من أمراض الأمة: ضعف العلاقات

By : يوسف القرضاوي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتَّبع هداه.

(وبعد)

فقدان المحبة بين أفراد الأسرة:

ذكرنا أمراض هذه الأمَّة التي تنخر في عظامها، وتجلب عليها الآفات والأكدار، وتُضعِف مقاومتها أمام أعدائها، وتمكِّنهم منها، واليوم نذكر مرضًا جديدا من هذه الأمراض التي أصابت أمتنا في هذه الأزمنة الأخيرة، ولم تكن معروفةً فيها، جاءتها مع الغزو الاستعماري، الغزو الاجتماعي، والغزو الثَّقافي لهذه الأمَّة، هذا الداء أو هذا المرض: هو اضطراب العلاقات الأُسرِية، فقدان المودَّة والمحبَّة بين أعضاء الأسرة الواحدة.

الإسلام يعمل على بناء الأسرة المترابطة:

لقد جاء الإسلام بأحكامٍ وتوجيهاتٍ من شأنها لو فقهها المسلمون حقَّ الفقه، وآمنوا بها حقَّ الإيمان، والتزموا بها حقَّ الالتزام، أن تكوِّن الأسر السعيدة، الأسر المترابطة، الأسر المتوادَّة، التي يكون كلُّ فرد فيها كأنه خليَّة أو عضو في جسد واحد.

جاءت تعاليم الإسلام في كتاب الله، وفي سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتكوين الأسرة المتراصَّة.

الأسرة في الإسلام تختلف عنها في الغرب:

والأسرة في الإسلام ليست كالأسرة في الغرب، مكونة من زوج وزوجة، وربَّما من بعض الأولاد حتى يبلغوا، فإذا بلغ الأولاد بنين أو بنات، كان كلٌّ منهم على حال سبيله، أو حلِّ شعره كما يقولون، لا علاقة للأب والأم بأولادهما بعد البلوغ.

الإسلام يريد أسرةً من زوج وزوجة، ثمَّ بعد ذلك من أبٍ وأمٍ، وأبناء وبنات، وأحفاد وحفيدات، وإخوة وأخوات، وأعمام وعمَّات، وأخوال وخالات، الأسرة في الإسلام أسرة موسَّعةٌ ممتدَّة، تشمل العَصَبَات من أبناء الأعمام، وتشمل الأرحام من أبناء الأخوال والخالات.

الإسلام يقوي العلاقات الأُسْرِيَّة بمجموعةٍ من الأحكام:

الإسلام ربط هذا بشبكةٍ من الأحكام:

هناك أحكام النفقات: نفقة القريب العاجز المعسر على قريبه الموسر القادر.

هناك أحكام الدِّيات: مَن قُتِل خطأ فإن ديَّته في عَصَبته، أبناء عمومته وقبليته.

هناك أحكام الميراث: جعل الله حقًّا للأقارب في الميراث بدرجاتٍ ومستوياتٍ معيَّنة.

كلُّ هذا لترتبط الأسرة بهذه الشبكة، فلا تنفصم عراها أبدًا.

برُّ الوالدين:

جاء الإسلام وأمر بهذا، ووجَّه الأمَّة إلى هذا توجيهًا قويًّا، القرآن جعل برَّ الوالدين من أصول الفضائل، جعله بعد حقِّ الله تعالى، بعد التوحيد: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}[النساء:36]، {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء:32]، {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان:14]، بهذا العطف بالواو، وليس بـ(ثمَّ)، وخصوصَا الأم، {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف:15]، {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان:14].

صلة الأرحام:

جاء الإسلام ببرِّ الوالدين، وجاء الإسلام بصلة الأرحام، وجاء الإسلام بحقِّ ذوي القربى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [الروم:38]، {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [البقرة:215]، {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة:180]، الوالدان والأقربون:{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء:7]، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل:90]، {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} [النساء:36]، {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1]، {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد:23].

من فضل صلة الرحم:

جاءت تعاليم القرآن، وجاءت تعاليم السُّنة، تؤكِّد ما جاء في القرآن.

