سورية في سباق الثوار والسياسيين

By : نبيل شبيب

سورية في سباق الثوار والسياسيين 
سفينة الثورة أمام المرسى دون قبطان؟..  

 

لم يبق إلاّ القليل وتحقق الثورة انتصارها الأوّل، فكل يوم يمرّ يعطي مزيدا من الأدلّة أنّ بقايا العصابات المتسلّطة الآثمة ساقطة، وكلّ جريمة همجية ترتكبها تعزّز اليقين أنّ جزاءها في الدرك الأسفل من سجلّ التاريخ ومن نار جهنّم مثوى المتكبّرين، وكلّ مناورة باسم السياسة، وزيارة مخجلة باسم الديبلوماسية، ومؤتمر يحار أصحابه في عنوانه وغايته وفقرات بيانه الختامي، يؤكّد -أيّاً كانت الحصيلة- أنّ القوم يبحثون عمّا بعد السقوط المنتظر، ويتسابقون على الإعداد له،  وكل طرف يطمع في أن يكون أقرب إلى تحقيق مطامعه في السباق!..


سفينة الثورة الشعبية البطولية التاريخية التي قهرت بقوافل الشهداء والضحايا أمواج الإجرام الهمجي اقتربت من المرسى، فهل هو مرسى برّ الأمان؟.. وأين القبطان القادر على أن ينشر الثقة به وبقدرته على أن يصل بسورية وشعبها إلى برّ الأمان.. رغم إرهاب المتسلّطين، ومناورات السياسيين، الأقربين والأبعدين؟..

. . .

لم يبق إلا القليل.. والثمن كبير
شهداء وآلام ودمار، فالعصابات الإرهابية المتسلّطة متشبثة بنهجها الذي نشأت عليه، ولن تستسلم إلا راغمة تحت أقدام إرادة شعب ارتبطت بإرادة الله فهي لا تُقهر، وتحت وابل نيران جيش حرّ أدرك ضباطه وجنوده والمتطوّعون في صفوفه أنّ المعركة المفروضة عليهم معركة بقاء أو فناء، وستستمرّ حتى تفنى العصابات التي فرضتها، فلا بدّ من مواصلة العمليات البطولية، مع رصّ الصفوف وتنقيتها من كل شائبة رغم قسوة الظروف.

. . .

لم يبق إلا القليل.. والمناورات مستمرة
مؤتمر دولي في جنيف ونزاع دولي علني وسيل من "العطاءات" الإعلامية بلا نهاية حول ما قرّره مؤتمر جنيف..
مبادرة عربية دولية كالمومياء المحنّطة يصرّ وكيلها على التلهّي بها في بئر عميق لا قرار له من المحادثات والجولات والتصريحات العبثية..
مؤتمر آخر باسم صداقة الشعب الثائر، على مأدبة البيانات والتصريحات والخطب، دون أن تمنع إزهاق روح بريئة واحدة أو تواسي قلبا واحدا من القلوب المكلومة على أرض الثورة البطولية..
مشاهد لا يمكن أن تبرّئ المشاركين في صناعتها من المشاركة في المسؤولية عن استمرار المأساة، ولا يمكن أن تمرّر ما تستهدفه مسرحية أخرى من المسرحيات الاستعراضية لممثلين يخرجون من وسط الطغمة المتسلّطة لتطرح أسماؤهم من أجل تركيبة دولية أخرى، يتوهّم مخرجوها أنّ الشعب الثائر سيمضي هكذا دون تفكير وراء الطعم المسمّم فيما يصنعون، ويلعق جراحه بين يدي من شارك في توجيه الطعنات الآثمة، ويسلّم أجساد الشهداء لمن شاركوا في اغتيال من كانوا يشيعون من سبقهم على درب الشهادة..

. . .

لم يبق إلا القليل.. والتغريد خارج سرب الثورة متواصل
هنا مؤتمر "معارضة" برعاية عربية ومشاركة دولية وبحصيلة هزيلة ملغومة، رغم الجهود الكبرى التي بذلها المخلصون وسط ضغوط هائلة من مختلف الاتجاهات..
وهناك خطة أخرى بعد خطة سابقة ليصلح المجلس الوطني السوري نفسه، وقد تبعثرت بنود خطته الجديدة ما بين نصوص لا تجدي، وأخرى لا تقبل..
وهنالك مزيد من التصريحات البريئة عن الثورة العظيمة وأهدافها، لتتخذ مكانا ما بين تصريحات مخادعة أخرى تؤكّد استمرار التعويل على التفاهم مع قوى دولية معادية علنا وأخرى مراوغة علنا..

. . .

لم يبق إلا القليل.. ولم يبق إلاّ الثوار وثبات الثوار وعزيمة الثوار، وتمسّك الثوار بما تستحيل المساومة عليه:
هذه ثورة شعبية بطولية تاريخية اندلعت لتنتصر، ولا تنتصر إلاّ بأن يتحقق تحرير إرادة الشعب الثائر تحريرا كاملا ناجزا، دون تسلّط من أي طرف أو حزب أو جماعة، ودون وصاية خارجية بأي شكل من الأشكال السياسية والاقتصادية والعسكرية، ودون التفريط بثوابت السيادة الوطنية والوحدة الجغرافية والشعبية، وترسيخ المساواة في الحقوق والواجبات والحريات، بين سائر المواطنين أفرادا وسائر مكوّنات الشعب الثائر على تعدّد العناوين والمسمّيات.

. . .

