشيخ إبراهيم نياس الكولخي رضي الله عنه، العراق، فى زيارة رسمية أظن أن هذا كان في عهد عبد السلام عارف، توجه إلى زيارة... سيدنا ومولانا الشيخ عبد القادر الجيلاني، فاعترض عليه بعض الناس. وكنت ذات مرة حاضرا معه فى منى، وجه إليه بعض الحاضرين من إخواننا سؤالا لسماحته، وهو: ما هو حكم زيارة الأولياء غير التجانيين إذا ذهب التجاني إلى بلادهم؟ قال: (تذهب وتبلغهم سلام الشيخ التجاني، وتسلم عليهم وتدعو لهم كما أمرت بذلك السنة عند الزيارة). وهذا واضح فى سياق زيارة المسلمين جميعهم إلى النبى صلى الله عليه وسلم .
   فالمسلم عندما يقف بين يدى رسول االله صلى الله عليه وسلم، يقول بأدب وحضور قلب تام،  وخفض صوت وغض طرف (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبى الله، السلام عليك يا خير خلق الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا خاتم النبيين، السلام عليك يا رحمة للعالمين، السلام عليك يا سيد الأولين والآخرين، السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك عبد الله ورسوله، وأشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت فى الله حق الجهاد، وعبدت ربك صابراً محتسباً حتى أتاك اليقين، صلى الله عليه وسلم عليك، وعلى آلك وأصحابك أفضل الصلاة وأتمها، وأطيب التسليمات وأزكاها.


ثم يطلب الشفاعة، ويستغفر ربه، ويسأله حوائجه الخاصة والعامة والدنيوية والأخروية؛ لنفسه، ولأهله، ولمن تعلق به، ويسأله حسن الخاتمة. ولم يقل أحد أن زيارة القبور واجبة، وأنك تذهب إذا لم تقم بزيارتها. ولقد رأيت فى زيارتنا للحبيب عليه الصلاة والسلام، نسلم عليه، ونجدد إيماننا به، ونبلغه سلام أمته عليه، ونصلى ونسلم عليه، وعلى آله وأصحابه إلى غير ذلك.
 ثم ندعوا بما يلهمنا الله به فى ذلك المقام الرهيب العظيم، فإن الزيارة الشرعية غير ممنوعة. لكن يجب على كل مريد أن يعمل بشرط شيخه إذا لم يترتب على ذلك مقاطعة، أو فتنة. وأنت تستطيع أن تزور وتبلغ سلام شيخك للولى المزور.فمثلا أنك إذا دعيت إلى منزل جارك فى وليمة وهو يقول يلزم الزائر الأكل، وعلى الناس جميعا أن يأكلوا في بيته، أو يلزم جميع الناس أن يأتوا  إلى بيته، فالواجب هنا هو الإتيان لغير المعذورين لأن الشريعة لا تلزم الناس بالأكل وإنما فقط بالإجابة.  ولكن إيجاب زيارة الأولياء والتوسل بهم فلم يقل به أحد.وإنما هو أمر إما مندوب إليه، أو جائز وليس فى ذلك شىء من الوجوب إلا لمن له على الزائر حق مشروع؛ كأبوة مادية، أوروحية وما شابه ذلك والله الموفق
ومن هنا، فإن الأولياء كلهم عند الشيخ التجانى، محل تعظيم واحترام. ولو كان من تخاطبه عاقلا غير مغلوب على عقله بجذب ونحوه، فقل له دعوتنى لآكل عندك، وأنا أكلت في بيت أبى وشبعت، فلا أستطيع أكل الطعام الذي عرضته لي، لارغبة عنه ولكن اكتفاء بما سبق فكان عليه أن يدرك أنه ليس من حقه أن يغضب. أو يفرض عليك أكل طعامه، وأنت قد لبيت الدعوة، واعتباره عدم الأكل عدم تلبية للدعوة، يعد موقفا غيرمتوازن، ذوقا، وغير سليم شرعا.
لكن مع ذلك نحن نسلم على الأولياء، ونقول لهم إن شيخنا أحمد التجاني رضي الله عنه، يسلم عليكم. ربنا يزيدهم من فضله، ويغفر لهم، ويعلي مراتبهم، ومكانتهم عنده، ويزيدهم من فضله ونعيمه. هذا هو الذي نقول به.ونحن ندعو لهم.
وعندما نذهب إلى سيدنا أبى بكر، أو عمر، أو عثمان، أو على، كرم الله وجهه، فى المدينة أو الكوفة، فإننا نفعل كما فعلنا فى زيارة النبى صلى الله عليه وسلم نسلم، عليهم وندعوا لهم ونتوسل بهم لماذا؟ لأن طريقتنا مبنية على أساس أن تلامذة  هذه الطريقة هم تلامذة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مباشرة. لأن أورادها أخذت من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مباشرة فهم تلامذة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مباشرة، روحيا فهم كلهم تلامذة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ليسوا صحابة وليس لهم فضل الصحابة رضوان الله عليهم جميعا .
وأما من ساعدته العناية الإلهية بأن يكون حاضرا مع رسول اله. صلى الله عليه وسلم، وصاحبا من أصحابه، فهذا قد تعدى؛ لأنك مهما عملت لله وعملت فإن عملك لا يكون أبدا مثل عملهم. أليس كذلك؟! بلى. لو أنفقت مثل جبل أحد ذهبا، ما كان يعدل ذلك... مد أحد أو نصيفه! انظر الفرق!! والمد منهم من قمح، وأنت تعطي مدا من ذهب، تعطي جبلا من ذهب، أيضا ثوابك أقل من ثوابهم. وشيخنا التجاني رضي الله عنه، راض بهذا، ويقول: أن أعمالنا نحن التجانيين مع الصحابة، مثل سير النمل؛ الذرة وسير القطا!! ولفضل الصحابة نتوسل بهم، ونتبرك بهم.

