مذابح بورما.. وصحوة ضمير متأخرة

By : أحمد عبد العزيز

أخيرًا، وبعد طول انتظار، شعر العالم بوخز الضمير تجاه مسلمي بورما، والانتهاكات التي يتعرضون من جانب أصحاب الديانات الأخرى من بوذية وغيرها، في ظل تجاهل تام من الحكومة هناك، وقوات الشرطة، والجيش، والقيادات السياسية، والنخبة المثقفة؛ وهو ما عَبَّرَتْ عنه بشكل واضح مؤخرًا زعيمة المعارضة هناك، وبدأت التحرك ضد هذه الممارسات، ولكنه تحرك متأخر جدًّا، خاصة من جانب المؤسسات الدولية والحكومات الغربية، الأمر الذي أدى إلى إزهاق مزيد من أرواح المسلمين هناك، فضلًا عن تبجح السلطات البورمية وتصريحاتها بأنَّه ليس للمسلمين حقوق في بورما.

وكانت أولى هذه التحركات المتأخرة من جانب منظمة هيومن رايتس ووتش، والتي وصفت الأحداث والانتهاكات ضد المسلمين هناك بالمروعة، وقالت هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته أمس الاثنين: "إنَّ قوات الأمن البورمية ارتكبت أعمال قتل واغتصاب واعتقالات جماعية في حق مسلمي الروهينجيا- بعد أنْ أخفقت في حمايتهم وحماية البوذيين الأراكان- أثناء أحداث العنف الطائفي الدامية غربي بورما في يونيو 2012م؛ حيث أدت القيود الحكومية المفروضة على وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق سكن الروهينجيا- إلى معاناة أكثر من 100 ألف نازح ومشرد من الحاجة الماسة للغذاء والمأوى والرعاية الطبية".

وأضاف التقرير: "كان بإمكان الحكومة وقف ما حدث؛ العنف الطائفي، والانتهاكات التي تلته في ولاية أراكان في بورما"- الذى صدر في 56 صفحة، يصف عملية إخفاق السلطات البورمية في اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف التوترات المتزايدة، واندلاع أحداث العنف الطائفي في ولاية أراكان، رغم أنَّ الجيش تمكن في نهاية المطاف من احتواء أعمال عنف العصابات في عاصمة الولاية، مدينة سيتوي، فقد قال شهود من الأراكان والروهينجيا لـ "هيومان رايتس ووتش":

إنَّ القوات الحكومية اكتفت بالمشاهدة، بينما كان هناك عناصر من المسلمين والبوذيين يهاجمون بعضهم البعض؛ فيقومون بتدمير قرى، ويرتكبون عددًا غير معروف من أعمال القتل".

وقال براد آدامز، مدير قسم آسيا في هيومن رايتس ووتش:

"أخفقت قوات الأمن البورمية في حماية الأراكان والروهينجيا من بعضهم البعض، ثم شنَّت حملة عنيفة واعتقالات جماعية ضد الروهينجيا، و تزعم الحكومة أنَّها قضت على أعمال قتال عرقي وانتهاكات، لكن الأحداث الأخيرة في ولاية أراكان تُظهر استمرار الاضطهاد والتمييز تحت رعاية الحكومة".

وطالبت هيومان رايتس ووتش الحكومةَ البورمية باتخاذ خطوات عاجلة من أجل وقف الانتهاكات التي ترتكبها القوات الحكومية، ومن أجل ضمان تدفق المساعدات الإنسانية، وأنْ تسمح للمراقبين الدوليين المستقلين بزيارة المناطق المتأثرة بالأحداث للتحقيق في الانتهاكات.

في نفس الوقت، أيضًا, وصل المقرر الدولي المختص بتقييم وضع حقوق الإنسان في بورما، توماس أوخيا كوينتانا، إلى غرب بورما للوقوف على "الانتهاكات" التي تتعرض لها أقلية الروهينجيا المسلمة.

