مفارقات بين ربيع الأول والربيع العربي (صلاح سلطان)

By :

 من قدر الله أن يتزامن ربيع الأول هذا العام 1434هـ في ذكرى ميلاد الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم مع ذكرى ثورة الخامس والعشرين من يناير، ومع أني لا أؤمن بالأبراج ودلالاتها التي تصيب البعض بالهوس لدرجة رفض بعض الشباب أو الفتيات الزواج لاختلاف الأبراج، وهذا يصلح للتندر لا الأفعال، فقد حكم مصر بعد ثورة 1952م حكام كانوا من أبراج الجدي والثور، لكن الحمد لله برج الدكتور مرسي وبرجي هو الأسد، وهذا يسعدني في بعض الأوقات التي أراني أخوض عباب الأزمات بروح الأسد الهصور، لكنه لا يمثل لي أية قيمة إضافية، كما سعدت بحركة الأسد من الدكتور مرسي يوم حلف اليمين في ميدان التحرير أمام الملايين، لما تجاوز حُرّاسه والـ"بروتوكولات" الرئاسية، وقال: لست ألبس بين شعبي أي درع واقٍ، فقلت يومها مازحًا: غلب عليه برجه الأسدي، المهم أن التزامن بين الربيعين يذكرني بأمور عديدة أهمها:

أولاً: يتفق الربيعان أنهما كانا رحمة بالبلاد والعباد مع الفارق الضخم بين الرحمتين، كما بين القمر وأصغر النجوم، لكن كانت دعوة الحبيب صلى الله عليه وسلم رحمة للناس أجمعين، فقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين} [الأنبياء: 107]، فكان صلى الله عليه وسلم رحمة بالبَر والفاجر، والصالح والطالح، والإنسان والحيوان، والجماد والنبات، والأرض والسموات، وصارت الرحمة عنوان رسالته، ومقصد دعوته، فصبر برحمة بالغة على من آذاه ودعا لكبار المجرمين والعصاة بالهداية والنجاة، ولما اشتد عليه الأذى أرسل الله جبريل مع ملك الجبال لكي يطبق على المكذبين الأخشبين، ويتخلص من الظالمين، لكن رحمة الحبيب محمد غلبت على طوفان الأذى، وسيل الردى، فدعا لهم بالهدى فقال: «بل أدعو الله لهم، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله عز وجل»، فكان من ولد وظهر أبي جهل الصحابي المجاهد عكرمة بن أبي جهل، ومن نسل الوليد بن المغيرة سيف الله المسلول والفاتح الكبير خالد بن الوليد، ومن قبل كانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أن يعز الله الإسلام بأحد العُمرين: عمرو بن هشام أو عمر بن الخطاب، فهدى الله عمرَ إلى الإسلام وكان ذاهبًا لقتل النبي محمد فصار بعد دقائق يقول: "أشهد ألا إله إلا الله محمد رسول الله، ألسنا على الحق؟! أليسوا على الباطل؟! فلمَ نعطي الدنية في ديننا؟!"، فأصابت دعوة الحبيب قلب عمر بن الخطاب فصار رحمة بالأمة وخليفة من خلفائها، والربيع العربي توضأ فيه المسلم بماء المسيحي كما يقول جورج إسحاق، وحرس المسلمون الكنائس بسواعدهم وقلوبهم قناعة لا قناعًا، واليوم نحن نحتاج إلى أخلاق الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم في الرفق بالمعارضين، والدعوة لهم بظهر الغيب أن يهديهم الله أجمعين، وأن يشرح صدورهم لما فيه صالح دول الربيع العربي وأمة الإسلام أجمعين.

