63 عاما على استشهاد الإمام حسن البنا (أحمد بحر)

By :

ولد الإمام الشهيد -بإذن الله- حسن أحمد عبد الرحمن البنا في 14/10/1906م في المحمودية بمحافظة البحيرة بمصر، نشأ في بيت علم ودين، كان والده عالمًا في الحديث، وله تصانيف عدَّة فيه، ولُقِّب أبوه (بالساعاتي)؛ لأنه كان يعمل في إصلاح الساعات.

حفظ الإمام البنا القرآن في سن مبكرة، جُبل منذ صغره على حب ممارسة العمل الإسلامي، فكان رئيسًا لجمعية الأخلاق الدينية، وأنشأ جمعية محاربة المنكرات وهو طالب في الإعدادية. تخرج في الثانوية العامة، فكان ترتيبه الخامس على مستوى مصر، كما تخرج في دار العلوم، وكان الأول على دفعته، ثم عُيِّن مدرسًا في إحدى مدارس الإسماعيلية.

الأحداث الجسام إبان ظهور حسن البنا

- سقوط الخلافة العثمانية 1924م - تقسيم تركة الخلافة العثمانية بما يُسمَّى (اتفاقية سايكس بيكو) سنة 1915م.

- الاحتلال الإنجليزي لأرض مصر - اغتصاب فلسطين - تفكك الأمة - ظهور الفكر الاشتراكي في مصر - ظهور الروح القومية والديمقراطية - ضعف الأحزاب المصرية في مواجهة الاحتلال الإنجليزي، ومناصرة القضية الفلسطينية.

كيف انتقل حسن البنا مدرسا في الإسماعيلية ؟

يقول البنا محدثًا عن تلك الفترة وكان معسكر الإنجليز في الإسماعيلية:

"ويعلم الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة، وما وصلت إليه من مختلف مظاهر حياتها، ونحلل العلل والأدواء، ونفكر في علاج وحسم الداء، ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء".

وأخيرًا كانت البيعة من الستة الذين زاروا الشيخ البنا، قال بعضهم يصف هذه اللحظة التاريخية: "ومددنا أيدينا للمبايعة، فوضع أيدينا فوق يده ثم قال: "رددوا معي: نستغفر الله العظيم ثلاثًا، تُبنا إلى الله، وعزمنا على ألا نعصي الله، نعاهد الله على أن نكون أخوة في الله، وأن نعمل لهذا الدين الحنيف، والله على ما نقول وكيل. ثم قرأ قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10].

تصور الإخوان للقضية الفلسطينية

المسلمون جميعًا أمة واحدة، تربطهم رابطة العقيدة؛ {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52].

يقول البنا: "كل شبر أرض فيه مسلم يقول لا إله إلا الله، أو رفعت عليه يومًا راية الله، فقد صار أمانة في يد المسلمين".

فالإخوان يؤمنون بأهمية الوحدة الإسلامية، وفلسطين جزءٌ مهم من كيان الوطن الإسلامي، الصراع مع اليهود وجود أو لا وجود، الجهاد في سبيل الله هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، الإخوان المسلمون لا يؤمنون بالحل السلمي مع اليهود.

ويقول البنا أيضًا: "الفريضة الماضية إلى يوم القيامة وأول مراتبه إنكار القلب وأعلاه القتال في سبيل الله، ومن ذلك جهاد اللسان والقلم واليد وكلمة الحق عند سلطان جائر، ولا تحيا الدعوة إلا بالجهاد، وبقدر سمو الدعوة وسعة أفقها تكون عظمة الجهاد وفخامة الثمن الذي يتطلب لتأييدها وجزالة الثواب للعاملين".

دوافع الجهاد

رد العدوان، والدفاع عن النفس والأهل والوطن وحماية الدعوة حتى تصل إلى الناس جميعًا، وتأمين حرية الدعوة والاعتقاد، وإغاثة المستضعفين والمظلومين، ولن يتم ذلك إلا بإزالة الطواغيت.

الإخوان المسلمون وفلسطين

- فضح ممارسات الإنجليز وكشف تآمرهم على فلسطين، فقد قام الإخوان بتوزيع عشرات الآلاف من كتاب "النار والدمار في فلسطين".

- أول من طرق أسماع المصريين عن قضية القدس، وهم أول من أنشئوا صندوق القدس لجمع التبرعات للمجاهدين عام 1931م.

- بعث البنا سنة 1935م شبابًا من الإخوان العسكريين ليقفوا بجانب إخوانهم في فلسطين بقيادة الشيخ عز الدين القسام من أجل التدريب على السلاح، كما بعث البنا محمود لبيب وكيل الإخوان للشئون العسكرية لحل الخلاف بين منظمتي النجادة والفتوة، وفعلاً توحدوا تحت اسم "منظمة الشباب العربي".

- أول مؤتمر شعبي نظمه الإخوان من أجل فلسطين سنة 1938م، حضرته وفود شعبية ورسمية وبرلمانيون من مصر والعراق وسوريا والسودان ولبنان.

- رفض الإخوان قرار التقسيم 29/11/1947م، ودعوا الشعب العربي للتظاهر في 15/12/1947م. خرج الأزهر والجامعات والمعاهد والشخصيات السياسية، وخاطب البنا الجماهير قائلاً: لبيك فلسطين، دماؤنا فداء فلسطين، وإن كان ينقصنا السلاح اليوم، فسوف نستخلص من أعدائنا. إنني أعلن من هذا المنبر أن الإخوان قد تبرعوا بدماء عشرة آلاف متطوع للاستشهاد في سبيل فلسطين، وهم على أتم الاستعداد لتلبية ندائكم. ثم وجَّه نداء إلى الملوك والزعماء فقال: خلوا بيننا وبين اليهود، فإذا ضاعت فلسطين منا فاشنقوني وإخواني في الميادين العامة.

