وحدة مصير‏!‏ (سلمان بن فهد العودة)

By : أ. د. يوسف القرضاوي

أن يختار الشعب المصري طريق الثورة أو يختار رئيسه أو دستوره فهذا حقه‏، وحين يقدم المصري إلى الخليج أو ليبيا أو العراق فهو يمنح خبرته وعرقه مقابل المال الذي يأخذه‏.‏

لم تعد العلاقة بين شعبين تُبنى على أساس شخص يتربع على القمة، أو ترتبط بغيابه أو تخضع لقراره الفردي، لن تفهم تاريخ العلاقات العربية في حقبة خلت إلا وفق التقلبات المزاجية أو الأطماع التوسعية أو المصالح الانتهازية (الناصرية والساداتية والمباركية)، وأحيانًا علاقات برائحة التحديات والمخاوف العسكرية (حرب الخليج الأولى والثانية)، أين الرؤية الإستراتيجية التي توحد مصير الشعوب؟ التاريخ والجغرافيا والثقافة.. ثالوث يصيح بنا فلماذا الصدود؟ البحر الأحمر يفتح إحدى ضفتيه لأهل مصر والأخرى لأهل الجزيرة، (أبناء بر مصر) لا يوجد عندهم إلا (بر الشام وبر الحجاز).

حاجة مصر للخليج الغني لا تقل عن حاجة الخليج لمصر في الخبرة والعمالة والتدفق السلعي، وقناة السويس شريان حيوي يتدفق عبره الكثير من نفط الخليج إلى العالم، لقد انتهى عصر الضجيج السياسي وحان وقت البناء والتنمية، ومصر أكبر من ألا نهتم بها، في الميدان قوى عالمية وإقليمية تراهن على صياغة جديدة للمنطقة، ومصر هي عمود التوازن للأمن العربي والإسلامي، هل يستدعي الأمر أن تفتح مصر ذراعيها للمسئوليين الإيرانيين وتضاعف عدد الرحلات الجوية وحجم التبادل التجاري وتضع لجنة تنسيق عليا لنصحو على أهمية المجال العربي لمصر؟

مصر تمثل قلب النظام العربي وخسارتها ليست كأي خسارة، وثورة مصر سلمية شعبية لم تستخدم العنف مع نفسها ولا مع الآخرين، كانت موجهه ضد الفساد، وافتعال الخصومة مع الثورة يضر بمستقبل العلاقة، والمخاوف والآمال المشتركة تحتاج إلى مكاشفة وصراحة، أما بناء العلاقة على أساس الظنون والانطباعات السلبية أو عدم التكيف مع المتغيرات فليس من الحكمة، والحساسية المحلية ضد أي تغييرات سياسية أو تطورات اجتماعية وكأنّها على حسابنا تجعلنا نفيق على طوق عزلة يخنقنا.

اعتقاد أنّ مصر هي الإخوان خطأ، واعتقاد أنّ تجربة الإخوان محدودة وأيامها معدودة هو رهان غير مضمون، وقد يحدث هذا وقد يحققون قدرًا من النجاح، ويشكلون جزءًا من التكوين السياسي والاجتماعي في المنطقة، وهم موجودون قبل الثورة وسيظلون بعد الدولة، وسيتعلمون أنّ ممارسة السياسة تختلف عن الكلام حولها، وقد استوعب الخليج آلافًا منهم وجدوا فيه ملاذًا آمنًا من قسوة الناصرية، ولم تستطع أي قوة أن تمنع الخليج من التأثر أو التأثير بمصر، فلماذا تشيح العيون الخليجية المنقبة عن رؤية وجه القاهرة ذي الشعيرات الهادئة والقسمات الخاشعة؟ هل من ضير في نموذج آخر مختلف عربي وإسلامي؟

إنّ مصر مهتمة ولا بدّ من إطلاق عملية تنمية واسعة تعوض سنوات النهب والفساد، وتحويلات العمالة المصرية نافعة، والاستثمارات في مصر ضرورة، والأهم هو المشروعات التنموية الإقليمية العملاقة وغير المسبوقة والتي يمكن أن تقوم على شكل مدن حديثة صناعية وطبية وتعليمية وسكنية.

والقوى المدنية والثقافية والشعبية أصبحت مؤثرة والشبكات الاجتماعية صنعت عالمًا افتراضيًّا واسعًا كشف عن حجم المشترك الكبير بين مصر وجيرانها، وما (الهشتاقات) التي أطلقها خليجيون للإشادة بأسماء مصرية أو العكس إلا طرف من النبض الصادق الذي تضيع في دفقاته أصوات المحرضين والساعين لإشعال الفتنة، والجسر الثقافي يردم الهوة بين الشعبين وبإزائه مطالب بجسر آخر يجعل المسافة بين مصر والسعودية أقل من خمسين كيلاً.. يا مصر إنّ حبال الله تجمعنا.. فهل يقربنا خيط من البشر؟

العلاقة تاريخية تراكمية ويجب أن تتحول إلى فعل مؤسسي يتجاوز الجانب السلبي ونقاط التماس إلى أفق المستقبل البناء الرشيد.


اترك تعليق