من وصلها وصله الله:

في الحديث، عن عبد الرحمن بن عوف، إني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله عزَّ وجلَّ: أنا الله، وأنا الرحمن، خلقتُ الرحم، وشققتُ لها من اسمي، فمَن وصلها وصلتُه، ومَن قطعها بتتُه"[1]. مَن وصلها وصلتُه، ومَن قطعها بتتُه، أي قطعتُه.

الصدقة على ذي الرحم مضاعفة:

" الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة"[2]. فيها أجران، أجر الصدقة، وأجر الصلة، صلة الرحم.

وجاء في الحديث: " أفضل الصدقة، الصدقة على ذي الرحم الكاشح"[3]. أفضل الصدقات وأعظمها أجرًا عند الله، أن تتصدَّق على ذي رحم كاشح، أي يضمر لك في كشحه الخصومة والعداوة، ليس بينك وبينه صفاء ولا مودة، فأنت تتغلَّب على نفسك وتتصدٌّق عليه رغم ما بينكما، قهرًا للنفس وللشيطان.

ترابط الأسرة المسلمة عبر القرون:

هذا ما جاء به الإسلام، وهذا ما سار عليه المسلمون قرونًا طويلة، كان النَّاس يعيشون في أسرةٍ واحدة، أسرة كبيرة يعيش بعضهم مع بعض، الأبناء مع آبائهم، والأحفاد مع أجدادهم.

رأينا هذا ونحن صغار، بيت العائلة الكبيرة، دار العائلة الكبيرة، فيها الجدُّ والجَّدة، والآباء والأبناء والأحفاد، يتزوج الرجل في دار الأسرة، فكلُّ ما يحتاج إليه حجرة، يعيش فيها هو وامرأته، وما على امرأته إلا أن تُنجب الأطفال، وحماتها عليها أن تربِّي، (هات لنا عيال)، ويعيشون يأكلون من مائدة واحدة، والبركة موجودة، والمحبَّة موجودة.

الحضارة الماديَّة أوهنت الرباط الأُسري:

ثم جاءت هذه المدنية، الحضارة المادية المعاصرة بفلسفتها بتعاليمها بأخلاقها وسلوكياتها؛ فأصبح كلُّ امرئ يريد أن يستقلَّ بنفسه، أن يستقلَّ بداره، أن يستقلَّ بزوجته وأولاده، لا بأس، ولكن مع هذا ما انتهت المشاكل، المشاكل مستمرَّة، والمودَّات مقطوعة، والفساد مستمرٌّ في هذه الأسرة، بين الابن وأبيه، بين الأولاد وأهليهم، الحماة تحاول أن تُعكِّر العَلاقة مع زوج ابنها، تحاول أن تحرِّضه على أهله، كما جاء في الحديث من أسباب البلاء الذي يحلُّ بهذه الأمة: "... وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه"[4].

وهذا ما حدث، العقوق قد انتشر، عقوق الأولاد لآبائهم وأمهاتهم، هذا ما نراه في عصرنا، كنَّا نعيب على المجتمعات الغربية هذه الفردية والأنانية بحيث لا يسأل الولد عن أبيه، ولا البنت عن أمِّها. جعلوا للأمِّ يومًا سمَّوه عيد الأم، وللأب يومًا، يحاول الابن أو البنت أن تهدي لأبيها أو لأمِّها شيئًا، زجاجة عطر، أو نحو ذلك، وربما ترسلها بالبريد. الذين نعيب عليهم أصبحنا نقترب منهم شيئًا فشيئًا.

حاجة الإنسان للمشاعر والعواطف:

أصبح هناك من يُلقي بأبيه أو بأمِّه قي المصحَّة، أو في دار العجزة، ولا يكاد يمرُّ بخاطره هذا الإنسان وهذه الإنسانة!

الإنسان ليست حاجته فقط إلى الطَّعام والشَّراب، حتى نقول: إنَّ دار المسنين أو دار العجزة تكفيه طعامه وشرابه وكسوته، الإنسان مشاعر وعواطف وعَلاقات، الإنسان إذا انقطع عن أولاده وأحفاده وأبنائه وبناته، ماذا يبقى له في الحياة؟ أصبحنا قريبين من هؤلاء الذين كنَّا نعيب عليهم هذا.

