رسالة إلى مؤتمر القمة الإسلامية (محمد بديع)

By :

تبدأ اليوم في القاهرة فعاليات مؤتمر القمة الإسلامي الذي تترقبه الأمة؛ نظرًا للظرف التاريخي الذي تمرّ به وللتحديات الجسام التي تواجهها. ويأتي وقت ومكان الانعقاد ليعطي دلالة واضحة على قدر ومكانة مصر وشعبها عبر التاريخ، فمصر الحضارة والأزهر والثقافة والتاريخ والجغرافيا والنِّيل دائمًا في قلب الأمة الإسلامية وفي وعيها ولم تَغِب ولن تغيب أبدًا عنه بإذن الله.

 

كما أن القمة تُعْقد وقد طرأت على مصر تغيرات كبيرة وأحداث جسام؛ تمثلت في إعلاء الشعب لإرادته بإسقاط نظام دكتاتوري بغيض، وبداية تأسيس دولة ديمقراطية دستورية حديثة قائمة على أسس المواطنة وسيادة القانون والحرية والمساواة والتعددية, والتداول السلمي للسُّلطة عبر صناديق الاقتراع, واحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية, وشيوع قيم الحرية والعدالة والمساواة بين جميع أبناء الأمة, بلا تمييز على أساس العرق أو اللون أو الدين، وهذه قيم مستمدة من جميع الرسالات السماوية.


بدأت بالفعل تلك الخطوات؛ حيث تم انتخاب رئيس مدني لأول مرة، وإقرار دستور كتبه المصريون بأيديهم، وانتخابات تشريعية على الأبواب؛ ليكتمل عقد المؤسسات المنتخبة، ونبدأ مرحلة جديدة من التنافس للبناء في حبِّ مصر الذي يملأ القلوب.


إن انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي في هذه الأوقات التاريخية والحاسمة من تاريخ أمتنا يتطلب أن نُذكِّر ببعض القضايا المهمة؛ عملًا بقوله تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) ؛ ليقف كل منا على مسئوليته أمام الله، ثم أمام أمته وأمام الناس.


إن أحوج ما تحتاجه أمتنا الآن هو السعي الحثيث والجاد نحو وحدة حقيقية تنتظم أمتنا، عملًا بقوله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)، فالعالم من حولنا يتجه لتكتلات عديدة مختلفة المشارب والاتجاهات لتحقيق مصالحهم الخاصة، أفلا نفعل نحن ذلك عبادةً لله وتحقيقًا لصالح أوطاننا بما يحقق الخير كل الخير للعالم بأسره. فنحن حملة نور مسئولون عن إيصاله للدنيا كلها (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).


وتتوَّج هذه الوحدة بالتكامل الاقتصادي الذي يرعى مصالح الشعوب ويزيد من فرص الاستثمار المشترك، وتشغيل الأيدي العاملة، وتوفير الوظائف للعمالة المدرَّبة، والاستفادة من الموارد الطبيعية لكافة الدول وتبادل الخبرات فيما بينها؛ بما يعود بالنفع والخير العميم على أمتنا.


إن احترام إرادة الشعوب والنزول عليها هي أكبر داعم لنا جميعًا حكامًا ومحكومين، فهي السياج الواقي من الفتن والمؤامرات الداخلية والخارجية، وهي التي ستحمي الجبهة الداخلية وتقوِّيها أمام التحديات برفع روح الولاء والانتماء، وترسِّخ حُبّ الأوطان وتجذِّره في النفوس، ووقتها سيضحِّي الجميع عن طيب خاطر بكل شيء لنهضة بلاده وتقدمها.


كما أن في الالتحام بالشعوب وعدم الانعزال عنها والسعي في حل مشاكلها وبذل غاية الجهد في رُقيِّها وتقدمها ونيل رضاها، أكبر ضمانة على تقدم البلاد وسلامتها ووأد الفتن في مهدها، فلن يكون هناك حاجز بين الحاكم والمحكوم ولا بين الغني والفقير، ولا بين الأغلبية والأقلية، فالكل يتعبد إلى الله بإرضاء الآخر والسعي في حاجته.


ولا ريب أن دُرَّة تاج الأوطان هو ضمان الحريات العامة والخاصة وصونها، فبها تعلو الهِمم وتُفجَّر الطاقات ويُغْرَس حب الأوطان والمفاهيم الحقيقة والسليمة للوطنية في النفوس، مما سيدفع بالبلاد نحو التقدم والرخاء والازدهار.


