مسئولية العلماء

By : عقيل محمد المقطري

تقع المسئولية على عاتق أهل العلم في بيان الأحكام الشرعية دون خوف أو وجل، ولا ينتظرون من يحركهم، أو يطلب منهم بيان الحكم، خاصة فيما يهم قضايا الأمة، ولا سلطان على العالم سوى العلم الشرعي والواقعي، فالعلماء موقعين عن الله كما وصفهم العلامة ابن القيم رحمه الله، وفتاواهم ليست محصورة على جانب العبادات والمعاملات، بل يدخل في ذلك مسائل السياسة والحكم.


ولا يجوز الفصل بين الدين والسياسة ؛لأن الفصل بينهما أمر طارئ على الأمة أدخله عليها من لا خلاق لهم ممن يعادون الشريعة الإسلامية، وإلا فمن الذي كان يدير شئون الحكم والسياسة في بداية الدولة الإسلامية؟ أليس هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهو القائل: (العلماء ورثة الأنبياء) ثم خلفه في سياسة شئون الدولة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضوان الله عليهم أجمعين ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: (إن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم كلما هلك نبي خلفه نبي) ألم يكن كثير من الحكام في العصور السالفة من العلماء.


وقد اتفقت الأمة إلا من شذ أن عصر الني صلى الله عليه وآله وسلم وعصور الخلفاء وما بعدها هي أزهى عصور الإسلام في الفتوحات حتى دب إليها الضعف، وما أصيبت الأمة بمقتل إلا لما ابتعدت عن دينها وفصلت السياسة عن الدين، ومعلوم أن تنحية السياسة عن الدين طعن في الدين نفسه إذ أن ذلك يعني أن الدين ناقص وأن الله لم يتمه.


إن المؤسسات العلمية والدينية ـ كـ (دار الإفتاء وجمعيات العلماء والقضاء.. إلخ)ـ يجب أن تكون مستقلة كل الاستقلال عن هيمنة الحاكم سواء في الناحية المالية، أو الإدارية حتى لا يؤثر الحاكم على قراراتها، ويستغلها لصالحه، بل كل مؤسسة هي التي تختار رئيسها وهيئتها الإدارية وفق المعايير والضوابط الخاصة بها بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو حزبية بل أرى أن من واجب العالم أن يبقى موجهاً للأمة بأكملها وأن يدور مع الحق حيث دار.


ومن الواجب على الدولة أن تمنح هذه المؤسسات الميزانية اللازمة التي تقدمها، وتوضع هذه الميزانية دفعة واحدة في حساب خاص بتلك المؤسسة، وتقوم كل هيئة بصرف الميزانية وفق خططها مع المراقبة من قبل الجهات المختصة حتى لا يتسرب الفساد إليها من قبل الإداريين.


ولقد كان للأزهر دوره الريادي على مستوى العالم الإسلامي قبل أن يصير مؤسسة من مؤسسات الدولة يعين الحاكم شيخ الأزهر بحسب الصفات والمعايير التي تناسبه، وميزانيته من قبل الدولة يتحكم بمرتبات الشيوخ، وبالتالي صار الأزهر لا يتكلم إلا بعد أن يأذن له الحاكم، وبعد معرفة ماذا سيقول، وأنا أتمنى أن تعود للأزهر مكانته وريادته، وستعود بإذن الله كما قد سمعنا من مصادر مسئولة بعد نجاح ثورة يناير 2010م أن شيخ الأزهر سيكون بالانتخاب من جميع أنحاء العالم الإسلامي، وهذا هو الصحيح.


