المآلات في الكتاب والسنة 2/2

By : سلمان بن فهد العودة

من الدلائل الشرعية على تأكيد اعتبار المآلات ومراعاتها للفرد والجماعة ما جاء في حديث: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ واستعن بِاللَّه ولا تعجز وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عمل الشَّيْطَان» رَوَاهُ مُسلم.

ولذلك كره من الفقهاء من كره إطلاق (لَوْ) إذا تعلَّقت بالماضي؛ لأنها تفتح عمل الشيطان؛ من الندم والتضجّر والتسخّط، أما إذا تعلَّقت بالحاضر أو المستقبل فلا تكره، وكذا إذا كانت على سبيل بيان ما هو الأفضل في مثل تلك الحال، كما في حديث: «لَوْ أَنِّى اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْىَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْىٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً» (رواه البخارى، ومسلم عن جابر)، وحديث: «يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ - أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ - لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا..» (رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس)، ومثلها كثير.

فنهى عن الفعل أو القول حيث كان مآله وناتجه غير محمود، وأذن فيه حين لا يكون كذلك.

وفيه إلماح إلى أن المكلف قد يبدو له من النتائج والآثار خلاف الذي كان يظن.

ومنها أدلة سد الذرائع التي يسوقها الأصوليون وهي كثيرة معروفة.

ومنها أدلة رفع الحرج والتوسعة في الشريعة وهي كذلك.

وعليها عمل الأئمة والمجتهدين، كما يشير الشاطبي بقوله: (الأدلة الشرعية والاستقرار التام أن المآلات معتبرة في أصل المشروعية).

واجتهادات الخلفاء والأئمة المدونة في التراث الفقهي والأصولي هي سند قوي لهذه القاعدة؛ كما في تقرير أصول المصالح المرسلة، والاستحسان، والعرف، وعمل أهل المدينة، ومراعاة المقاصد، وهذا أحد أسباب اختلاف الأئمة في مسائل منصوصة وتعبديّة فضلاً عن غيرها.

كما هو أحد أسباب تفاوت الاجتهاد عند الإمام الواحد؛ كما لدى الشافعي، أو في المذهب الواحد؛ كما لدى الحنفيَّة.

ومما يُعزز أهمية هذا النظر في الشريعة أن الأحكام جاءت متدرِّجة ولم تنزل دفعة واحدة؛ كما في مسألة تحريم الخمر، ومسألة كفّ اليد، ثم الإذن بالدفاع، ثم الأمر بالجهاد، ومسائل معاملة المخالفين عامة كأهل الكتاب والمشركين والمنافقين والأحوال التي مرت بها في التطبيق النبوي حيث لم تكن على صفة واحدة، بل تفاوتت ما بين مكة والمدينة، وفي المدينة ما بين أول العهد وآخره، مما لا يعد نسخاً للحكم ولكنه تنويع بحسب المتغيرات ومستجدات الأحول .. حسب تفصيله، ومسألة التدرُّج في دعوة المستجدين؛ كما في قصة معاذ بن جبل في الصحيحين: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» (أخرجه البخاري ومسلم).

فإن الواقع الذي مرت به الفترة النبوية عبر 23 سنة هو أمر يتكرر في المعهود البشري، والتدرُّج مؤذن بأن على الفقيه أو الداعية أن يراعي الاعتبار الذي أراده رب العالمين من تنزيل القرآن منجَّماً، كما قال سبحانه: {وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} (سورة الإسراء 106)، فالمكث لا يعني مجرد منح الفرصة للحفظ والاستظهار، بل يعني نزوله منجَّماً بحسب الوقائع والأحوال والمتغيرات، ما بين القوة والضعف، والكثرة والقلة، والغنى والفقر، والاجتماع والتفرُّق، والأمن والخوف..

ومما يُعزز ذلك أن أكثر الأحكام المقصودة هي أحكام كليَّة عامة تتسع للعديد من النماذج والتطبيقات؛ لأن الأمر فيها غير محدد ولا هو تعبدي محض، بل هو متروك للخبرة والمحاولة، كمسألة الشورى وطريقة إمضائها وإنفاذها ومدى الاستفادة من التجارب الإنسانية، ومن التطور الإداري في إعمالها.

العديد من هذه الأحكام -وهي غالباً في مجال الحياة الإنسانية، والعادات والمصالح العامة- قد يجرى على أكثر من وجه؛ فيكون واجباً تارة، ومستحباً أخرى، ومكروهاً أو محرَّماً في حالات؛ وهو ما يقول الفقهاء إنه تجري فيه الأحكام الخمسة أو بعضها، وفي هذا يقول الشاطبي: "إنا وجدنا الشارع قاصداً لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معه حيثما دار، فنرى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز".

وذلك بحسب طروء العوارض والملابسات الظرفية، ولا بأس من اعتبار الخلاف الفقهي في المسالة نوعاً من التخيير، فكلها اجتهادات تنبثق من الشريعة، ومرجعها الكتاب والسنة، وقد يترجَّح في عصر وظرف ما لم يكن راجحاً في غيره؛ إما لتطور المعرفة الإنسانية والفتوح الهائلة فيها، أو لعموم البلوى بأوضاع لا مخلص منها، أو لظهور المصلحة ورجحانها أو بغير ذلك من العوامل المؤثرة، وأمثلة ذلك كثيرة.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى وآله وصحبه أجمعين.


اترك تعليق