وكذلك العمل على زيادة التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء للقضاء على الفقر الضارب بجذوره في أعماق مجتمعاتنا، والإسهام الفاعل في تطورها وتنميتها. ولتحقيق ذلك فمن الضروري أن تتعاظم الجهود الدافعة إلى زيادة التجارة البينيَّة بين الدول الأعضاء وتحقيق النِّسب المستهدفة لذلك، مع تخصيص برنامج خاص للتنمية في الدول والأقاليم الأولى بالرعاية.


إن أمتنا الإسلامية تواجه الآن العديد من التحديات الجسام التي تحيط بها من الخارج وتهددها من الداخل، فهناك من لا يريد لأمتنا أمنًا ولا استقرارًا ولاخيرًا، وعلينا أن نعي حجم المخططات المُحدقة بنا وأن نحبطها في مهدها، وأن نتخذ السبل والتدابير اللازمة نحوها، وأول وأهم عناصر قوتنا وحدتنا بلا أدنى شك.


كما أن هناك من يريد أن يُشْعِل نار الفتنة بين أبناء البلد الواحد والأمة الواحدة، ويشعل المؤامرات والمعارك الفرعية؛ ليدعم الفرقة ويُذْكي الخلاف؛ لتشتيت الجهود وإضاعة فرص التقدم والنهضة؛ ولنظل دائمًا أسرى قوى وأجهزة بعينها تحاول أن تُضلَّنا وتزرع الحقد والبغضاء بيننا لأهداف لا تخفى على ذي لُبّ. كما أن هناك قوى تدعو وتدعم التمرد والانفصال في بعض بلداننا للسبب ذاته، والعجيب أن تلك المؤامرات الموجَّهة والهدَّامة لا نجدها بكثرة إلا في وطننا الإسلامي، ولا نجد دماء رخيصة إلا دم المسلم الذي حرَّمه الله على كل المسلمين "كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ"، بل هناك حرمة لأي نفس (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، وعلى الرغم من ذلك فكلنا ثقة في موعود الله عز وجل (إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ).


وفي ظلِّ عالم يموج بالمتغيرات وبصورة سريعة, يجب أن نقوم بالدور الواجب للحفاظ على الهوية الإسلامية من التأثر سلبيًّا بتلك المتغيرات، والعمل الجاد على أن تتبوَّأ مكانتها الرائدة كما كانت، فهي النبراس الذي يضيء لنا الطريق ويرشدنا إلى سواء السبيل بما تحمله من مبادئ وقيم ومُثل مستمدة من شريعتنا الإسلامية الغرَّاء التي هي الوسطية الكاملة بين التطرف يمينًا ويسارًا (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ).


ومن تلك التحديات التي تواجه الأمة المحاولات التي يبذلها البعض لاستهداف ثورات الربيع العربي، ومحاولة إفشالها تحت دعاوى زائفة وفاسدة وسعيًا للوقيعة بين الدول والشعوب. فالقيم والمُثُل التي قامت من أجلها الثورات لا تسمح أبدًا بالتدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، ولكنها تدعو للتعاون المشترك بما يعود بالخير على الشعوب، فلا يجب أن ندع مجالًا لشياطين الإنس والجن ليفسدوا علينا علاقاتنا الأخوية التاريخية.


كما أن علينا جميعًا حكامًا ومحكومين أن نبذل الجهد المطلوب والواجب لنصرة قضايا الأمة، وفي القلب منها فلسطين الحبيبة وما يحدث فيها من حصار وقتل جماعي لأهلنا في غزَّة والضِّفة، واستيطان بغيض وتهويد وسياسات كريهة مما تتطلب منا التكاتف لمواجهتها وإنهائها في أقرب فرصة؛ ليعود الحق لأصحابه؛ ولنرفع الآلام عن إخواننا الفلسطينيين، ونسهم في إعادة إعمار ما هدمه العدوان الغاشم المتكرِّر والمُمنهج، وضرورة بذل جهود حثيثة لرأب الصدع في الخلافات الداخلية بين الفصائل الفلسطينية، وإنجاز المصالحة في أقرب فرصة.


