بين رمضان وشوال.. لطيفة قرآنية

By : حمزة محمد وسيم البكري

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيِّد الأولين والآخرين، سيِّدنا ومولانا مُحمَّدٍ خاتم النبيِّين، وعلى آله الطاهرين، وصحبه الأكرمين، وبعد:


فمن المعلوم أنّ شهر شوال يعقبُ شهر رمضان، في ترتيب شهور السنة العربية  القمرية، وشهر رمضان هو الظرفُ الزمانيُّ الشرعيُّ لفريضة الصيام، وشهرُ شوال هو بدايةُ الظرف الزماني الشرعي لفريضة الحج، وكلتا الفريضتين ركن من أركان الإسلام.


ومن لطيف المُناسبات في ترتيب الآيات في كتاب الله تبارك وتعالى أن تَرِدَ آياتُ الحج عَقِبَ آيات الصيام في سورة البقرة، مُوافِقةً الترتيبَ الزمانيّ لكِلتا الفريضتَين، فآيات الصيام تبدأ في سورة البقرة من الآية (183) بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، وتنتهي بالآية (187) بقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يُبيِّنُ اللهُ آياتِه للناس لعلهم يتقون﴾.


ثم تبدأ آيات الحج من الآية (189) بقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾.


وكان ذِكرُ الأهِلّةِ فيها حَلْقةَ وَصْلٍ بين الصيام والحج، جعل الانتِقالَ من الحكم الأول إلى الثاني سائغاً، إذ هاتان الفريضتان مرتبطتان في ثبوت زمانَيْهما بالهِلال، بخِلافِ الصلاة المُرتبطة في ثبوت أوقاتها بالشمس.


ثم تتوالى آيات الحج في سورة البقرة، من الآية (196) إلى الآية (203)، وهي قوله تعالى: ﴿وأتِـمُّوا الحجَّ والعُمرةَ لله﴾، إلى قوله: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تُحشَرون﴾.


هكذا يتناسقُ ترتيبُ آيات الحج بإثر آيات الصيام ليُناسبَ الواقعَ الزماني لأشهر الحج ـ وهي شوال وذو القعدة وتسعٌ من ذي الحجة ـ الواقعةُ بإثر شهر الصيام وهو شهر رمضان.


وهنا لا بُدّ من وِقفة، وهي أن أشهرَ الحج  وقعت بعد شهر رمضان مباشرة، لا فاصلَ بينهما، أما آياتُ الصيام وآياتُ الحجّ في سورة البقرة فإنها وإن جاءت متوالية على الوجه المذكور آنفاً، إلا أنه فصل بينها آيةٌ واحدة، وهي الآية (187)، أعني: قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتُدْلوا بها إلى الحكّام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾، وهي آيةٌ في أحكام المعاملات، فيها تحريم أكل أموال الناس بالباطل، وهي قاعدةٌ عامةٌ تشملُ صوراً كثيراً، حيثُ يندرجُ تحتها تحريمُ الربا والغصب والسرقة والغش والغبن والغرر ... إلخ، وفيها أيضاً تحريمُ إدلاء الأموال إلى الحكام للتعدي على حقوق الناس، أي: تحريمُ تقديم الرِّشا بصُوَرِها الكثيرة.


وقد يُستَغرَبُ لأولِ وَهْلةٍ توسُّط هذه الآية بين آيات الصيام والحج، وبعبارة أخرى: توسُّط آية مُتعلِّقةٍ بالمعاملات بين آياتٍ مُتعلِّقةٍ بعبادتَين بَدَنيَّـتَين، بل بين رُكنَين من أركان الإسلام، وهذا وحدَه كافٍ في الاستغراب، كيف وقد انضمَّ إليه تناسقُ ترتيب آيات الحج بإثر آيات الصيام المُناسِبُ لترتيب فريضة الحج بإثر فريضة الصيام في الظرف الزماني الشرعي، ولا فاصل بينهما في الزمان، وهذا يقتضي أن لا يكون فاصلٌ بينهما في الآيات أيضاً؛ ليتمَّ التناسق.


وهذا الاستغرابُ في محلِّه، وهو ما يُثيرُ الذِّهنَ ويَستَحِثُّ الفِكرَ للبحث عن حِكمةِ توسُّط هذه الآية بين تلك الآيات المُتناسِبةِ المُتناسِقة، أو قل: عن حِكَم هذا التوسُّط.


ولعل من هذه الحِكم: التنبيه على شمولية مفهوم الدين، وعدم حَصْره في العبادات كما قد يتقاصـرُ فَهْمُ بعض الناس ـ بل كثير منهم في عصـور طغيان العِلمانية كعصـرنا ـ فينحطُّ إليه، أعني: إلى هذا الحصـر، فتوسَّطت هذه الآيةُ في المعاملات آياتِ تَيْـنِك الفريضتَين من العبادات البدنية ومن الأركان الإسلامية الأساسية؛ للتنبيه على هذا المعنى.


ولعل منها أيضاً: تعظيمُ شأن حقوق العباد، والإشارةُ إلى ضرورةِ أدائها إلى أصحابها، وتحريم الاعتداء عليها، وكونِ المُطالبةِ بها عند الله عزّ وجلّ عظيمة، فالصيامُ من مُكفِّرات الذنوب، وقد ورد فيه أنّ «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، [أخرجه البخاري (38)، ومسلم (2014)]، والحج من مُكفِّرات الذنوب أيضاً، وقد ورد فيه أنّ «مَن حجَّ فلم يَرفُث ولم يَفسُق رجع كيومَ ولدتُه أمُّه»، [أخرجه البخاري (1521)، ومسلم (1350)]، فأتى توسُّط هذه الآية من آيات المعاملات ـ وفيها ما ذكرنا من حُرْمة أموال الناس وحفظ حقوقهم ـ تنبيهاً على شِدّةِ الاهتمام بهذه الحقوق، وتعظيم أمرِ تلك الحرمة، حتى في سياق مُكفِّرات الذنوب، ومُوجبات العفو والمغفرة والرحمة( ).


والحمد لله بدءاً وخِتاماً
وصلاةً على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلاماً
* * *


اترك تعليق