معهد بناء وصناعة العلماء

By : وصفي عاشور أبو زيد

أصبحت حاجة أمتنا اليوم للعلماء الربانيين والدعاة الصادقين أكثر من أي وقت مضى، وبخاصة بعدما ودَعَنا في العقدين الأخيرين جمعٌ غفيرٌ من العلماء الكبار الذين حملوا الرسالة وأدوا الأمانة، وجاهدوا في الله حق جهاده حتى قضوا، وما بدلوا تبديلا.

 

فقد ودعنا الشيخ محمد الغزالي والشيخ جاد الحق والشيخ العدوي والشيخ الألباني والشيخ كشك والشيخ ابن باز والشيخ السيد سابق والشيخ عبد المعز عبد الستار والشيخ ابن عثيمين والشيخ عبد العظيم الديب والشيخ أحمد العسال والشيخ الشعراوي .. وعدد كبير من الأسماء الكبيرة التي سطعت في سماء العلم، وطار ذكرها في مجال الدعوة، وأثرت في الأمة والإنسانية تأثيرا واسعا.


وهذا يلقي التبعة على علماء العصر أو من بقي من كبارهم، ويعظم الحمل على كواهلهم؛ أن يورِّثوا علمهم لجيل من شباب العلماء وطلبة العلم الجادين حتى تستمر الراية مرفوعة، وتبقى الكلمة مسموعة، ويظل نور النبوة - وهو العلم - في الأمة لا ينقطع حتى يرث الله الأرض ومن عليها.


ومع إيماني بأن الله يهيئ لهذه الأمة قادة ومصلحين، ودعاة وعلماء ربانيين، فإن هذا لا يعفي كبار علمائنا من المسئولية، ولا من الأخذ بالأسباب، لا سيما بعد أن اضطرب الناس أمام الفضائيات وبين يدي اختلاف الفتاوى والمقولات، فقد أصبحنا بحاجة لرموز علمية راسخة قوية، يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله، ولا يخشون في الله لومة لائم.


ومن هنا كان إنشاء معهد بناء لإعداد العلماء التابع لمؤسسة "بناء" بإشراف أستاذنا د. صلاح الدين سلطان الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وفقه الله، ذلك المعهد الذي أسهمت فيه جمعية "طرح الخير" بحي زهراء المعادي بالقاهرة بسهم وافر؛ إدارةً وتنظيمًا، وجهدا مستمرا وعطاء موصولا.


يقوم المعهد على انتقاء عدد من طلبة العلم بناءً على معايير علمية وتربوية ودعوية ونفسية واجتماعية ودعوية، تحريريا وشفهيا، وتوفر لكل تخصص لجنة معتبرة تستطيع أن تحدد المقبول من الطلاب بدقة واقتدار.. ثم وضعت للمعهد مناهج شاملة، في العلوم الشرعية والإنسانية، والعلوم التجريبية، واللغات، والتنمية البشرية والإدارية، ولكل مادة أستاذ يدرس، وشيخ كبير يعطي الخبرة والتجربة، إضافة إلى برنامج تربوي إيماني يبدأ قبل صلاة الفجر بساعة ونصف الساعة إلى صلاة الفجر, مكثا في المسجد حتى الشروق، ثم إلى البرنامج الرياضي لتقوية البدن فالإفطار ثم إلى ساحة الدرس العلمي الرصين، حتى صلاة الظهر والغداء ثم القيلولة، ثم إلى مراجعات للواجبات ومتابعات لبعض الشئون العلمية، ثم تنمية إدارية وبشرية ولغات.


لقد بدأ الأسبوع الأول من العملية التربوية الشاملة في المعهد أوائل أكتوبر الحالي، بـ 30 طالبا تم اختيارهم من أكثر من 200 متقدم، والثلاثون من جنسيات شتى بلغت ثماني جنسيات, ثلثاهم من المصريين، أملا أن يكون المصريون في الدفعات القادمة نصف العدد والنصف الثاني للجنسيات الأخرى.


لقد انطلقت التجربة، وهي تجربة رائدة وفريدة فيما أحسب، والأمة بحاجة ماسة إليها في الوقت الراهن لا سيما بعد أن منَّ الله على مصر بالحرية ومكَّن العاملين والدعاة فيها من عمل الخير وخير العمل، ولا يوجد الآن عمل أهم من إعداد العلماء الربانيين لواقعنا وأمتنا وعالمنا المعاصر.


اترك تعليق