- عندما أعلنت بريطانيا عن سحب قواتها من فلسطين في أيار/مايو 1948م لإنهاء وجودها العسكري وتسليم اليهود فلسطين، فهم الإخوان هذه المأساة، فأعلن البنا النفير العام في جميع شعب الإخوان، فتدفق الإخوان من أنحاء مصر إلى المركز العام للإخوان في القاهرة، ففوجئوا بقرار الجامعة العربية والجيش المصري بمنع دخول الإخوان، والاقتصار على الجيوش النظامية.

- دخل الإخوان عن طريق سيناء "بحجة رحلة علمية"، ومنهم من دخل في سيارات البضائع، ومنهم مشيًا على الأقدام.. 35 تلميذًا في سن 16 سنة قطعوا سيناء سيرًا على الأقدام، لما وصلوا إلى فلسطين لم يسألوا عن طعام أو راحة، بل سألوا متى تبدأ دورتنا التدريبية ضد اليهود.

- لم يكن الإخوان المصريون وحدهم، بل شاركهم إخوانهم في الأردن بكتيبة على رأسهم المرشد العام عبد اللطيف أبو قورة، وإخوان سوريا على رأسهم المرشد العام مصطفى السباعي، والعراقيون بقيادة محمد محمود الصواف، وكذلك السودانيون واللبنانيون.

- وصل الإخوان فلسطين قبل دخول الجيوش العربية النظامية بشهرين، فقد دخلوا في مارس 1948م.

المعارك التي خاضها الإخوان

-معركة (كفار ديروم) المحاذية للحدود المصرية التي تربط مصر بفلسطين.

- هاجم الإخوان القافلة الصهيونية؛ مما اضطر اليهود إلى ترك مصفحاتهم والهروب منها، وتمكن الإخوان من السيطرة على 15 مصفحة.

- معركة التبة 86 الواقعة جنوب دير البلح: اتصل الجيش المصري بالأستاذ كامل الشريف في 23/12/1948م، وأخبروه بسقوط التبة 86 بيد اليهود، فطلبوا من الإخوان أن يعيدوها؛ لأن سقوطها يهدد القوات المصرية بغزة، وبمجرد دخول الإخوان أبلوا بلاءً حسنًا حتى تم احتلالها.

- القائد العام للجيش المصري اللواء فؤاد صادق طلب من الحكومة المصرية بإلباس الإخوان أوسمة رفيعة؛ اعترافًا ببطولتهم في هذه المعركة.

- استطاع الإخوان بفضل الله أولاً ثم بفضل تربيتهم الجهادية واستبسالهم، استرداد العسلوج واستولوا على مستعمرة (رامات راحيل) قرب بيت لحم.

اغتيال الإمام البنا

لقد تعاظم أمر هذه الحركة وانتشرت مبادئها، ليس في مصر بل في العالم العربي والإسلامي حتى كتبت إحدى الصحف الأمريكية تصف البنا: "إن هذا الرجل هو أقوى رجل في العالم، ولا يمكن أن يغلب إلا أن تصير الأحداث أكبر منه؛ لذا فإن سبب اغتيال حسن البنا؛ لأنه أوفى بما قال، فأرسل كتائب الإخوان في فلسطين الذين لقنوا اليهود والإنجليز دروسًا لن ينسوها؛ لذا أوعزوا إلى النقراشي بحلّ جماعة الإخوان واغتيال البنا، فما كان منه إلا أن نفَّذ أوامر أسياده، فجرَّد البنا من سلاحه الشخصي، وسرقت سيارته، وقطع هاتف بيته، واعتُقِل إخوانه ليلقى مصيره..

وفي صبيحة يوم الاستشهاد رأى رؤيا مفادها أن الإمام علي -رضي الله عنه- خاطبه قائلاً: "يا حسن، انتهت مهمتك، وأديت رسالتك، وقبلك الله وقبل منك".

ومع ذلك فقد خرج من بيته ليواصل عمله، حيث إن الحكومة المصرية اتصلت به، وأعطت البنا موعدًا لكي يحاور الحكومة بشأن الوضع، وكان الاجتماع في جمعية الشبان المسلمين، فقد ذهب الإمام -رحمه الله- إلى مكان الاجتماع، وانتظر ولم يأت أحد، ومن ثَمَّ غادر المكان.

وفي الساعة الثامنة والنصف من مساء يوم السبت 12/2/1949م يطلق رصاص الغدر على البنا في أكبر ميادين القاهرة أمام دار الشبان المسلمين، ثم ينقل إلى مستشفى القصر العيني لإسعافه، فكانت الأوامر المشددة من قِبل الملك بعدم إسعافه، فظل ينزف حتى أسلم الروح لبارئها. ولم يسلموا الجثة لوالده إلا بعد أن تعهد بدفنه دون إحضار أي أحد، وفعلاً قام الشيخ الهرم الذي تجاوز التسعين بغسل وتكفين الشهيد، ورفض البوليس حمل النعش، فحملته نسوة أربع يمشين بين صفوف الدبابات ومئات الجنود، ودُفن البنا مجدِّد القرن العشرين بهذه الصورة.


اترك تعليق