ممارسة السياسة بالأخلاق (وصفي عاشور أبو زيد)

By :

حصر رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الغاية من رسالته في كلمات قليلة بما أوتي من جوامع الكلم، فقد روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق".


والمبادئ والأخلاق هي رأس مال الحركة الإسلامية والدعاة والعاملين للإسلام، وإذا فرطنا في أخلاق الإسلام ومبادئه التي لا تتجزأ ولا تقبل المراوغة أو المساومة تحت أي مسمى فإن موقعنا قربا أو بعدا عن الإسلام يتوقف على مدى التزامنا بهذه الأخلاق، وقد عقد الإمام المحقق ابن قيم الجوزية فصلا في مدارج السالكين بعنوان: "الدين كله خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين".


وحين يمارس الإسلاميون السياسة فلا بأس بما يصدر عنهم من أخطاء في تقدير موقف ما، أو ما يخطئون فيه في اتخاذ بعض القرارات أو الاختيارات، فكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، وكل يؤخذ منه ويترك إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام، أما حين يكون الخطأ متعلقا بالأخلاق في التعامل والخلاف فإنها تكون مصيبة يصعب فيها العزاء.


أقول هذا بمناسبة ما لاحظته ورصدته - ورصده مئات غيري - من التراجع الأخلاقي الملحوظ للعاملين للإسلام، وبخاصة بعد أحداث الربيع العربي، وكانت لهذا التراجع أمارات وعلامات ووقائع كذلك قبل الربيع العربي.


كان لذلك – ولا يزال – مظاهر عديدة تستحق الرصد والتحليل والدراسة، منها:


تقديم دائرة الانتماء على دائرة الأخلاق "الالتزام الحزبي مقدم على الالتزام الأخلاقي"، والتطرق بالحكم على النوايا والضمائر، بدلا من تقييم الممارسات والإجراءات والأفعال، والاتهام بالعمالة والخيانة بلا بينة، وعدم إحسان الظن وأخذ الأمور على المحمل الأسوأ، وتتبع الإشاعات وترويجها، وعدم التحقق منها، وعدم الدقة في نقل الأخبار والأحداث تهويلا أو تهوينا، ونشر وقائع "قد تكون موثقة" للطعن في الشخص وأخلاقه بعيدا عن النقاط محل النقاش، ونشر تلك الأشياء بما في بعضها من مخالفات شرعية، وهمز ولمز المخالفين، واستخدام الكُنْيات تنابزا بالألقاب، والغضب والانفعال بما يخرج الشخص عن شعوره، وبما يدفعه لتصرف أهوج أو استخدام ألفاظ لا تصح، وغير هذا كثير على مستوى الفرد والمجموع.


ولن يكون آخر هذا ما قاله فضيلة د. حلمي الجزار أمين حزب الحرية والعدالة بالجيزة، في حفل سياحي روسي مصري بالغردقة في البحر الأحمر بمناسبة عيدها القومي، تحدثت فيه إحدى "الفنانات"، وسألت د. حلمي: هل حضوره ومشاركة الحزب في الحفل يعد تصالحا مع الفن والفنانين؟ فما كان منه إلا أن قال: "شكرا على توجيه السؤال. سؤال جميل من فنانة نعتز بيها". والفيديو منشور على اليوتيوب بعنوان: "فضيحة حلمي الجزار مع دولي شاهين"، وإذا كان د. حلمي – وأنا أحترمه بالفعل وأعتز به وبعقله وفكره وألمعيته – يريد أن يروج لرؤية الحزب أو الجماعة، ويظهرهما بمظهر غير معادٍ للفن – وهو كذلك فيما يخص الفن الهادف فعلا - فلا يصح مطلقا أن يكون هذا على حساب الأخلاق والمبادئ، أو بالمسارعة في أننا مخطئون ولسنا بشرا، وبأننا لم نروج لبضاعتنا كما ينبغي، فنحن لا نعتز بمن يقدمون العهر والفجور والانحلال الأخلاقي والاجتماعي يا د. حلمي، ويجب ألا تكون هناك مساومات أو مواءمات في هذا الجانب لأنه لا يقبل المواءمة ولا المساومة.


كان بوسع د. الجزار أن يقول بما عهد عليه من ذكاء وألمعية وحضور بديهة: "ومنذ متى والإخوان غير متصالحين مع الفن؟ ألم يكن للإخوان مسرح، ألم يعمل على هذا المسرح فنانون يشار إليهم بالبنان الآن؟ ولكن أي فن يتصالح معه الإخوان: هل فن الخلاعة والمجون والبطون العارية وفن تقديم الرذيلة، أم الفن الهادف الذي يرقى بأخلاق المجتمع ويقدم النموذج للفتيات والشباب، والأسرة، والمجتمع؟ إن الإخوان يرحبون بالفن الهادف الراقي الذي يعزز الأخلاق ويؤكد على القيم ويرقى بالفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمة".


ومن هنا فإن الحركة الإسلامية بكل أطيافها وفصائلها بحاجة ماسة إلى المراجعة الأخلاقية في السلوك والممارسة والتعامل مع النفس، ومع الآخرين، سواء كانوا موافقين أم مخالفين، فإن الخطأ في القرار أو التصرف يغتفر، أما المخالفات الأخلاقية فإن فيها قصمَ الظهر وذهابَ الريح، وقد قال أمير الشعراء:


وإذا أصيب القوم في أخلاقهم *****فأقم عليهم مأتما وعويلا.


اترك تعليق