ثانيًا: أهتف في إخواني وأخواتي الذين تشبعوا وتضلعوا بمعاني الرحمة وهم يقرءونها كل يوم (120 مرة) على الأقل مع البسملة وفواتح سورة الفاتحة؛ حيث ترد "الرحمة" (4 مرات) في 30 ركعة يوميًّا بين فريضة ونافلة، وقد وردت مادة "الرحمة" في القرآن (339 مرة)، وهي أكثر من أية مادة أخرى، على حين وردت كلمة "المهيمن" مرتين، ووردت في القرآن مادة "المغفرة" (234 مرة)، أما اسم "الجبار" سبحانه فقد ورد (10 مرات) فقط، ووردت مادة "السلام" (157 مرة)، أما كلمة "القهار" فقد وردت (10 مرات ) فقط، ووردت كلمة "الرزاق" (120 مرة)، ووردت مادة "الباسط" (25 مرة)، أما مادة "القابض" فقد وردت (9 مرات)، ووردت كلمة "الرافع" (29 مرة)، وكلمة "الخافض" (4 مرات) فقط، ووردت مادة "المعز" (120 مرة)، ومادة "المذل" (24 مرة)، ووردت مادة "الحكيم" (210 مرات)، و"العدل" (28 مرة)، ووردت كلمة "الحليم" (38 مرة)، ووردت كلمة "المنتقم" (17 مرة)، ونحن في دول الربيع العربي نحتاج إلى استحضار صفات الرحمن في الرحمة بالإنسان والكون كله، رغم قوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103]، {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106]، ومع ذلك فهو سبحانه يرزق الناس أجمعين، ويغفر لهم إن جاءوا تائبين، ويبدِّل السيئات إلى حسنات، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ولعل هذا التزامن بين الربيعين يعيد لإخواننا خاصة روح الدعوة القائمة على الرحمة والمرتكزة على الهداية، وعدم الانجرار وراء الصبغة الغربية للسياسة في المغالبة والقهر والاستئثار، ولقد صرنا نحتاج إلى التراحم بين الجماعات الإسلامية، وبين أبناء الوطن الواحد علمانيين وإسلاميين، مسلمين ومسيحيين، مثل حاجتنا إلى الدواء والغذاء والماء والهواء، لتكون الرحمة عنوان ربيعنا العربي كما أكرمنا الله في ربيع الأول برحمات النبي في الدنيا وشفاعته للمذنبين يوم القيامة.

ثالثًا: أن ربيع الأول لما ولد فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم انطفأت نار الدولة المجوسية الفارسية، وتزلزلت عروش قيصر الروم، وانهدمت صور الاستبداد من السادة للعبيد، والرجال للنساء، والأغنياء للفقراء، والأقوياء للضعفاء، وانهدمت في الربيع العربي عروش و"كروش" مارست الظلم والقهر والاستبداد والفساد، والبقية تأتي بإذن الله تعالى، حتى نعود إلى صبغة الربيع الأول؛ حيث صار الناس سواسية كأسنان المشط، وناداهم الحبيب صلى الله عليه وسلم على جبل الرحمة في حجة الوداع مخاطبًا الناس أجمعين وليس فقط المسلمين، فقال: «يا أيها الناس كلكم لآدم وآدم من تراب، ألا لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح....»، وصار غير المسلم في ديار الإسلام آمنًا أكثر مما كان قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وجاءت الوصية لغير المسلمين فصارت ديانة لا سياسة، وقناعة لا قمعًا، وإحسانًا وبرًّا، لا ظلمًا وقهرًا، واتسعت أمة الإسلام لكل الأطياف من الكافرين والمنافقين والمؤمنين، حتى جاء الرجل يطلب الإذن من سيد المرسلين أن يمارس الزنا فيُقنع عقله، ويمسح بيده الحنون على قلبه، ويدعو الله أن يشرح صدره للعفة، ويذهب الله ما به من شهوة.

وهذا هو أول ما نحتاجه في ربيعنا العربي أن نقبل بفكرة التعايش وفقًا لهذه المبادئ الخمسة: لله عبادةً، وللناس رعايةً، وللأرض عمارةً، وللقانون طاعةً، وللسلطة معاونةً فيما لا يخالف كتابًا أو سنة، وتلك لعمري لو استحضرناها للربيع العربي من ربيعنا الأول لكانت فتحًا مبينًا، ونصرًا عظيمًا، وفضلاً كبيرًا.

يا قوم صِلوا الربيع العربي بالربيع الأول فلن يَصلح آخر هذه الأمة إلا بما صَلُحَ به أولها، وكفى ما جنته الحلول المستوردة على أمتنا، أو إن شئتم فاقرءوا كتاب العالم المسلم الهندي الأصيل أبي الحسن الندوي "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين".

حقا ما أحوج الربيع العربي إلى مناهج وأصول الربيع الأول!.


اترك تعليق