حق الأبناء في الاهتمام والرعاية:

العلاقات ساءت، وكثيرٌ من الآباء والأمهات يظنُّون أن لهم حقَّ البرِّ، وحقَّ الإحسان، دون أن يكون عليهم واجب الرعاية، وواجب الاهتمام. كثيرٌ من الآباء يظنُّ كأنما عليه أن ينجب أولادًا ثمَّ لا يبالي بهم بعد ذلك، نسي أنَّ الله تعالى سائله، "إن الله تعالى سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استرعاه، حفظ أم ضيَّع"[5].

كلُّ راعٍ يُسأَل عن رعيَّته كما جاء في الحديث: "كلكم راع فمسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"[6].

مسؤولية الآباء ليست ماديَّة فقط:

الله سيسأل كلَّ إنسان، يسأل الأب هل وقيتَ أبناءك النار؟ الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم:6]، هل حميتهم من النَّار؟ تقول: إنك وفَّرتَ لهم المال يصرفون منه كيف يشاءون، ليس الأموال كلَّ شيء، الإنسان ليس في حاجة للناحية الماديَّة فقط، في حاجة إلى العطف، إلى الحنان، إلى الرعاية، إلى البسمة من هذا الأب، إلى السؤال ماذا صنعتَ وماذا ستصنع؟ أما أن يخرج الإنسان من بيته وأولاده في المدارس ولا يعود إلا بعد أن يناموا، ولا يعرف ماذا صنع أولاده، أين المسؤولية إذن؟ هناك مسؤولية على الآباء.

من الآباء من يُفرِّط في المسؤولية الماديَّة:

حتى النَّاحية الماديَّة لا يقومون بها، هناك مَن يتزوَّج امرأة ثانيةً، فينسى امرأته القديمة التي عايشته سنين الشباب وسنين الفقر والعسر، ينساها ويُهملها، ويتركها معلَّقة لا هي مزوَّجة ولا مطلَّقة، ويهمل أولادها بنين وبنات، لا ينفق عليهم، وإذا أنفق عليهم أنفق الفتات، وامرأته الأخرى وأولادها يحظون منه بكلِّ العناية والرعاية.

هناك مَن يعيش في البَرِّ أو في الصحراء مع إبله وغنماته، وكأن إبله وغنماته أهمُّ من أبنائه وبناته، لا يفكر في هؤلاء، لا يرسل إليهم أيَّ شيء، وعنده من المال الحلال ما يستطيع أن يرعى به أسرته وأولاده، أين الأبوة الرَّاعية؟

المربية تقوم بِدَوْرِ الأُمِّ:

وهناك من الأمهات مَن تظنُّ أن الجنة تحت أقدامها، بمجرَّد أنها حملت وولدت، ومع هذا لا تبذل جهدًا، ولا تنفق شيئًا في سبيل تربية أولادها ورعايتهم، بحسبها أن تُسلِّمهم إلى الخادمة، أو (الدَّادة) أو المربِّية، ولا تعرف عنهم شيئًا، هذا للأسف ما يحدث في مجتمعنا اليوم، الأمُّ مشغولة بنفسها، مهملةٌ لأولادها، قال لي بعض الأبناء والبنات: إننا لا نتذكر أن أمنا احتضنتنا يومًا ما ونحن صغار، لا نذكر أنها قبَّلتنا يومًا من الأيَّام، لا نذكر إلا الخادمة والمربِّية، التي عشنا في ظلِّها، أما الأم فلم نَرَ منها وجهًا حنونًا، ولا كلمة طيبة، ولا ابتسامة في وجوهنا، ولا رعاية لشؤوننا، أين الأمومة إذن؟

الأمومة ليست كلامًا يقال، ليست عاطفةً جوفاء، إذا كانت عاطفة فالعاطفة لها آثارها، ولها مظاهرها، ولها نتائجها، ما الذي حدث في مجتمعنا حتى نرى هذه الآثار في بيوتنا، يعيش أبناء وآباء في بيت واحد، ولكنَّهم ليسوا من آبائهم وأمهاتهم، هذا ليس من الإسلام في شيء، لَلْعُقُوق من الإسلام بالنسبة للأبناء، ولا الإهمال من الإسلام بالنسبة للآباء والأمَّهات.