وذكرت شبكة "إيه بي سي نيوز" الأمريكية أنَّ كوينتانا قام بزيارة ولاية "راخين" لإلقاء نظرة أولية على ما يجري في مدن وقرى هذه الولاية من أعمال عنف ضد المسلمين.

وأوضح المبعوث الأممي في تصريح له خلال الزيارة أنَّ أعمال التقصي التي يجريها هي الهدف الرئيس من وراء زيارته لبورما، التي بدأت يوم الأحد الماضي وتستمر لمدة أسبوع؛ لافتًا إلى أنَّ أعمال العنف ضد المسلمين تعد أحد أكبر التحديات التي تواجه بورما بالرغم مما تردد مؤخرًا عما جرى بها من إصلاحات.

كما أكدت منظمة "العفو الدولية" أنَّ المسلمين في ولاية "راخين" الواقعة غرب بورما يتعرضون لهجمات واحتجازات عشوائية في الأسابيع التي تلت أعمال العنف في المنطقة، وأعلنت حالة الطوارئ في راخين بعد اندلاع أعمال عنف دامية بين البوذيين والمسلمين.

وقال متحدث باسم منظمة العفو الدولية إنَّه منذ ذلك الحين ألقي القبض على المئات في المناطق التي يعيش فيها الروهينجيا المسلمون.

وتتهم منظمة العفو الدولية قوات الأمن البورمية وسكان راخين البوذيين بشن هجمات على المسلمين، وقتلهم، وتدمير ممتلكاتهم.

وقال بنجامين زواكي، الباحث في العفو الدولية: "أغلب الحالات هجمات تستهدف الروهينجيا الذين تحملوا معظم العنف في يونيو، ومازالوا يتحملون القدر الأكبر من الانتهاكات التي تقوم بها قوات الأمن في الولاية".

وقال كريس ليوا، مدير مشروع أراكان، الذي يركز أنشطته على الروهينجيا- لـ"بي بي سي": "إنَّ المئات من الروهينجيا المسلمين اعتقلوا، وتوجد مزاعم عن أنَّ بعضهم ضربوا وعذبوا".

وقال ليوا "بعد فترة قصيرة من أعمال العنف الرئيسة بدأنا نشاهد مرحلة مما أسميه انتهاكات بموافقة الحكومة، ونسمع بصورة يومية تقريبًا عن اعتقالات لأعداد كبيرة من الروهينجيا".

وتشير تقارير من شبكة مصادر المنظمة، ومعظمهم من الروهينجيا، إلى أنَّ السلطات سمحت للشباب في راخين بمهاجمة الروهينجيا المحتجزين.

ومن الصعب التيقن من هذه التقارير؛ لأنَّ الصحفيين لا يمكنهم الوصول إلى المنطقة، ومن المعلوم أنَّه يوجد توتر قديم الأجل بين الراخين، وهم بوذيون ويمثلون أغلبية سكان الولاية، وبين المسلمين من جماعة الروهينجيا العرقية.

ومن ناحيتها أدانت المفوضية الأوروبية المجازر التي ترتكبها جماعات بوذية متطرفة ضد المسلمين في بورما، والتي أودت بحياة الآلاف.

وشرعت المفوضية الأوروبية في تكثيف جهودها الدبلوماسية؛ من أجل الحد من المذابح التي ترتكب ضد المسلمين في منطقة "روهينجيا" ببورما, وفقًا لوكالة الأنباء التركية.

وقال مايكل مان، الناطق باسم المفوضة السامية لشئون السياسة الخارجية والدفاع في الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون: "إنَّ الاتحاد الأوروبي يتابع عن كثب أحداث العنف التي تستهدف الأقلية المسلمة في بورما".

وأشار إلى أنَّ الدبلوماسيين الأوروبيين سيجرون اتصالاتهم مع السلطات في بورما بناءً على تعليمات من آشتون، موضحًا أنَّ أخصائيي مكتب المفوضية الأوروبية للمساعدات الإنسانية تفقدوا مواقع الأحداث في بورما؛ من أجل تحديد حالة المنطقة والاحتياجات اللازمة لها.

