النفير للتَّفقه في الدين

By : يوسف القرضاوي

ويقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}، لا بدَّ أن يكون هناك توزيع للاختصاصات، لا ينبغي أن يُهْرَعَ كلُّ المؤمنين للنفير للجهاد، هناك نفير آخر، نفيرٌ للعلم، للفقه، للتفقه في الدِّين، {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة:122]، {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}، الفقه في الدين هو المطلوب.

معنى الفقه في الدِّين:

والفقه في الدين ليس معناه أن تعرف أحكامًا متناثرة لا يربطها رابط، ولكن أن تعرف أسرار الدين، أن تدرك مقاصد الدين، أن تربط جزئيَّات الدين بكليَّاته، أن تصل ظواهره بمقاصده، ألا تكتفي بالوقوف عند حرفيَّة النَّص، ولكن أن تدرك ما وراءه.

الأحكام شُرِعت لأهدافٍ ومقاصد:

فإن الله سبحانه وتعالى لم يَشْرَع هذا الدِّين، ولم يَشْرَع أحكامه إلاَّ لأهداف ومقاصد، فهل حقَّقنا هذه المقاصد أو لم نحقِّقها، الله تعالى علَّل الأحكام التعبديَّة، حتى التعبديَّات من صلاة وصيام، وزكاة وحج، جعل لها في القرآن عللاً، وجعل لها أهدافًا وثمرات[1].

الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت:45].

والزكاة تطهِّرهم وتزكِّيهم: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة 103].

والصيام لتحقيق ملكة التقوى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].

والحج: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج:28].

هناك علل للأحكام، هناك مقاصد للشريعة، فلا بدَّ للمسلمين أن يدركوا هذا، ولكن المسلمين حينما ساء فَهمهم للإسلام وقفوا عند الظواهر وتركوا المقاصد، ساء فَهمهم للإسلام.

من إساءة الفهم الزيادة في الدِّين:

في الزَّمن الأول زادوا على الإسلام ما ليس منه، فأحدثوا في الدِّين بدعًا ما أنزل الله بها من سلطان، ولا قام عليها دليل ولا برهان، مع التحذير النبوي: "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ"[2].

"من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ"[3].

"إياكم ومُحدَثات الأمور، فإن كلَّ محدثَةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة"[4].

الإسلام اتباع في الدِّين وابتداع في الدُّنيا:

كان الصحابة رضوان الله عليهم، وتلاميذهم، وتلاميذ تلاميذهم يفهمون هذا، أنَّ الإسلام اتباعٌ في الدين، وابتداعٌ في الدنيا، في أمور الدِّين يُطْلَبُ الاتباع، فإنَّ الله تعالى قد أكمل هذا الدِّين ولا يحتاج إلى زيادة، وفي أمور الدُّنيا الأصل فيها الابتكار والإبداع، وهذا ما جرى عليه المسلمون أيَّام ازدهار الإسلام.

فلمَّا مَرِضَ المسلمون وضَعُفُوا عكسوا الآية، زادوا في أمور الدِّين، وابتدعوا، وابتكروا من عندهم أشياء، وجمدوا في أمور الدُّنيا، عكسوا الأمر على خلاف ما ينبغي أن يكون، فبعد أن كانوا هم المبتكرين، وهم أهل الاختراع والابتداع في أمور الدنيا، أصبحوا هم الجامدين!

المسلمون أصحاب العلم التجريبي:

وجاء العصر الحديث ونحن غرباء عن العلوم الكونيَّة ونحن الذين ابتدعناها، نحن الذين ابتكرنا المنهج العلمي التجريبي، الذي ينسبه الغربييون إلى (فرنسيس بيكون) وإلى (روجر بيكون)، مع أنَّ المنصفين من مؤرِّخيهم يقولون: إنَّ هذين إنما أخذا هذا المنهج من الحضارة العربية الإسلامية.

المسلمون أول من طبَّقوا المنهج التجريبي:

نحن الذين ابتكرنا هذا المنهج وطبَّقناه في الطبِّ والفيزياء والكيمياء وغيرها، ونقينا العقل العلميَّ من الخرافات التي كانت سائدة في ذلك الوقت.

نقلنا عن اليونان، ونقلنا عن الهنود، ونقلنا عن الرومان، ونقلنا عن غيرهم، ولكنَّا هذَّبنا وأضفنا وابتكرنا علومًا جديدة، مثل علم الجبر، نحن الذين اخترعناه، اخترعه محمد بن أبي بكر الخوارزمي؛ ليحلَّ مسائل في الوصايا والمواريث، كما تشهد بذلك رسالته التي ألَّفها، (الاستقصاء في الجبر والمقابلة) وكان فيها مبتكرًا لعلم الجبر، هكذا كنا نحن.

