من أمراض الأمة: الإسراف

By : يوسف القرضاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتَّبع هداه.

(وبعد)

الكون قام علي التوسط والاعتدال:

لا يزال الحديث مستمرًّا عن أمراض مجتمعاتنا الإسلاميِّة التي تعمل في جسمها ما تعمل الأوبئة الفتَّاكة في الأجساد والأبدان، من أمراض هذه الأمُّة: الإسراف، الإسراف في كلِّ شيء، أنها لا تَقدُر نعمة الله حقَّ قدرها، فتتناول هذه النعمة بما ينبغي لها، من المحافظة عليها، واستعمالها فيما خُلقت له، واستخدامها فيما يحبُّ الله تعالى ويرضى، بالقصد، بالاعتدال والتوسط، دون إسراف ولا تقتير، دون طغيان ولا إخسار، فهذا هو شأن الإنسان المؤمن، وهذا ما أقام الله عليه الحياة، وأقام عليه هذا الكون، {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}[الرحمن:7-9]، لا طغيان: لا تجاوز للحدِّ. ولا إخسار: لا نقص عنه، ولا تطفيف فيه.

التوسط والاعتدال سلوك المؤمنين:

شأن المؤمنين هو التوسُّط والاعتدال، فخير الأمور أوسطها، وهذه أمُّة وسط، وسط في كلِّ شيء، أمرها معتدل، لا تميل إلى يمين ولا إلى يسار، وإنما صراطها مستقيم، هو أقرب موصل إلى الهدف، هذه الأمة أمة الاعتدال، ولذلك وصف الله عباد الرحمن بقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67]، لا تقتير ولا إسراف. ويقول عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء:29].

الإسلام لا يُحرِّم الطيِّبات:

لا يحرِّم الإسلام عليك الطيِّبات، بل أنكر على الذين حرَّموا الطيِّبات وزينة الله وقال: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [ألأعراف:31، 32]، مَن له الحقُّ في أن يحرَّم على الناس زينة الله؟

وقد أضاف هذه الزينة إليه سبحانه تشريفًا لها وتكريمًا: {زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف:31، 32].

الطيِّبات للمؤمنين أصالةً في الدنيا يتبعهم غيرهم، هم شركاء فيها بالتبعية؛ لأن أصل الطيبات لمَن يطيع الله ويعبده ويقوم بحقِّه، ولا مانع أن يشركهم غير المؤمنين، خالصة يوم القيامة

أما يوم القيامة فالطيِّبات خالصة للمؤمنين، لا يشاركهم فيها أحدٌّ.

الإسلام يمنع الإسراف:

لم يمنع الإسلام الاستمتاع بالطيبات وزينة الله، وإنما منع الإسراف، {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام:141]، لا تسرفوا، الله لا يحبُّ المسرفين من عباده، المتجاوزين للحدود.

ومعنى هذا: أن يقف الإنسان عند قدراته، (على قدر لحلافِك مد رجليك). لا تحاول أن تُنفق أكثر مما تستطيع، لا يكن مصروفك أكثر من دخلك، فتضطر للاستدانة، والدين همٌّ بالليل، مذلَّة بالنهار، وقد لا تستطيع أن تسدِّد دينك، فتضطر أن تُحدِّث فتكذب، وتعِد فتُخلف، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من المأثم والمغرم، المأثم: المعصية، والمغرم، الدين. فقيل له: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم، يا رسول الله؟ قال: "إن الرجل إذا غرم، حدث فكذب، ووعد فأخلف"[1]. عِش في حدود استطاعتك.

عِش في حدود الحلال، لا تنفق في الحرام ولا فلسًا واحدًا؛ فإن الإنفاق في معصية الله هو التبذير، وإن كان قليلاً.

