اعرف غايتك

By : يوسف القرضاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتَّبع هداه.


(وبعد)


صلاح النفوس أساس كلِّ شيء:

حديثنا عن تزكية الأنفس، عن تزكية هذه المضغة التي "إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب"[1].


الإنسان برُوحه وليس بجسده:


الإنسان ليس هو هذا الهيكل، من اللحم والدَّمِ والعظم والأعصاب والأجهزة والخلايا، هذه تُوجد عند الحيوانات، كما توجد عند الإنسان، إنَّما الإنسان هو ذلك الشيء، هو ذلك الجوهر الرُّوحاني، الذي به تميَّز وصار به إنسانًا، والَّذي من أجله أسجد الله له الملائكة تكريمًا وتشريفًا، {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر:29].


من أجل ذلك يُعنى الإسلام كلَّ العناية بإصلاح هذه المُضغة، وهذا الجوهر، وهذا السَّاكن في هذا الغلاف الظَّاهري: القلب، النفس، الفؤاد، العقل. سمِّه ما شئتَ أن تُسمِّه، فعليه مدار صلاح الإنسان أو فساده، مدار حياة الإنسان أو موته.


{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام:122].


القلب السليم سبيل النجاة:

الحياة والموت هنا حياة القلوب وموتها، وإنَّما ينجو الإنسان في الآخرة بهذا القلب، إذا كان قلبًا سليمًا، وقلبًا منيبًا، استحقَّ أن يفوز بالجنة، وينجوَ من النار.

{فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران:185].


سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما دعا ربَّه قال: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:87-89].


قلب سليم من الشِّرك، قلب سليم من النِّفاق، قلب سليم من الرَّذائل، القلب السليم هو الذي ينجو من النَّار، والقلب المنيب هو الجدير بأن يدخل الجنَّة: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} [ق:31، 34]، ومن هنا كانت عنايتنا بهذه التزكية.


العلم والمعرفة أول محطة في طريق التزكية:


وذكرنا فيما ذكرنا أنَّ أوَّل محطَّة في هذا الطَّريق، الطَّريق إلى الله، الطَّريق إلى الجنة، الطَّريق إلى الرِّضوان، الطَّريق إلى التزكية، أول محطَّة هي: محطَّة العلم والمعرفة.


أول ما يجب عليك: أن تتفقَّه في دينك، وفي الحديث: "مَن يُرد الله به خيرًا يُفقِّهه في الدِّين"[2].


وفي القرآن الكريم: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة:122].


العلم يحفظ العبد من الضَّلال في دينه:


لأنَّك إذا لم تتفقَّه في دينك، إذا لم تكن في أمر دينك على بيِّنة، فربَّما شرَّقت وأنت تريد الغرب، أو غرَّبت وأنت تُريد الشَّرق، ربَّما عمِلت العمل تظنُّه عبادة وهو بدعة، تظُنُّه حلالاً وهو حرام، تظنُّه حقًّا وهو باطل. لا بدَّ من العلم ليُعرِّفك هذا كلَّه، وتكون على بيِّنة من ربِّك، لا بدَّ أن تكون على بيِّنة من ربِّك، {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف:108].


هذا ما يريده الإسلام: أن تبدأ بالعلم أوَّلاً، حتى لا تضلَّ وأنت لا تدري: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [فاطر:8].


{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:103، 104].


العلم مطلوبٌ قبل العمل:


قال الحسن البصري: اطلبوا العلم طلبًا لا يضرُّ بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبًا لا يضرُّ بالعلم، فإنَّ قومًا طلبوا العبادة قبل أن يطلبوا العلم، فخرجوا بأسيافهم على أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم، ولو طلبوا العلم لدلَّهم على غير ما فعلوا، طلب العبادة بغير علم يُفسِد أكثرَ مما يصلح[3].


يريد بهؤلاء الذين خرجوا بأسيافهم على أمَّة محمد صلى الله عليه وسلَّم الخوارج، وقد كانوا قومًا صُوَّامًا قُوَّامًا عُبَّادًا قُرَّاءً للقرآن، ولكن آفتهم في فقههم، لم يُحسنوا الفقه للإسلام، لم يُحسنوا فَهم القرآن، كانوا يقرؤون ولا يتجاوز القرآن حناجرهم، يتلونه بالحناجر، ولم يدخل في أعماق العقول والقلوب، ولهذا فعلوا ما فعلوا.


"يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة"[4].


وجوب تحديد مصدر المعرفة:


أول ما يجب عليك: أن تتحدِّد مصادر معرفتك، من أين تأخذ دينك، قال السلف رضي الله عنهم: إنَّ هذا العلم دِينٌ، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم[5].