الأزهر يُسمِّي العلوم التجريبية بالعلوم الحديثة:

نحن المسلمين الذين اخترعنا المنهج العلمي والمنهج التجريبي، ثمَّ نسينا هذا وغفلنا عنه، فلما جاء الأزهر في الربع الثَّاني من هذا القرن وأراد أن يطوِّر المعاهد، قرَّر دراسة هذه العلوم، وسمَّاها العلوم الحديثة، الطبيعة والكيمياء والفيزياء الأحياء والرياضات وغيرها، سمَّاها العلوم الحديثة، والواقع أنَّها ليست حديثة، إنَّها علوم قديمة، والمسلمون أساتذة فيها للعالم، ولكن هكذا مَرِضَت الأمَّة، مَرِضَت الأمَّة فأساءت الفَهم لدينها، وأساءت الفَهم لدنياها.

الحذف من الدِّين:

مَرِضَت الأمَّة فأساءت الفَهم لدينها، وأساءت الفَهم لدنياها، كان الأقدمون يزيدون في الدِّين، يخترعون أشياء يُضِفُونها للدِّين، في عصرنا هذا أصبحت البدعة الجديدة هي الحذف من الدِّين! النَّاس يريدون أن يحذفوا من الدِّين ما لا يروق لهم! فهناك مَن يريد أن يكون هذا الدِّين عقيدةً بلا شريعةٍ، ومَن يريده دينًا بلا دولة، ومَن يريده أخلاقًا بلا جهاد، ومَن يريده عبادةً بلا قيادة، ومَن يريده زواجًا بلا طلاق، وهكذا، يريدون أن يحذفوا من الدِّين ما هو من صلبه، أيُّ دين هذا الذي يريدون؟

إرضاء الغرب ولو على حساب الدِّين:

إنهم يريدون دينًا يروق للغربيين، فإذا كان الغربيون يُنكرون الجهاد، فلا بدَّ أن نحذف الجهاد حتى يمدحنا الغربيون.

وإذا كان الغربيون يُنكرون الرِّبا، فلنحذف الرِّبا من الاقتصاد الإسلامي.

وإذا كان الغربيون يُنكرون حجاب المرأة، فلنحذف هذا من التَّشريع الإسلامي.

وإذا كان الغربيون يُنكرون قيام دولةٍ على أساس من الشرع والدين، فلنحذف الدولة من النِّظام الإسلامي.

هذا ما يريده هؤلاء، هل نستجيب لهذه الوساوس، وهذه الهواجس ونغيِّر ديننا كما أنزله الله، وكما دعا إليه رسوله، وكما فَهمه أصحابه، وكما طبَّقه الرَّاشدون من خلفاءه، وكما استمرَّ العمل به في القرون الأولى، وهي خير قرون هذه الأمة؟ هل نغيِّر ديننا لنرضي هؤلاء؟

الغرب لا يُرضيه إلاَّ الكفر بديننا:

إنَّ الله تعالى يقول عن هؤلاء:{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ...} [البقرة:120]، حتى ولو حذفنا هذا من التشريع الإسلامي، لن يرضيهم، لا يرضيهم إلا نكفر بهذا الدين ونتبع ملَّتهم والعياذ بالله.

نحن مطلوبٌ منَّا إذن أن نفقه ديننا، المسلمون أصيبوا في عصور التراجع وعصور الهزيمة والانحطاط في التاريخ الإسلامي، أصيبوا بسوء الفَهم، سوء الفقه لهذا الدين، لم يفقهوا دينهم كما ينبغي.

سوء الفَهم لعقيدة الإيمان والقدر:

أساء المسلمون فَهم عقيدة القدر، عقيدة القدر ليس معناها أنها عقيدة الجبر.

القدر معناه: أنَّ هذا الكون لا يسير جزافًا، ولا يمضي اعتباطًا، وإنَّما كلُّ شيءٍ فيه بحساب وميزان، وبتقدير للكبير وللصغير، وللجليل وللحقير: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49]، {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد:8]، {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان:2]، {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} [الرحمن:5، 6]، بحسبان، أي بحساب.

كلُّ شيءٍ في هذا الكون بتقديرٍ من الله، عَلِمَهُ الله قبل أن يقع، وقدَّره قبل أن يقع، ويعلمه بعد أن يقع، ولا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء.