الفرق بين الإسراف والتبذير:

فرقٌ بين الإسراف والتبذير، أنَّ الإسراف: تجاوز في الحلال. وأنَّ التبذير: إنفاق في الحرام. فلو أن رجلاً عنده مال قارون وأنفق درهمًا واحدًا في معصية، كان ذلك تبذيرًا، وهو محرَّم ومنهيٌّ عنه، قال تعالى:{وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء:26، 27]، وآت ذا القربى حقَّه والمسكين وابن السبيل ولا تبذِّر؛ لأنَّك إذا بذَّرت لم تجد لهؤلاء ما تعطيهم، لا لذي القربى، ولا للمسكين، ولا لابن السبيل، فلا تبذِّر تبذيرًا، لا تنفق مالك فيما حرَّم الله، في الخمر، في المخدِّرات، في المعاصي أيًّا كانت هذه المعصية.

من التبذير الإنفاق فيما لا يضرُّ ولا ينفع:

ومن ذلك، الإنفاق فيما لا يضرُّ ولا ينفع في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنَّ هذا إضاعة للمال، وقد نهى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، كما في الصحيح، عن كاتب المغيرة بن شعبة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أن اكتب إليَّ بشيء سمعتَه من النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال"[2].

التدخين من التبذير:

ومن ذلك التدخين[3]، فأقل ما فيه أنه لا ينفع الجسم ولا الرُّوح، ولا يفيد في دنيا ولا في أُخرى، فكيف وقد ثبت ضرره، وأجمع العالم كلُّه على أنَّه ضارٌّ بالصحَّة؟ فهو ضارٌّ بصحتك، وضارٌّ بمالك، أي أنَّك تشتري ضرر بدنك بحُرِّ مالك، أليس هذا حماقة، أن تشتري ما يضرُّك بفلوسك؟ وتعطي هذه الأموال للشركات الاستعمارية التي تصنع السجائر المشهورة، هذا كلُّه لا يجوز، هذا من التبذير، والمسلم مطالبٌ أن يقف عند حدود الاعتدال، لا ينبغي أن يتوسَّع فيشتري ما يحتاج إليه، وما لا يحتاج إليه.

سعار الشِّراء:

العالم الآن مصاب بالسعار، وهذا السعار نتيجة هذه الإعلانات التي تمتلئ بها الصحف، وتمتلئ بها الإذاعات، وتمتلئ بها التليفزيونات، تعرضها فتيات جميلات، تتكسَّر وتتثنى في حركات خليعة ماجنة؛ لتغريك بشراء السلعة وتُكرِّهك في السلعة التي عندك، فما إن تتكرَّر عليك هذه الإعلانات مرة بعد مرة، ويومًا بعد يوم، وأسبوعًا بعد أسبوع، وشهرًا بعد شهر، حتى تُحسَّ بكراهية ما عندك، وتحاول أن تتخلص منه لتشتري الجديد، وبعد أن تشتري الجديد، تأتي إعلانات جديدة تُكرِّهك في هذا الجديد؛ لتشتري ما هو أجدُّ وأحدث، وهكذا تظلُّ في دورة لا تنتهي، هل هذا معقول؟

هذه فكرة الحضارة الحديثة، حضارة الإعلانات، الإسلام يجعل من أوصاف التجار الفضلاء الذين إذا باعوا لم يمدحوا، وإذا اشتروا لم يذمُّوا، لا يحاول أن يمدح السلعة ويعطيها أوصافًا أكثر مما هي عليه، وإذا اشترى لا يذُم.

المبالغة في الإنفاق على الدعاية:

أما العصر الحديث فيقوم على المديح والإطراء والإغراء لكلِّ ما هو جديد، وينفق على السلعة ملايين، قرأت عن إحدى السلع - أنَّهم أنفقوا عليها مائة وثلاثين مليونًا من الدولارات دعاية وإعلانًا لها، كنتم أرخصوا هذه السلعة بهذا المبلغ، هذه المبالغ التي تذهب عبثا، أليس أولى بها المستهلكون؟! نحن ينبغي أن نضبط أنفسنا، لقد قال عمر رضي الله عنه لبعض الصحابة حينما رآه يشتري شيئًا لم يكن في ضرورة إليه، قال له هذه الكلمة البليغة المعبرة: أكلما اشتهيت شيئا اشتريته[4].