ولا يمكن أن ننسى سوريا الحبيبة وما يحدث فيها من إجرام منظَّم من نظام فقد إنسانيته قبل شرعيته، ويقتل شعبه بدمٍ باردٍ وبأسلحةٍ ثقيلةٍ مرتكبًا أبشع الجرائم الإنسانية في حق شعبه، فلننصر إخواننا المظلومين المتعطِّشين للحرية الدافعين لها أثمانها الغالية بأرواحهم في سوريا بكل وسائل الدعم المتاحة.


ويجب علينا كذلك القيام بالدور المنوط بنا جميعًا لحلِّ الأزمة العراقية قبل تفاقمها، ومنع الأصابع الأجنبية من العبث بعاصمة الخلافة، فالعراق كنز إستراتيجي للأمة كلها بمكانته ومقدراته المادية والمعنوية.


وليكن رائدنا في حلِّ الخلافات بين إخواننا قول الله عز وجل(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وليكن جرس الإنذار المحذِّر لنا قوله سبحانه وتعالى(وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، ولنحذر من محاولات التدخل الخارجي السافر في شئون الدول العربية والإسلامية.


إن هناك العديد من القضايا الشائكة والسَّاخنة والحساسة في العديد من دول أمتنا تحتاج لحسمٍ وسرعة وحكمة في حلِّها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما يحدث في مالي وبنجلادش، مما يتطلب من الجميع الاضطلاع بدوره وأمانته لحفظ الأنفس والأعراض والأموال والتي هي من مقاصد الشريعة الإسلامية.


ولا يمكن أن نغفل تبنِّي قضايا الأقليات المسلمة في كافة أرجاء العالم، والدفاع عن حقوقهم المشروعة في الحياة الكريمة، وحفظ أنفسهم وأموالهم وأعراضهم من الإهدار والتدنيس، وسلوك كل السبل القانونية والدبلوماسية لذلك. ومنها على سبيل المثال حقوق المسلمين المهدرة في ميانمار وكشمير والهند والفلبين، وغيرها من دول أخرى توجب علينا القيام بواجبنا الشرعي والإخلاقي تجاهها.


إن الكنز الحقيقي لأمتنا هم شبابها فهم عُدَّة المستقبل وحاملو لواء النَّهضة والتقدم وهم المخزون الإستراتيجي للأمة، فلنعتني بهم ونرعى مصالحهم ونذلِّل العقبات التي تعترض طريقهم، ولندعم المشاريع الداعمة لهم والمفجِّرة لطاقاتهم والمُثْرية لأفكارهم، ولنشركهم في تحمل المسئولية واتخاذ القرار ليتبوَّءوا مكانتهم المستحقة في المستقبل القريب. فهم نصف الحاضر وكل المستقبل، وقد أوصانا بهم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم "استوصوا بالشباب خيرًا".


إن مجالات التعاون بين دول منظمة المؤتمر الإسلامي كبيرة تكاد لا تحصى؛ لذا فلا بد من العمل على تنميتها والوقوف صفًّا واحدًا متماسكًا في مواجهة التحديات التي تواجهها، وتكثيف الأنشطة والجهود الداعمة لفتح آفاق جديدة لعالمنا الإسلامي يتجاوز بها تحدياته وأزماته، مما يجعل مستقبله أكثر ازدهارًا وإشراقًا. مع التركيز على الوضع الإنساني، وتنمية التعاون المشترك سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا وإعلاميًّا؛ عملاً بقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).


يقول الإمام المؤسِّس الشَّهِيد حسن البَنَّا – يرحمه الله – في رسالة نحو النور التي أرسلها للملوك والرؤساء عام 1366هــ: "فهذه رسالة الإخوان المسلمين, نتقدم بها, وإنا لنضع أنفسنا ومواهبنا وكل ما نملك تحت تصرف أي هيئة أو حكومة تريد أن تخطو بالأمة الإسلامية نحو الرُّقي والتقدم, نجيب النداء ونكون الفداء, ونرجو أن نكون قد أدَّينا بذلك أمانتنا وقلنا كلمتنا، والدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".


إن الإخوان المسلمين وكل من ينتمي إلى جماعتهم ويتبنى أفكارهم ومبادئهم الوسطية في العالم قدَّموا ويُقدِّمون لأمتهم ورسالتهم كل التضحيات وكل الخير، ولا يتعاونون أبدًا إلا على الخير، ولم ولن يكونوا أبدًا سببًا في أي إثم أو عدوان متمثلين قوله تعالى:(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، سائلين المولى عز وجل أن يجعلنا مفاتيح للخير ومغاليق للشر.


اترك تعليق