يقولون هذا لطلاَّب الحديث، انظر عمَّن تأخذ دينك، لا تكن كحاطب الليل، يحمل الحُزمة من الحطب، وفيها أفعى، وفيها ثعبان، وهو لا يدري. لا، ميِّز عمَّن تأخذ دينك، هناك أناسٌ يأخذون أحاديث موضوعة، وأحاديث واهية ومنكرة، وأحاديث لا أصل لها، لا زمام لها ولا خُطام، يبنون عليها سلوكهم وتصرُّفاتهم، ويؤسِّسون عليها عَلاقاتهم، وهي لا تستحقُّ شيئا من هذا.


هناك أناسٌ يفهمون القرآن فَهمًا معوجًّا، يقيمون عليه حياتهم، ولم يأخذوا ذلك عن الثِّقات. لا بدَّ إذًا أن تتحدِّد مصدرك.


انحراف الصُّوفيَّة في مصادر معرفتهم:


بعض الصوفيَّة المنحرفين قالوا: نأخذُ عن قلوبنا، لا نأخذ عن العلماء. ولذلك يقول بعضهم: حدَّثني قلبي عن ربِّي. قلبه عن ربِّه، هذا مرفوض، لا بدَّ لنا من واسطةٍ في التلقي.


العصمة في اتباع الرُّسل:


لماذا أرسل الله رُسله مبشِّرين ومنذرين؟ لماذا ألزم الناس أن يتَّبعوهم؟ لأنَّ العصمة في اتباعهم.


كان شيخ الصُّوفية والمربِّين الجنيد يقول: مَن لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يُقتدَى به في هذا الأمر، لأن علمنا هذا مقيَّد بالكتاب والسنة[6].


ويقول: الطرق كلُّها مسدودة على الخلق إلا على مَن اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم[7].


لا بُدَّ أن تأخذ من القرآن ومن الحديث، ولا تكن من أولئك الذين يُحكِّمون أذواقهم ومواجيدهم، فكثيرًا ما تؤدِّي إلى الضلال، لا بدَّ من معرفة الحقِّ من الباطل، ومعرفة الحسن من القبيح، ومعرفة الخير من الشَّر، ومعرفة الهدى من الضَّلال، ومعرفة الحلال من الحرام.


وهذا لن يكون إلاَّ إذا أخذنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7]، {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80].


الشهادتان تتضمنان مصدر المعرفة:


ولذلك تلخَّص الإسلام في كلمتين، حوتهما كلمة الإخلاص، كلمة التوحيد، كلمة الشهادة، حوتهما تلك الكلمة، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله.


أشهد أن لا إله إلا الله: تعرِّفك مَن المعبود، مَن الذي يستحقُّ العبادة، هو الله الخالق الرَّازق المحيي المميت المدبِّر للأمر.


وعمَّن تأخذ العبادة له، كيف تعبده، كيف تُرضيه، كيف تسك الطَّريق الذي يُرضيه؟ عن طريق رسوله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلك الشهادة تلازم الأخرى وتكمِّلها.

الفلاسفة يخترقون العقل المسلم:

أول ما ينبغي على الإنسان: أن يُحدِّد المصدر الذي يأخذ عنه، هناك طوال التاريخ أناسٌ يحاولون أن يخترقوا هذا الجدار الحاجز، أن يدخلوا إلى عقل المسلم ويضلُّوه عن سبيل الله، وفي كلِّ عصر هناك أدعياء، هناك مَن يريد أن يأخذ الإنسان عن طريق العقل أو الفلسفة.


ظهر فلاسفة في الحياة الإسلامية، وفي الحضارة الإسلامية، أخذوا أفكارهم من الحضارة الغربيَّة، أو من الفلسفة الغربيَّة، فلسفة الإغريق، فلسفة اليونان، لم يعُد محمدٌ صلَّى الله عليه وسلم هو معلِّمهم الأول، بل كان معلِّمهم أرسطو طاليس، فما جاء به أرسطو طاليس هو الحقُّ، وهو الصواب، وما خالفه من تعاليم القرآن والسنة يجب أن يؤوَّل. هذا ضلال مبين.