كلَّما اشتهى الإنسان شيئًا اشتراه، هذا هو الواقع للأسف!

شهوة الناس للشراء:

وعند الإنسان شهوة للشراء، يحبُّ أن يشتري، يحبُّ أن يقتني، ولو طاوع الإنسان نفسه في هذا الأمر فإنه يريد أن يشتري كلَّ شيء، ويكدِّس بيته، وبعد مدة لا يجد مكانًا لهذه الأشياء، ويحاول أن يتخلَّص منها، لا بدَّ أن يقف الإنسان عند التوسط، عند الاعتدال، فلا يشتري ألا ما يحتاج إليه بالفعل، لا يشتري إلا ما هو في حاجة فعلية إليه، مما يأكل أو يشرب أو يلبس أو يستخدم أو يقتني، أما ما لا حاجة إليه فلا معنى لشرائه.

التُّجار يستغلون شهوة الناس للشراء:

الاوكازيونات التي يصنعها التُّجار ما بين الحين والحين، وكثيرًا ما تكون كاذبة، وما تكون مزيَّفة وغير حقيقيَّة، ولكنهم يستغلون رغبة الشراء عند الناس، وما جاء به هذا التخفيض؛ ليشتري الناس ما لا حاجة لهم إليه.

وهناك أناسٌ للأسف مولعون بالشراء، وبشراء الشيء الغالي، قال بعض التُّجار يومًا وقد قلتُ له: لماذا تبيعون بهذا السِّعر؟ هذا السِّعر أغلى من البلاد المجاورة بكثير؟ قال: نحن نبيع لصنف معيَّن، وخصوصًا من النِّساء والفتيات، وهؤلاء لا يشترون الرخيص، لو أرخصنا هذه السلعة وبعناها بسعرها الحقيقي، ما أقبل علينا منهنَّ أحد.

إنَّهنَّ يشترين الغالي ويباهين به، يشترين الغالي ويكذبن ويزدن على ما اشترين به، يشترين بألف ويقلن اشتريناه بألفين، فيكذبن ويغششن الأخريات! فنحن نغلي ونرفع السعر أكبر من حقِّه؛ لنبيع لهؤلاء، هل هذا من العقل؟ هل هذا من الدِّين، هذا لا من العقل، ولا من الدين في شيء، لماذا يشتري الإنسان ما هو أكثر من قيمته؟ لماذا يشتري الإنسان الشيء الغالي.

والعجيب أن يقلِّد بعض الناس محدودي الدخل هؤلاء الذين يلعبون بالأموال لعبًا، ويعبثون بالملايين عبثًا، فنرى بعض الضعاف من النَّاس يقلِّد هؤلاء! لا.

عليك ألا تشتري إلا الرخيص، واجبر التجار على أن يرخصوا، كما قال بعض الحكماء: وقد قيل له: إن السلعة الفلانية قد غلت، فقال لهم أرخصوها، قالوا له: رحمك الله، وكيف نُرخصها؟ قال: بالإعراض عنها، اتركوها سترخص. وهكذا قال الشاعر:

وإذا غلا شيءٌ عليَّ تركته
 
 فأراه أرخص ما يكون إذا غلا[5]
 

ـــــــ 
[1]- متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (832)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (589)، عن عائشة.

[2]- متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (5975)، ومسلم الأقضية (593)، عن المغيرة بن شعبة.

[3]- انظر: أحكام التدخين في ضوء النصوص والقواعد الشرعية في  الشيخ (فتاوى معاصرة) (1/654-669).

[4]- رواه ابن أبي شيبة في الإطعام (25012)، وأحمد في الزهد (653).

[5] - من شعر محمود الوراق.


اترك تعليق