الخاتمة
وجوب التفكير بجدية في وضع الأمة الإسلامية

وعليكم أن تفكروا في الوضع الحالي في العالم الإسلامي وتهتموا به. لأن أعداء الله أرادوا بالعالم الإسلامي فتنة كبيرة وشرا مستطيرا انظروا إلى ما يجرى فى نيجيريا من الخراب والدمار!!! 
  نظر هؤلاء إلى وضع المسليمن في نيجيريا وقوة الإسلام، فى شعوبها فاختاروا "برنو" وهي الولاية التي نحن منها، ونستقر فيها لتكون مسرحا لهذه الأحداث، وهي أقدم ولاية في الإسلام، وكانت إمبراطورية إسلامية، كبيرة مترامية الأطراف ولكن فكروا فى تنفيذ هذا المخطط طويلا وحاولوا عدة محاولات لأمور غريبة، فقد تكررت زياراتهم إلى المنطقة ويقابلون بعض الشخصيات، ولم يظهر لنا مقصدهم في ذلك الوقت، إلى أن فهمنا القصد في الأخير.
الأسلحة تأتي إلى نيجيريا بالحاويات الكبيرة ولماذا كل هذا؟ إن كل هذا ليس له معنى سوى محاربة الإسلام. فحدوث هذه الأحداث وعدم توفر الأمن والإستقرار فى بلد غنى بشتى الموارد الطبيعية، يجعله مضطرا إلى الإرتماء فى أحضان دول البغى والظلم والطغيان، والآن قد كشف ربنا مخططهم بانتشار هذه الفرق فى البلاد.
صحيح أنه منذ بداية هذه الفتنة لم يعتدوا علينا نحن كصوفية سنية تتبع خطى السلف الصالح، أو إخوان يعملون فى مجال الإرشاد العام ولم يعتدوا علينا،كدعاة إلى الله بل أحيانا يأتون ويوضحوا لنا أنهم ليسوا أعداء لنا، ويؤكدون في عدة مرات أنه ليست لديهم ضغينة ولا فتنة ولا إشكال لهم معنا نحن، وعلينا أن لا نقبل ما يقوله الناس من أعدائهم فيهم ولكن الأمر الآن قد خرج من أيدي هؤلاء المعتدلين فقد أصبحت هناك فرقا كثيرة، فوجب الإعداد والإستعداد.


 فقطاع الطريق من أئمة السطو المسلح عندهم تنظيم اسمه بوكو حرام، والسياسيون الذين فشلوا فى الإنتخابات ويريدون تصفية بعضهم البعض، عندهم منظمة اسمها بوكو حرام، وكذلك المسيحيون أيضا عندهم منظمة اسمها بوكو حرام، ثم بعد ذلك يأتى بوكو حرام أصحاب الاسم الحقيقيين. فهناك مشاكل كثيرة.
معنى عبارة "بوبكو حرام"
  دكتور مختار: حرام فهمنا معناها، ولكن ما ذا تعني كلمة بوكو؟
سماحة مولانا: بوكو هي اختصار لكلمة"بَوْكوْيْ" يعني التعليم من السنة الأولى إلى السابعة، سابعة ابتدائي، المرحلة الابتدائية، فبوكو يعني ليس التعليم العالي فحسب، بل حتى التعليم الابتدائي المحدد بسبع سنوات أيضا حرام، هذه معناها. يعني بوكو من بوكوي ومعناه سبعة بلغة الهوسا. والمعنى الواضح هو تحريم التعليم الغربى بكل مراحله مع أن هذا كلام غير منطقي لأن التعليم كله مؤسلم الآن إلا المستويات العليا فهي لها مجرى معين في كل بلد.
وهذه الحركة حركة الدعوة للتوحيد والجهاد، مع تنوعها فهى على مايبدو من فصيل أو فرع الجزائر، كأنصار الدين فى مالى، وأنصار الشريعة والإسلام فى ليبيا، وكلها مستمدة من تنظيم القاعة فى المغرب العربى، والصومال، واليمن، ومناطق أخرى وهى كلها نسيج واحد فى ظاهرها وإن اختلفت فى الجوهر والله يحكم بالحق، لامعقب لحكمه وهو الشديد المحال. وقانا الله وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
الحمد لله، تبارك الله.


اترك تعليق