حقوق الآباء والأبناء متبادَلَةٌ:

هناك حقوقٌ وواجباتٌ مُتَبَادَلَةٌ، وكلُّ حق يقابله واجبٌ، فلا بدُّ للآباء والأمهات أن يقوموا بحقوق الأبناء والبنات إذا كانوا مسلمين حقًا.

العداوة بين الإِخوة:

ما الذي حدث في مجتمعاتنا؟ لقد أصبح الأخ يكنُّ الحقد لأخيه، أصبحت الدُّنيا تُفَرِّقُ بين الأخوة بعضهم وبعض، خصوصًا إذا كان بينهم تركة يُراد أن تُوزَّع، فكلُّ واحد يريد أن يأخذ ولا يريد أن يُعطي.

أين التَّسامح؟ أين الإيثار؟ أين المودَّة؟ وقد تجد هؤلاء الإخوة مع الغرباء أكثر تسامحًا، وأعظم مودَّةً، وأكثر ألفةً، ويتعاملون بمنتهى الأخلاق والظرف والإنسانيَّة مع الغرباء، ولكن الإخوة بعضهم مع بعض أعداء، يريد أن يفترس بعضهم بعضًا، يريد كلٌّ منهم أن يهدم أخاه ويبني نفسه على أنقاضه، ما هذا؟

ابن آدم يحسُدُ أخاه:

صحيح أن هذا حدث من قديمٍ في تاريخ البشريَّة، منذ أن كانت البشريَّة أسرةً واحدةً، رجل وامرأة وأبناؤهما، قتل الإنسان أخاه الإنسان! حسد أخاه حينما تُقُبِّل من أخيه القربان ولم يُتَقَبَّل منه، {قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة:27]، {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة:30].

المسلم ينبغي أن يكون خير ابني آدم:

صحيح حدث هذا، ولكن لماذا تُرِيدُ أيَّها الإنسان أن تكون ابن آدم الشِّرِّير الخبيث، ولا تكون ابن آدم الطيب الخيِّر، الذي قال لأخيه: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة:28]؟ لماذا تريد أن تكون قابيل كما يُسَمَّى، ولا تكون هابيل؟ لماذا تريد أن تكون الإنسان الذي لا تُقتَل نفس في الدنيا إلاَّ كتب عليه كفلٌ من الإثم؛ لأنَّه أول مَن سنَّ القتل في هذه الحياة.

إخوة يوسف يحسدونه وهو يسعهم بعفوه:

صحيح أنَّه وجد من أبناء الأنبياء من كادوا لإخوانهم، كما فعل أبناء يعقوب! أخوة يوسف حسدوا أخاهم يوسف وشقيقه، وقالوا: {ليُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا} [يوسف:8]{اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا} [يوسف:9].

صحيحٌ حدث هذا، وكان ما كان، ولكن لماذا تريد أيها المسلم أن تكون مثل هؤلاء الأخوة في حال شقوتهم؟ ولا تكون مثل يوسف، الذي كانت النتيجة له، وربح الدنيا والآخرة، واحتاج إليه أخوته فوسعهم بكرمه، ورحابة صدره، وعرف أنهم كانوا جاهلين في حالة الطيش، ولذلك حينما تعرَّفوا عليه قالوا: {أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف:90-92].

وطوى هذه الصفحة، وفتح لهم صفحة من جديد، وآواهم إليه، {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف:100].