واعترفت منظمة العفو الدولية في وقت سابق بأنَّ مسلمي بورما يتعرضون لانتهاكات على أيدي جماعات بوذية متطرفة، وتحت سمع وبصر الحكومة، وقالت:

"إنَّ المسلمين في ولاية راكين الواقعة غرب بورما يتعرضون لهجمات واحتجازات عشوائية في الأسابيع التي تلت أعمال العنف في المنطقة".

وقال متحدث باسم المنظمة: إنَّه- منذ ذلك الحين- ألقي القبض على المئات في المناطق التي يعيش فيها الروهينجيا المسلمون. وقال وين مييانغ، المتحدث الحكومي باسم ولاية راخين لوكالة أسوشيتد برس: "إنَّ المزاعم تتناقض تمامًا مع ما يحدث على الأرض"، وأضاف أنَّ المنطقة هادئة.

ولكنْ على الرغم من انخفاض حِدَّة العنف منذ الاضطرابات في يونيو الماضي تقول جماعات حقوق الإنسان: إنَّه يعتقد أنَّ انتهاكات قوات الأمن زادت.

وأعلنت حالة الطوارئ في راخين في يونيو بعد اندلاع أعمال عنف دامية بين البوذيين والمسلمين. وتتهم منظمة العفو الدولية قوات الأمن البورمية وسكان راكين البوذيين بشن هجمات على المسلمين وقتلهم وتدمير ممتلكاتهم.

وقال بنجامين زواكي، الباحث في العفو الدولية:

"أغلب الحالات هجمات تستهدف الروهينجيا الذين تحملوا معظم العنف في شهر يونيو، وما زالوا يتحملون القدر الأكبر من الانتهاكات التي تقوم بها قوات الأمن في الولاية".

وكانت مصادر حقوقية قد أكدت أنَّ عدد قتلى المسلمين في بورما قد وصل إلى 20 ألفًا؛ بسبب الاعتداءات التي بدأت يونيو الماضي ضدهم من قبل المتطرفين البوذيين بتواطؤ مع السلطات.

ويتعرض مسلمو خليج أراكان لعمليات عنف وقتل جماعية من قبل الجماعات البوذية المتشددة.

كذلك، وصفت مراسلة صحيفة "نيويورك تايمز" في بنجلاديش، الأحداث بأنَّها ليست عنفًا طائفيًّا فقط، بل "تطهير عرقي تدعمه الدولة"، وأنَّ دول العالم لا تضغط على ميانمار لوقفه، مشيرةً إلى أنَّه حتى زعيمة المعارضة، وأيقونة الديمقراطية في ميانمار، والفائزة بجائز نوبل للسلام سنة 1991م اونج سان سوتشي- التزمت الصمت، على رغم مناشدة المسلمين لها بمساعدتهم في إنهاء معاناتهم.

وإضافةً إلى القتل والتهجير على يد البوذيين عانى الروهينجيون الذين يراوح عددهم بين خمسة ملايين وثمانية ملايين نسمة، يعيش 70% منهم في إقليم راخين- من اضطهاد السلطات البنجلاديشية لهم التي تبنت قرارًا بعدم السماح لأي لاجئ بدخول البلاد؛ لأسباب تتعلق بوجود عدد كبير منهم على أراضيها، وأنَّ السماح للاجئين جدد سيؤثر على الأمن والنظام، وسيتسبب في أضرار بيئية واجتماعية خطيرة على البلاد، بحسب ما أعلنت وزيرة الخارجية البنجلاديشية ديبو موني الشهر الماضي.

هذا ما أكدته مراسلة "نيويورك تايمز" في بنجلاديش، التي نقلت عن الشهادة أنَّ المهجرين واجهوا الترحيل بعد وصولهم إلى بنجلاديش، بعدما كانوا قد تعرضوا لإطلاق نيران مروحية وفقدان ثلاثة من ستة قوارب، وغرق بعض الأطفال أثناء الرحلة النهرية، التي استغرقت أربعة أيام، ووفاة آخرين جراء الجوع.