الثوار على سفينة الثورة يرون المرسى قريبا، وسيصلون بإذن الله إليه..
من قلب الثورة وبطولاتها في مواجهة الأمواج العاتية يصنع الثوار قبطان سفينة الثورة وطاقم النجاة حتى تستقرّ على برّ الأمان..
من قلب أعراس الشهادة ومن يحمون قوافل المشيّعين يظهر القبطان في كل حيّ من الأحياء الثائرة لضمان الأمن وحماية المدنيين من بقايا الآثمين ساعة سقوط العصابات الآثمة..
من قلب كتائب الأبطال القادرين على مواصلة الدفاع عن الوطن وسط الدمار والتشريد والقصف والحصار تصنع المعاناة القبطان في كل بلدة ثائرة، صغيرة وكبيرة، لضمان لقمة الغذاء وشربة الماء وحبّة الدواء وضماد الجراح..
من قلب أولئك الذين استطاعوا اختراق جدران السجن الكبير بما نشروه من أخبار وصور ومارسوه من تنسيق وتعاون واختلفوا عليه أو اتفقوا من وسائل مبدعة في مواصلة الثورة حتى النصر، يظهر القبطان القادر على مواصلة الإبداع للتغلّب على آخر الأمواج الحافلة بالمخاطر ساعة سقوط الآثمين مع همجيّتهم غير المسبوقة في تاريخ البشرية.. كلّه.

. . .

ليست القيادة بضاعة تشترى وتباع في أسواق التجارة المالية وإن حملت عناوين إغاثة الملهوفين وعون المقاتلين، ولا الزعامة سلعة من سلع الأسواق السياسية الدولية وإن لبست ثياب المفاوضين البارعين واحتلت الصدارة على مقاعد وثيرة تحت الأضواء الإعلامية الساطعة..
الثائرون يصنعون قياداتهم الميدانية بأنفسهم من قلب الشعب الذي أنجب الأبطال.. وينجب القادة، في هذه اللحظة التاريخية المفصلية المشهودة.
من أراد أن يخرج بنفسه من خضمّ مناورات المناورين وعبث مسرحيات الممثلين، فليعلم أنّه لن يخرج إلا إذا وجد لنفسه مكانا "خلف" الثائرين أو بين صفوف الثائرين..
ومن أراد أن يتقدّم الصفوف بزعامة سياسية فليعلم أنّ هذا رهن بمواجهة المخاطر، السياسية أيضا، وليس بالمناورة حولها لتصيب المخاطر من يريد أن يقودهم من الثائرين..
من أراد أن يطرح طاقاته وخبراته و"مواهبه" في مواقع القيادة في لحظات التغيير المفصلية التاريخية، فليعلم أنّ القيادات التي تظهر أثناء المحنة، لا يصنعها تاريخها القديم ما لم يقترن بتلك اللحظات الزمنية الفاصلة التي يعيشها وتظهر استقامته وثباته خلالها وهو في قلب المحنة..

. . .

ثورة سورية.. وشعب سورية.. ووصايا شهداء سورية.. وأعين الأيتام والأرامل والمعذبين والمشردين والمعتقلين والمروّعين في سورية.. في حاجة إلى القيادات المخلصة الصادقة الثابتة على سفينة الثورة في آخر مرحلة من مراحل قهرها للأمواج العاتية حتى تصل إلى برّ الأمان.
لن يتحقق ذلك أثناء الثورة، عن طريق أساليب ووسائل اعتيادية.. معتبرة ولكن في الأحوال الاعتيادية.
لن تصنع القيادة تسميات وتعيينات وانتخابات وتوافق محلي أو إقليمي أو دولي.. فبعض ذلك يصلح بعد انتصار الثورة وبعضه لا يصلح قبل الثورة ولا بعدها.
لا بدّ أن يبرز المخلصون بإخلاصهم الذي يتجلّى تلقائيا دون مناورات، والصادقون بصدقهم الذي يثبت نفسه بنفسه في الشدائد، والعاملون بعملهم الذي يظهر على الأرض وليس بالكلام، والخبراء بخبرتهم التي يعطونها دون منّ ولا استعلاء، والتجار بتضحياتهم المادية ورجال الأعمال بعطاءاتهم المالية وهم يعلمون علم اليقين أنّ ثرواتهم جميعا لا تساوي قطرة دم شهيد واحد على ثرى الوطن ولا أنّة ألم طفل واحد في المعتقل ولا دمعة صبية واحدة افترس عفّتها همجيون لا ينتمون إلى جنس الإنسان..
وكذلك أهل السياسة لن يصبحوا "زعماء وقادة" إلاّ عندما يدركون أنّ فنّ السياسة لا يتقنونه بالخضوع للضغوط بل بالتغلّب على الضغوط، فيمارسون ذلك على أرض الواقع، ولا يرتقون بسياساتهم وممارساتهم على سلّم الشهرة الإعلامية بل على سلّم الإنجازات التاريخية.
سفينة ثورة سورية أمام مرسى انتصارها الأول بإسقاط عصابات النظام، فأين القبطان الذي يدرك أنّ الشعب الثائر لا يريد من "يرث مواقع عصابات النظام" بأسماء جديدة ووعود جديدة.. بل يريد من يضع نفسه في خدمة الثورة ومشروعيّتها والوطن وشعبه والأمة ومستقبلها.
الشعب يريد القبطان، القادر على العمل مع ألف قبطان وقبطان على طريق النصر والبناء، وليس القبطان الذي يحسب أن قيادته رهن بظهوره وحده في موقع القيادة.. زعيما أوحدا.


اترك تعليق