هلاك زيناوي والمسلمون الأوائل

By : محمد هشام راغب

 مات الطاغية ملس زيناوي رئيس الوزراء الإثيوبي، الرجل الذي حكم بلاده لأكثر من عشرين عامًا بالحديد والنار وسحق كل معارضة له، وامتلأت سجونه بكل رموز المعارضة وبالصحفيين وبكل زعماء المسلمين. وقد استولى زيناوي على السلطة بانقلاب دموي، ثم بانتخابات مزورة حصل في آخر جولة منها عام 2010م على نسبة 99% من الأصوات!! برغم أن 40% من السكان مسلمون رافضون لسياساته القمعية. وفي آخر انتخابات برلمانية اعتقلت السلطات كل قيادات المعارضة بعد حصولها على أعداد غير مسبوقة من المقاعد البرلمانية، وصدرت عليهم أحكام بالسجن المؤبد بتهمة الخيانة.

وكان زيناوي برغم حكمه الدكتاتوري، رجل أمريكا والغرب في القرن الإفريقي، حيث غضوا الطرف عن الانتهاكات المروعة وآلاف الحالات الموثقة لتعذيب وقتل المعارضين، وأخذ الغرب يكيل الثناء لهذا الزعيم الطاغية، بدءًا من الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون الذي رأى زيناوي جزءًا من "جيل جديد" من الزعماء الأفارقة، ووجهت له الدعوة للمشاركة في مبادرة رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت توني بلير للتنمية في إفريقيا، إلى الرئيس أوباما الذي دعا زيناوي على هامش قمة مجموعة الثماني في شيكاغو في مايو الماضي (وقد قاطع وقتها أحد الحاضرين زيناوي أثناء إلقائه لكلمته وقال له: أنت دكتاتور، لقد ارتكبت جرائم ضد الإنسانية).

وقد أرسل زيناوي قواته العسكرية مرتين في السنوات الأخيرة وقامت باحتلال أجزاء واسعة من الصومال تحت سمع وبصر وصمت المجتمع الدولي، وتحت دعم وتأييد فجّ من الولايات المتحدة وحلفائها. كما كان لزيناوي دور بارز في تأجيج مشاعر العداء لمصر بين دول حوض النيل.

وكان أكثر من مليون من المسلمين قد احتشدوا لصلاة عيد الفطر هذا الأسبوع في أكبر إستاد رياضي بالعاصمة أديس أبابا، ثم خرجوا بعد الصلاة في مليونية سلميَّة للتنديد بالقمع الحكومي والمطالبة بالإفراج عن زعماء المسلمين السبعة عشر، الذين انتخبهم المسلمون ليمثلوهم في أي مفاوضات مع الحكومة، فما كان من زيناوي إلا أن اعتقلهم جميعًا في مايو الماضي. وقام المحتجون في مليونية العيد برفع مناديل بيضاء تعبيرًا عن حبهم للسلام، ورفضًا للحملات الإعلامية الرسمية بأن المسلمين ضد السلام والاستقرار..

وعبَّروا بإشارات مختلفة كتكبيل الأيدي إشارةً إلى ما يتعرض له المسلمون والمسلمات من اعتقالات متكررة من المساجد والتجمعات العامة. وكان يمسك كل فرد بيد من بجانبه تعبيرًا عن الوحدة الإسلامية التي تحاول الحكومة أن تزعزعها بجلب دعاة طائفة الأحباش العنيفة من بيروت. كما رفعوا أيديهم بالشهادة دلالةً على التمسك بعقيدتهم.

كما نظمت احتجاجات مماثلة في كل من مدن أداما ودسي وجيما وخميسي ومتو ودرداوا وهرر ومدن كثيرة، وأعلن المنظمون للاحتجاج استمراره حتى تستجيب الحكومة لمطالبهم، وحتى تفرج عن ممثليهم.

لقد كان عيد الفطر مناسبة مهمَّة لإيصال المسلمين صوتهم للحكومة الإثيوبية وللشعب الإثيوبي بأنهم لن يتخلوا عن مطالبهم الشرعية، وأنهم متحدون خلف قضيتهم الإسلامية، وقالوا: "إننا نرسل رسالة قوية من جميع المسلمين للحكومة"، بحسب البيان المنشور في صفحة الفيس بوك الشهيرة في إثيوبيا "دمتساتشن يسما" (أو: ليُسمع صوتنا).

وقد شنت الحكومة هجمة شرسة في السنوات الأخيرة ضد الدعاة والشباب الملتزمين بتهمة الإرهاب والانتماء لتنظيم القاعدة، وسجنت وعذبت الآلاف منهم، واقتحمت المساجد وأغلقت معظم صحف ومجلات المسلمين. وقد خطط نظام زيناوي لإحداث فتنة الأحباش التابعين للضالّ المضلّ عبد الله الهرري، حيث تحاول أن تجعل من أقلية الأحباش أغلبية في المجلس الأعلى للمسلمين، وهو ما يراه المسلمون تدخلاً صارخًا في شئونهم الدينية، وزرعًا للفتنة لتحقيق أهداف سياسية للحكومة.

هل يُذكِّر هلاك زيناوي بوضع المسلمين المأساوي في أرض الهجرة الأولى؟ شاهدوا على اليوتيوب صلاة عيد الفطر والمليونية التي تبعتها، واسمعوا آهات وشكاوى المضطهدين من إخوتنا هناك.

هل تُحرِّك الأحداث الحكومة المصرية والجامعة العربية لإقامة علاقات قوية وإستراتيجية مع إريتريا والسودان؛ لإحداث توازن في القرن الإفريقي ضد النفوذ الغربي والإسرائيلي في إثيوبيا التي يُتوقع أن تمر بفترة طويلة من الفراغ السياسي؟ وهل تنتبه المنظمات الإسلامية والدعاة ووسائل الإعلام لقضايا المسلمين هناك؟

اللهم اجعل هلاك زيناوي إيذانًا بتفريج الكربات عن المسلمين في إثيوبيا.. {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 45].


اترك تعليق