عينا طفل سوريا تجلدنا

By : محمد خالد الفجر

أيُّها الطِّفلُ السُّوريُّ أرجوكَ لا تنظرْ إلى كاميرا واحتجِبْ عن المصوِّرين فعيناكَ ترسمُ لنا صِغَرِ حجمِنا ونتذوّقُ فيها مرارةَ ذلّنا.

أيُّها الطِّفلُ السُّوريُّ عذرًا.. إن قلتُ لك: يا سويداءَ القلبْ... لطَمَني تأنيبُ الضَّميرِ وإن ناديتُكَ بدموعي أجابتني معدتُكَ الجائعةُ وجسمُكَ الباردُ النَّحيلُ، وإنْ قلتُ لك: أنتَ مثل ابني كذَّبَني سكنُك في كهفٍ ودفءُ ابني في بيته.

ماذا أروي لك وماذا أفعلُ معك، فأصواتٌ كثيرةٌ انتحبَتْ وتنتحِبُ عليكَ وكاميرات أعجبتها روايةُ حالك، لكنْ تبقَى أنتَ وحيدًا ترتَجِفُ أضلاعُكَ وتزداد نحولاً مع سماع صوتِ الانفجاراتِ التي تخطُفُ ألعابَك وأحبابَك، وتجعلك تعاني مثلَ الكبار بل تفوقُهم لأنّك تجمعُ جُرحَين: وداعَ جمالِ الطُّفولةِ وتَحمُّلِ معاناةِ الرُّجولة. حبيبي لو كانتِ الأسطرُ تُشبِعُكَ والكلماتُ تدفِّئكَ لكتبتُ وسطَّرْت سُطورًا لاتنتهي. حبيبي حتى كتاباتُنا هي للترويح عنَّا لا لإجابة أصواتُكَ ولا لإعادة الهدوء إلى عينيك اللتين تنكسر أمام نحيبهما الكلماتُ والإنسانية.

ماذا أروي لك وكيف أزرع في قلبِكَ قلبَ غيرك؟ وما زادَ حزنُنا أنّ وجهك ملامحُهُ الحزينةُ تزيدُ معاني الحزنِ حزنًا وتُبكي كلماتِ الأدباءِ ويصبحُ الحبرُ وهو يصوِّرهما ممزوجًا بمرارة الدَّمع.

حركاتُ عينيكَ القلقةُ من كلِّ مجهولٍ تسوِّدُ كلَّ جمالٍ كنَّا نراه في الدنيا، ماذا تُراكَ تقول في ليلك هل ترنو إلى نومةٍ أبديةٍ تفارقُ فيها هذا العالم الجائر، ما هي أحلامُك وتطلعاتُكَ، هل تزولُ صورُ الصَّباحِ من عينيك أم أنَّ الجراح جاثمةٌ في قلبك الصغير صباحَ مساء، في اليقظةِ وفي المنام.

أعرفُ حبيبي أنَّك تخيَّلْتَ أباك لا يُقهر فتحطَّم كلُّ معنىً للحياة وأنتَ تراهُ أمامك يمزَّقُ كبرياؤه وتُهانُ كرامتُه أعرفُ أنَّ هذه الصُّورَ لا تَمحُها أيامٌ ولا سنواتٌ. هنا حبيبي تعجز الإنسانيةُ عن علاجِ انكسارِكَ، فلابدَّ من فتحِ بابٍ إلى السماء يأتيك من قِبِلِه يقينٌ يحبِّبُ إليك اللقاءَ مع أحبةٍ فارقوكَ ويعدُكَ بنعيمٍ دائمٍ لا يُوزَنُ بموازين الدُّنيا التي أثبَتت تطفيفُها للباطل.

نعم حبيبي لا ملجأَ لك إلا بنداءٍ للسماء حينَها تُفتح الأبوابُ لك لتُلاقي عالمـًا للعدلِ يذكِّر بلحظةٍ يُنَادى فيها{لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ} [غافر: 17].


اترك تعليق