لماذا لم تقف موقف يوسف وتعفو وتصفح؛ لتربح الدَّنيا والآخرة؟ لماذا تقف موقف الحسد والضغن على إخوانك؟

الدُّنيا أهون من أن يتقاتل الناس عليها:

والله إنَّا الدُّنيا لأهون من أن يتقاتل النَّاس عليها، من أن يخاصم الأخ أخاه، ويعادي القريب قريبه من أجل هذه الدُّنيا، الدُّنيا أهون من هذا كلِّه، "ولو كانت الدُّنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى الكافر منها شربة ماء"[7].

علام يتعادى النَّاس في هذه الحياة؟ ما الذي حدث للأسرة المسلمة فأصابها هذا التفكُّك؟

التَّسامح مع الأقارب:

لقد كان الرجل قديمًا في الجاهلية يسامح أقاربه، قتل رجل ابن أخيه، فجيء به وقدُّمَ إليه ليقتصَّ منه، والسيف في يده، وهمَّ أن يقتله قصاصًا؛ لأنه قتل ولده وفِلْذَة كبده، ثمَّ ألقى السيف من يده، وأنشد قائلاً:

أقول للنفس تأساء وتعزيــة
    

إحدى يدي أصابتني ولم تُرد

كلاهما خلف عن فقد صاحبه
    

هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي

ستخسر الأسرة رجلاً آخر إذا قَتل أخاه، فعفا عن أخيه.

وآخرٌ قال نفس الشيء:

قومي همُ قتلوا أميمَ أخي
    

فإذا رميتُ يصيبني سهمي

فلئن عفوتُ لأعفونْ جللاً
    


ولئن سطوتُ لأُوهنَنْ عَظمى[8]

سأصيب عظمي.

وقال العرب: أنفك منك وإن كان أجدع. إن كان أنفك مقطوع الطرف فهو جزء منك لا تستطيع أن تتبرَّأ منه، وهكذا ينبغي أن تكون الأسرة بعضها من بعض، يقول الشاعر:

أخاك أخاكَ؛ إن مَن لا أخا له
    

كساعٍ إلى الهيجـا بغير سـلاح

وإن ابنَ عم المرء فاعلم جناحُه
    

وهل ينهض البازي بغير جناح[9]

هل ينهض البازي بغير جناح؟ هل يستطيع أن يطير الصقر أو النسر بغير جناح؟ فكيف تستطيع أن تصير بغير جناح، أو تحارب بغير سلاح، لا, الله تعالى يقول: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأحزاب:6].

وقد قال عليٌّ لأحد أبنائه: أكرم عشيرتك، فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، وبهم تصول، وبهم تجول[10].
ـــــــ

[1]- رواه أحمد (1686)، وقال مخرجوه: صحيح لغيره، وأبو داود في الزكاة (1694)، والترمذي في البر والصلة (1907) وصححه، وصححه الألباني في الصحيحة (520).

والحديث متفق عليه: من حديث عائشة، رواه البخاري في الأدب (5989)، ومسلم في البر والصلة (2555) بنحوه.

[2]- رواه أحمد (16233)، وقال مخرجوه: صحيح لغيره، والترمذي (658)، والنسائي (2582)، وابن ماجه (1844)، ثلاثتهم في الزكاة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3858)، عن سلمان بن عامر الضَّبي.

[3]- رواه أحمد (23530) وقال مخرجوه: صحيح، والطبراني في الكبير (4/138)، والأوسط (3279)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1110)، عن أبي أيوب الأنصاري.

[4]- رواه الترمذي في الفتن (2211)، وقال: هذا حديث غريب، وضعفه الألباني في الضعيفة (1727)، عن أبي هريرة.

[5]- رواه النسائي في الكبري  في عشرة النساء (9129)، وأبو عوانة في الحدود (7036)، وابن حبان في السير (4492)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرطهما، وصحح إسناده الحافظ في الفتح (13/113)، وصححه الألباني في غاية المرام (271)، عن أنس بن مالك.

[6]- متفق عليه: رواه البخاري في العتق (2554)، ومسلم في الإمارة (1829)، عن ابن عمر.

[7]- سبق تخريجه.

[8] - من شعر حارث بن وعلة.

[9] - من شعر مسكين الدرامي.

[10]- المستطرف في كل فن مستطرف للأبشيهي صـ262.


اترك تعليق