ماذا يحدث في مالي؟ (مركز التأصيل للدراسات والبحوث)

By :

شهدت مالي تمردًا عسكريًّا في 21 مارس 2012م، حيث سيطرت مجموعة من العسكريين الماليين على السلطة، بعد استيلائها على القصر الرئاسي في العاصمة باماكو، وتم هذا الانقلاب قبل 5 أسابيع من الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة في مالي، والتي كانت مقررة في 29 إبريل الماضي، وبرَّر القائمون بالانقلاب موقفهم بالقول: إن "حكومة الرئيس المطاح به لم تدعم بشكل كافٍ المعركة التي يخوضها جيش مالي ضد الطوارق العرب في الشمال الذي يعجّ بالأسلحة والمقاتلين".

فالانقلاب الذي حدث في مالي منذ تسعة أشهر لم يكن له سبب معلن إلا العداء للإسلاميين في شمال مالي، وهو الأمر الذي لم يتغير حتى اليوم؛ فالانقلابيون "العلمانيون" من صغار الضباط في الجيش المالي يرون أن في سيطرة الإسلاميين على زمام الأمور في الشمال المالي خطرًا عليهم، وهو حق؛ لأنّ منهجهم قائم على العلمانية وإزاحة الدين عن حياة الشعب المالي، رغم أن الإسلام هو دين أغلبية الشعب..

حيث يشكل المسلمون حاليًّا نحو 90% من سكان مالي، التي تعتبر أكبر دولة في غرب إفريقيا، بينما لا تزيد نسبة المسيحية باختلاف طوائفها عن نسبة 5 % من الشعب المالي، ويدين بديانات أخرى بقية الشعب البالغ نسبتهم 5 %.

وتزامنًا مع هذا الانقلاب أعلنت عدة جماعات إسلامية استقلال منطقة أزواد (الشمال المالي) عن دولة مالي؛ خوفًا على الهوية الإسلامية لسكان هذه المنطقة، وحتى يُسمح لهم بتطبيق الشريعة الإسلامية والتحاكم إليها؛ لذلك أكدت حركة "أنصار الدين" التي تسيطر على مدينة تمبكتو في شمال مالي آنذاك أنها تخوض حربًا من أجل الإسلام في مالي، وأنها ضد أي ثورة لن تندلع باسم الإسلام.

وقال عمر هاماهاي القائد العسكري للحركة في شريط فيديو صوّره هواة: "إن حربنا حرب مقدسة، إنها حرب قانونية.. نحن ضد عمليات التمرُّد، نحن ضد الاستقلالات، ونحن ضد جميع الثورات التي لم تنشب باسم الإسلام، جئنا لنمارس الإسلام باسم الله"، وأضاف: "ما نريد نحن ليس أزواد".

إذن فما يحصل في مالي هذه الأيام من قِبل الإسلاميين في الشمال ليس تمردًا على الدولة، ولا طمعًا في الانفصال -لمجرد الانفصال- وإنما هو تمرُّد على التمرد العلماني، وطلبًا لحكم الشريعة وتحكيمها في حياة شعب مالي المسلم.

لأجل هذا حملت دول غربية -وعلى رأسهم فرنسا- على عاتقها محاربة هؤلاء المجاهدين وكبح جماحهم؛ خوفًا من بزوغ فجر جديد لدولة إسلامية وليدة تتحاكم إلى شرع الله؛ وحتى لا يتم "تصدير" هذه الفكرة إلى غيرها من البلدان المنابذة لحكم الشريعة.

من ناحية أخرى كشف المتحدث باسم حركة أنصار الدين المالية المعارضة، سنده ولد بوعمامة، عن سر الحملة العسكرية الفرنسية في مالي، وحذّر من أن التدخل العسكري الفرنسي في مالي يستهدف بالدرجة الأولى الجزائر، داعيًا الجزائريين للوقوف إلى جانب الحركة.

وقال ولد بوعمامة، في حوار مع صحيفة (الشروق) الجزائرية: "إنه مشروع فرنسي لإعادة مكانة فرنسا في المنطقة التي حظيت بها خلال ستينيات القرن الماضي؛ ففرنسا أرادت هذه الحرب وخططت لها منذ سنوات، وهي الآن تنفذها، حيث الصراع يعود إلى سنوات، بل إلى عقود من الزمن".

والذي يدعو للعجب في هذا الأمر هو التحرك الفوري الذي شرعت فيه دول الغرب وبعض الدول الإسلامية للتدخل لوأد الحركات الإسلامية في شمال مالي، في الوقت الذي يعاني فيه الشعب السوري الويلات بفعل بشار وعشيرته من قتلة الشيعة!!

ألم يكن حريًّا بهؤلاء السعي لوقف آلة القتل التي تعمل في أهل سوريا ليل نهار حتى أتت على أكثر من ثلاثين ألفًا منهم، أم أن قرارات مجلس الأمن والمجموعات الاقتصادية والاتحادات الدولية لا تصبّ إلا في مصلحة الغرب، ولا تعرف للمسلمين سبيلاً إلا سبيل التآمر عليهم والنيل منهم؟!

فقد بدأت فرنسا منذ صباح يوم الجمعة الماضي (11/1/ 2013م) التدخل العسكري شمال مالي؛ لمطاردة الجماعات الإسلامية التي تسيطر على تلك المنطقة، وعلى رأسها جماعة أنصار الدين، كما أعلنت المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكواس) أنها تنوي إرسال مقاتلين إلى مالي؛ لمساعدة الحكومة في وقف مدّ الإسلاميين.

وبناء على هذه الهجمة أكد علماء الدين المسلمون في إقليم أزواد، باستحلال دماء وأموال كل من يتدخل عسكريًّا في البلاد ومن يتعاون معه، وقال العلماء في اجتماع دعت إليه جماعة "أنصار الدين" الإسلامية المسلحة في مدينة آرياو الشمالية: إن "كل من تعاون مع قوات أجنبية في حملتهم على الإسلام هو مستحلّ الدم والمال"، حسبما ذكر موقع "الحدث الأزوادي".

جدير بالذكر بيان أن منطقة أزواد تضم ثلاث ولايات وهي (تنبكت، غاو، كيدال)، ويصل عدد سكان المنطقة لقرابة المليوني نسمة، حيث تسكن المنطقة مجموعات الطوارق الذين يتحدثون لغة معروفة بـ"تاماشيق"، إضافة لأقليات من البدو الرُّحّل بينهم المتحدثون بالحسانية من العرب، وهي أقرب اللهجات للعربية المستخدمة في شمال إفريقيا، إضافة لبعض قبائل الصنغاي الإفريقية وبعض قبائل الفلات..

وهذه المنطقة منذ دخلها الإسلام لم تعرف ديانة أخرى غيره، وأهلها يغلب عليهم طابع الالتزام بالأحكام الشرعية، والحب الشديد للإسلام، والتضحية في سبيل الدفاع عنه.


اترك تعليق