كما كان عليه الحال قبل تسلط الحاكم عليه، لقد أسس رأس النظام السابق في بلدنا ما يسمى بجمعية علماء اليمن، هذه الجمعية كما عرفتُها لم تكن متحررة عن هيمنة صالح، فما كانت تتحرك إلا بإذنه، ومنذ تأسست لم تحصل أي انتخابات لهيئتها الإدارية، ولم تتغير، ولم تفتح فروعا في أي محافظة ـ فيما أعلم ـ بل إن هذه الجمعية لم تضع أي معايير أو مواصفات للعالم الذي يحق له أن يكون عضواً فيها اللهم إلا في الأوراق، وإلى يومنا هذا لم تصرف بطائق عضوية لكثير من العلماء الكبار في البلد وصرفت لبعض طلاب العلم بطريقة أو بأخرى، حتى صار هؤلاء يتبجحون بأنهم أعضاء جمعية علماء اليمن فيصدرون الفتاوى جزافا، ويضعون الأدلة في غير موضعها ويبرزون في وسائل الإعلام على أنهم من كبار العلماء، ولقد كان رأس النظام ـ في حال احتياجه لفتيا معينة أو بيان معين ـ فإنه كان يرصد لذلك ميزانية، وتقوم الجمعية بحشد العلماء وطلبة العلم والمؤذنين وأئمة المساجد، وكانت الجمعية تصدر بياناتها دون أن يوقع عليها العلماء بل كانت البيانات تتلى ويعترض البعض على بعض البنود ولكن لم يكن يلتفت إليهم.


ولقد كانت تمر قضايا جسام تهم الأمة بعامة واليمن بخاصة وما كانت الجمعية تستدعي أحداً لتدارس تلك الأوضاع لأن الحاكم لم يأذن بذلك وليس له أي مصلحة فيما لو اجتمعوا، إن آخر اجتماع دعي إليه العلماء استثني فيه العلماء الذين أيدوا مطالب الشعب في التغيير وكانوا أغلبية العلماء، ولم تستطع حينها الجمعية أن تحشد العلماء فحشدت طلبة العلم والأئمة والمؤذنين، وبعض موظفي مكاتب الأوقاف وبعض الوعاظ من ضباط التوجيه المعنوي، وأصدروا ذلك البيان الذي أجاز للحاكم ولجنوده قتل الشعب الأعزل بحجة أنهم خوارج، واعتبروا ما يقوم به الجنود من القتل جهاداً في سبيل الله، وبعد أن تنحى علي صالح عن الحكم وسلم اليمن لأيدي أمينة أو آمنة وصار الحاكم المنتخب لليمن عبد ربه منصور هادي والذي كان من أوائل من انتخبه ودفع الشعب لانتخابه هو علي صالح وحزب المؤتمر.


واليوم يرى العلماء الذين ينتسبون إلى الجمعية أو الذين كانوا يدندنون حول طاعة ولي الأمر ممن ليس في الجمعية يرون أحداثا جساما تحدث في البلد في صعدة وحجة من قبل الحوثيين، وكذلك تفجير أبراج الكهرباء وأنابيب النفط والغاز، واقتحام لوزارة الداخلية، ومحاولة اقتحام لوزارة الدفاع وقد ذهب بسبب ذلك المئات من القتلى والجرحى، وكذا قطع الطرق وإراقة الدماء وغير ذلك، ولم نسمع لهم أي تصريح أو بيان، ولم تجتمع الجمعية لتتدارس مثل هذه القضايا وتصدر بيانا تبين فيه أن هذه الأعمال من الخروج على الحاكم ومن أعمال الحرابة أياً كان الفاعل.


فأين القيام بالواجب الديني الذي كلف الله به العلماء فقال: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُون) فهل ينتظر هؤلاء أن يستدعيهم صالح لاستصدار بيان أم أنهم يخافون من عودته مرة أخرى للحكم، لقد أصم كثير من هؤلاء آذاننا في العامين الماضيين باتهامهم لكثير من أهل العلم وغالبية الشعب بأنهم من الخوارج ـ عبر وسائل الإعلام المختلفة ـ المرئية والمسموعة والمقروءة، بل وعبر منابر المساجد ـ واليوم تمر البلد بأحداث كبيرة ولم نسمع لهم كلمة ـ إلا من رحم الله ـ بل إن بعضهم لا يزال يرى أن الحاكم الفعلي هو علي صالح وأن هادي مغتصب للسلطة أليس هذا من الكيل بمكيالين ومعتقده صاحب وجهين. 


اترك تعليق