الإنسان مسؤولٌ عن عمله:

ليس معنى هذا أنَّ الله الذي علِمَ وقدَّر أجبر النَّاس على أعمالهم، فهذا ما تردُّه النُّصوص، وما تردُّه الفطرة والحسُّ والمشاهدة، النُّصوص تحمِّل الإنسان المسؤوليَّة: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا...} [الإسراء:15].

{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت:46].

{وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل:40].

{فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ...} [الكهف:29].

الإنسان هو الذي يحمل مسؤولية نفسه، هو الذي يصنع مستقبله بقدر الله عزَّ وجلَّ، هو الذي يخطُّ مصيره بيده، ولذلك يتحمَّل مسؤوليته،{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر:38].

{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ...} [البقرة:286].

ولذلك لو فقد الإنسان إرادته، أو فقد وعيه، أو فقد عقله، لم يعُد مُكَلَّفًا، ومن هنا "رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المبتلى حتى يعقل"[5].

رُفِع القلم والتكليف عن المضطَّر: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:173].

رُفِعَ عن المكره:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل:106].

الإنسان حرٌ مخيَّرٌ في حدود السُّنن الإلهية:

عقيدة القدر ليس معناها الجبر، الإنسان حرٌ مختار، مخيرٌ لا مسيَّرٌ، ولكن في دائرة السنن التي وضعها الله في هذا الكون، في دائرة ما هيَّأ الله من أسباب ومسبَّبَات، وعلى قدر مُكْنَتِهِ تكون مسؤوليَّته، ولهذا لا يتساوى الناس في المسؤوليَّة، المسؤوليَّة على قدر المُكْنَةِ، وعلى قدر الطَّاقة، ولا تُكّلَّف نفسٌ فوق طاقتها: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق:7]، ولكن المسلمين في عصور الضعف والانحطاط وإلى اليوم أساؤوا فَهم عقيدة القدر.

القدرُ مصدرٌ للقوة:

المسلمون الأوَّلون اتخذوا من عقيدة القدر مصدرًا للقوَّة، فما كانوا يبالون أوقعوا على الموت أم وقع الموت عليهم، كانوا يخوضون المعارك وهم يعلمون أنَّ ما كتب الله عليهم واقع، كما حكى الله تعالى عنهم:{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة:51]، لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، وكما قال الإمام علي رضي الله عنه وهو يخوض المعارك:

أيَّ يوميَّ من الموت أفرُّ
 
 يوم لا يُقْدَرُ أم يوم قُدِرْ
 
يوم لا يُقْدَرُ لا أحْذَرَهُ
 
 ومن المقدور لا ينجو الحذر
 

إذا كان مقدرٌ عليَّ فلن يُغْني عنه الحذر، وإذا لم يكن مقدرٌ فلماذا أحذر وأهاب، وأرهب وأخاف.

كانت عقيدة القدر قوةً للمسلمين، ولكن حينما ساء فَهم المسلمين لها، أصبحت مصدر ضعف، وأصبح الناس مستسلمين؛ لأنَّ لا حول لهم ولا طول.

ألقاهُ في اليمَّ مكتوفاً وقال له
 
 إيَّاكَ إيَّاكَ أنْ تبتلَّ بالماءِ![6]
 

أو كما قال آخر:

كريشةٍ في مهبِّ الريح طائرةٍ
 
 لا تستقرُّ على حالٍ من القلق[7]
 

فهذا هو شأن الإنسان، ريشة تُحَرِكُهَا رياح الأقدار ولا إرادة له ولا اختيار، ولا حول ولا طول، هذا سوء فَهم أصاب الأمة الإسلامية فكان أحد أمراضها.

ـــــــ 
[1]- انظر حكم العبادات وأسرارها في  العبادة في الإسلام للشيخ حفظه الله، نشر مكتبة وهبة.

[2]- متفق عليه: رواه البخاري في الصلح (2697)، ومسلم في الحدود (1718)، عن عائشة.

[3]- رواه مسلم في الحدود (1718)، عن عائشة.

[4]- رواه أحمد (17144)، وقال مخرجوه: صحيح، وأبو داود في السنة (4607)، والترمذي في العلم (2676) وقال: حسن صحيح، والحاكم في العلم (1/174) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (37)، عن العرباض بن سارية.

[5]- رواه أحمد (1328)، وقال مخرجوه: صحيح لغيره، وأبو داود (4399)، والترمذي (1423)، كلاهما في الحدود، وقال: حسن غريب، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (3287)، عن على بن أبي طالب.

[6] - من شعر عبد الغني النابلسي.


اترك تعليق