تأثُّر علماء المسلمين بالفلسفة الغربية:


فُتن بذلك أناس كبار من عباقرة المسلمين، وظنُّوا أنَّ هذه الفلسفة التي برعت في الرَّياضيات، وفي الهندسة، وفي العلوم الكونيَّة: لا يمكن أن تُخطئ في الإلهيات. وكان هذا هو موطن الضلال، ليس كلُّ مَن أصاب في الرياضيَّات أو الطبيعيَّات يصيب في الإلهيَّات، الإلهيات يجب أن تُؤخذ عن الوحي المعصوم، ولذلك أوَّلوا القرآن، وأوَّلوا السنة، وأوَّلوا البعث الجسماني، وأنكروا أن هناك بعثًا للأجساد، وأنَّ هناك جنَّة فيها أكل وشرب وحورٌ عين، وأنَّ هناك نارٌ فيها عذاب أليم، وغسَّاق، ويحموم.


خطأ الفلاسفة فيما ظنُّوه حقائق علميَّة:


وقد تبيَّن فيما بعد أنَّ كثيرًا مما ظنُّوه حقائق علمية لم يعُد حقائق علميَّة، كانوا يقولون العناصر التي يقوم عليها الكون أربعة: الماء والهواء والتراب والنار. ثمَّ أصبح التلميذ في المدارس الابتدائية يعرف أنَّ العناصر أكثر من مائة، التراب ليس عنصرًا، هو مركب من عناصر كثيرة، والماء مركبٌ من عنصرين، والهواء من عناصر، وهكذا.


كانوا يقولون: الأفلاك أجسام لا تقبل الخرق ولا الالتآم. انظروا كيف يصعد الإنسان الآن إلى القمر، وكيف يريد أن يذهب إلى المرِّيخ، وكيف يريد أن  يذهب إلى هذه الكواكب والأفلاك، هذه فتنة للعقل، لا ينبغي أن تُضلَّ المسلم عن أن يعرف طريقه.


الغرب معبود العِلمانيين في بلادنا:


في عصرنا هذا أناسٌ اتخذوا الغرب معبودًا لهم، اتخذوه صنمًا، دعاةُ العِلمانية في بلادنا هؤلاء يتعبَّدون، ولكن معبودهم ليس هو الله الذي يُؤخذُ منه الأمر والنَّهي، والتحليل والتحريم. ولكن اتخذوا هؤلاء أربابًا من دون الله، فما أحلُّوا لهم أحلُّوه، وما حرَّموا عليهم حرَّموه.


البرمجة اللُّغويَّة العصبيَّة وغسل الأدمغة:


لا بدَّ أن يحدِّد الإنسان عمَّن يأخذُ طريقه، هناك أناسٌ في عصرنا يريدون أن يدخلوا على المسلمين بطرقٍ شتَّى، من هؤلاء أناسٌ من الغربيين يدخلون على بعض المثقَّفين من المسلمين، عن طريق ما يُسمَّى البرمجة اللُّغويَّة العصبيَّة.


وهذا يعني أنهم يريدون أن يدخلوا على المسلم ليغسلوا دماغه، ويُلقِّنوه أفكارًا في عقله اللاَّ واعي، ثمَّ في عقله الواعي بعد ذلك، خلاصتها: أنَّ هذا الوجود وجودٌ واحد، ليس هناك ربٌ ومربوبٌ، وخالقٌ ومخلوقٌ، هناك وحدةٌ في الوجود. الأفكار القديمة التي قال بها دعاة وحدة الوجود، يقول بها هؤلاء عن طريق هذه البرمجة.


البرمجة اللُّغويَّة العصبيَّة لا علاقة لها بالدِّين:

هذه البرمجة تقوم على الإيحاء، والتكرار، وغرس الأفكار في النُّفوس. يقولون: لا علاقة لنا بالدِّين، نحن نستخدم برامج نعلِّم بها الناس. وهم وراءهم أهدافٌ خبيثة، ومقاصد بعيدة، كلُّ هذه ألوان من الغزو يُرَادُ بها غزو العقل المسلم، ولذلك أول ما ينبغي أن نحرص عليه، وأن نؤكِّده: أن تعرف طريقك أيُّها المسلم، تعرف غايتك، وتعرف طريقك. (للحديث بقية)


ـــــــ

[1]- متفق عليه: رواه البخاري في الإيمان (52)، ومسلم في المساقاة (1599)، عن النعمان بن بشير.

[2]- متفق عليه: رواه البخاري في العلم (71)، ومسلم في الكسوف (1037)، عن معاوية.

[3]- رواه ابن أبي شيبة في الزهد (36340).

[4]- متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (3610)، ومسلم في الزكاة (1064)، عن أبي سعيد الخدري.

[5]- رواه مسلم في المقدمة (1/14)، عن محمد بن سرين.

[6]- رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (10/255).

[7]- رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (10/257).


اترك تعليق