أمة خالدة

By : يوسف القرضاوي

من خصائص هذه الأمة: أنها أمة خالدة، بخلود رسالتها وكتابها، فهي باقية ما بقي الليل والنهار، دائمة ما دام في الدنيا قرآن يتلى، وإذا كان القرآن محفوظاً بحفظ الله، فأمة القرآن باقية ببقاء القرآن.

وقد تكفل الله تعالى لرسوله الكريم ألا يهلك أمته بما أهلك به أمماً من قبلها، بالعقوبات القدرية، والنوازل الكونية، كالطوفان والخسف والمسخ والريح الصرصر، وغير ذلك.

وتكفل له كذلك ألا يسلط عليها عدواً من غيرها، يستأصل شأفتها، ويقتلعها من جذورها، إلا أن يهلك بعضها بعضاً، ويذوق بعضهم بأس بعض.

وكما تكفل الله لرسوله أن يحفظ أمته من الهلاك الحسي بعذاب الاستئصال، تكفل له بحفظها من الهلاك المعنوي بالاجتماع على الضلال، ففي الحديث ( إن الله لم يكن ليجمع أمتي على ضلالة).

وسر ذلك أنها آخر الأمم، كما أن نبيها آخر الأنبياء، وكتابها آخر الكتب، فليس بعد محمد رسول، ولا بعد القرآن كتاب، ولا بعد الإسلام شريعة، ولا بعد أمة الإسلام أمة.

فإذا اجتمعت أمة من الأمم، قبل الإسلام على الضلال لم يكن في ذلك خطر على البشرية، لأنها أمة محدودة المكان موقوتة الزمان، بخلاف الأمة الإسلامية، فلها من عالميتها وخلودها ما يجعلها ممتدة في المكان حتى تعم الشرق والغرب، وممتدة في الزمان حتى قيام الساعة. فلو ضلت كلها لضلت بها البشرية جمعاء، دون أمل في تغيير، إذ ليس معها ولا بعدها من يحمل للناس هداية الله.

ومن ثم كان عمل العناية الإلهية، أن تظل في هذه الأمة فئة تحيا على الحق وتموت عليه، هي بمثابة سفينة الإنقاذ، أو جيش الخلاص، وهي التي تحفظ التوازن وتمسك البناء أن ينهار وفيها جاء الله تعالى:( وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) (الأعراف: 181).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال طائفة من أمتي قائمين على الحق لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).

هذه الطائفة هي منار السارين، ودليل الحائرين، وقوة المستضعفين، وهم الذين يقومون لله بالحجة، ويدعون إلى الله على بصيرة، ويبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله.

وهم "الغرباء" الذين يَصلُحون إذا فسد الناس، ويُصلِحون ما أفسد الناس وهم " الفرقة الناجية " بين الهالكين، المهتدون بين السالكين، الذين يحيون ما كان عليه الرسول وأصحابه. ومن رحمة الله بالناس أن تبقى فيهم مثل هذه الفئة المختارة الموكلة من الله تعالى، تعلّم من يجهل، وتهدي من يضل، وتذكّر من ينسى، فإن الذكرى تنفع المؤمنين (فإن يكفر بها هؤلاء، فقل وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين)(الأنعام: 89).

ورحم الله أحمد شوقي حين قال:

إن الذي خلق الحقيقة علقماً لم يُخلِ من أهل الحقيقة جيلا

ومن دلائل الخلود لهذه الأمة، أن الكوارث والنكبات لا تحطمها و لا تقتلها، بل تبعث فيها روح المقاومة والتحدي، فتراها إذا نزلت بها النوازل القاصمة، أشد ما تكون قوة، وأصلب ما تكون عوداً، حتى إن الناس ليظنون بها الظنون، ويحسبونها في عداد الهلكى، فإذا هي في فترة وجيزة، تتغلب على عوامل الضعف المحيطة بها، بروح القوة المكنونة في داخلها وإذا بالذين يرقبونها من بعيد أو ينظرون إليها من قريب، يرون انتصاراً بعد انكسار، واجتماعاً بعد شتات، وحياة وحركة بعد جمود أشبه بالموات.

1- رأينا ذلك في فجر الإسلام، في حروب الردة وقتال المتمردين على دفع الزكاة.

2- رأيناه في عصور التمزق للدولة الإسلامية، فهي مقاومة غزوات التتار الوحشية، الذين أقبلوا من الشرق كأنهم يأجوج ومأجوج، أو كأنهم الريح العقيم "ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم".

3- وفي مقاومة الحروب الصليبية التي زحفت فيها أوربا على الشرق الإسلامي بقضها وقضيضها وثالوثها وصليبها، فقتلت وحرقت وأفسدت ودمرت، ما يعلمه كل دارس لتلك المرحلة من التاريخ.

ولكن القوة الذاتية الكامنة في أمة الإسلام، لم تلبث أن ظهرت في وقائع تاريخية حاسمة، فحطمت أحلام الصليبيين في حطين . . وفتح "بيت المقدس" بعد أن بات أكثر من تسعين عاماً أسيراً في يد الغزاة، وأسر "لويس التاسع" ملك فرنسا في "دار ابن لقمان" بالمنصورة وارتد التتار مدحورين في "عين جالوت" بعد أن كان الناس يعتبرونهم "القوة التي لا تقهر" حتى شاع بين الناس القول: إذا قيل إن التتار انهزموا فلا تصدق..!

وفي العصر الحديث، رأينا الجهاد البطولي، ضد الغزاة المستعمرين، في سائر ديار الإسلام، جهاد الأمير عبد القادر الجزائري ضد الفرنسيين، والأمير عبد الكريم الخطابي ضد الأسبان، والبطل عمر المختار ضد الطليان، والشيخ عز الدين القسام ضد الإنجليز واليهود، مروراً بثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، ومعارك فلسطين ضد الصهاينة، والقناة ضد الإنجليز.

ـــــــ

- عن كتاب "من أجل صحوة راشدة تجدد الدين وتنهض بالدنيا" للشيخ القرضاوي


اترك تعليق