ويأتي التصعيد الأخير في سياق طويل من الاضطهاد الممارس من قبل السلطات المحلية للمسلمين، وهو ما ذكره تقرير أخير للمفوضية العليا للاجئين أنَّ الروهينجيا يتعرضون في ميانمار لكل أنواع "الاضطهاد"، ومنها "العمل القسري، والابتزاز، وفرض القيود على حرية التحرك، وانعدام الحق في الإقامة، وقواعد الزواج الجائرة، ومصادرة الأراضي"، كما فرضت الحكومات المتعاقبة ضرائب باهظة عليهم، ومنعتهم من مواصلة التعليم العالي، ومارست ضدهم أشكالًا مختلفة من التهجير الجماعي والتطهير العرقي.

وعلى الرغم من مطالبة العالم السلطات الميانمارية بالاعتراف بالمسلمين الروهنجيا ومنحهم الجنسية- إلا أنَّ الحكومة ترفض هذه المطالب، بل وتصر على رفض اعتبارهم جزءًا من الشعب الميانماري، بل اعتبرتهم دخلاء على البلاد، وتستمر في العمل بتشريع ما عرف بـ"قانون الجنسية" عام 1982م الذي أعطى للمسلمين صفة "مواطنين درجة ثالثة"، وبموجب هذا القانون تم حرمانهم من تملك العقارات، وممارسة أعمال التجارة، وتقلد الوظائف في الجيش والهيئات الحكومية، كما تم حرمانهم من جميع الحقوق الإنسانية الطبيعية والأساسية؛ مثل حق التصويت في الانتخابات البرلمانية، وتأسيس المنظمات، وممارسة النشاطات السياسية.

أما على الصعيد السكاني، فمازالت الحكومة تقوم بإحداث تغييرات جذرية في التركيبة السكانية لمناطق المسلمين؛ فلا توجد أي قرية أو منطقة إلا وأنشأت فيها منازل للمستوطنين البوذيين سلَّمتهم السلطة فيها، ومنذ عام 1988م قامت الحكومة بإنشاء ما يسمى "القرى النموذجية" في شمال أراكان، حتى يتسنَّى تشجيع أُسَر البوذيين على الاستيطان في هذه المناطق.

اضطهاد لم يقف عند هذه الحدود، بل مارست الحكومة بمليشياتها عمليات طرد وتهجير جماعي متكررة، وهو ما حصل في عام 1962م عقب الانقلاب العسكري؛ حيث طرد أكثر من 300.000 مسلم إلى بنجلاديش، وفي عام 1978م طرد أكثر من نصف مليون مسلم في أوضاع قاسية جدًّا، مات منهم قرابة 40.000 من الشيوخ والنساء والأطفال، حسب إحصائية وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وفي عام 1988م تم طرد أكثر من 150.000 مسلم، وفي عام 1991م تم طرد قرابة 500.000 ألف، وذلك عقب إلغاء نتائج الانتخابات العامة التي فازت فيها المعارضة بأغلبية ساحقة؛ انتقامًا من المسلمين لأنَّهم صوتوا مع عامة أهل البلاد لصالح الحزب الوطني الديمقراطي.

وبعد هذا الاعتراف الواضح والصريح من المؤسسات الدولية والإعلام الغربي بما يحدث من مجازر ضد المسلمين في مينمار- هل سيتحرك العالم ويتخذ إجراءات فعلية أم سيكتفي بالكلام وفقط؟ كما هو الحال للمسلمين المضطهدين في مناطق كثيرة من العالم؛ بداية بأهل فلسطين وما يلاقونه على يد الإجرام الصهيوني، مرورًا بالشيشان والتعتيم والصمت العالمي على ما يحدث من الرئيس الروسي النازي بوتين، وانتهاء بمسلمي مينمار وغيرهم من المسلمين في شتي أنحاء العالم وسط صمت دولي وتقاعس إسلامي عربي.

وكأن الدَّمَ المسلم صار أرخص دَمٍ في العالم!.


اترك تعليق