الرنتيسي.. صفحة مجاهد وشهيد تأبى أن تطوى

By : محمد سرحان

 (إنها ميتة واحدة.. إما على الفراش أو بالأباتشي.. وأنا أدعو الله أن تكون بالأباتشي) كلمة تلخص حياة وغاية أسد فلسطين الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، أحد مؤسسي حركة (حماس) الذي ارتقى إلى ربه شهيدًا وكما تمنى، بقذائف الأباتشي، في مثل هذا اليوم الأربعاء، قبل 9 سنوات، في 17 من إبريل عام 2004، وبعد 26 يومًا فقط، من استشهاد رفيق دربه الشيخ أحمد ياسين.

 

"أن تدخلني ربي الجنة.. هذا أقصى ما أتمنى"تلك كانت آخر الكلمات التي تغنى بها الرنتيسي يوم استشهاده، حيث استيقظ في فجر هذا اليوم السبت 17 من إبريل 2004، واغتسل، وتعطر، وكأنه يعلم أن الملتقى سيكون قريبًا، وفي المساء، خرج من منزله فاستهدفته صواريخ الاحتلال لينتقل إلى الرفيق الأعلى محققًا بذلك أسمى أمانيه وما سعى إليه مجاهداً بكل ما هو غالي ونفيس عنده.


تسع سنوات مضت على استشهاد أسد فلسطين، وحماس مازالت على العهد، وإذا رحل ياسين والرنتيسي وغيرهما من الأبطال المجاهدين، فلتعلم إسرائيل أن استشهاد قائد، يخلفه ألف قائد، فها هي حماس تعلو وتسمو في طريق الجهاد من أجل فلسطين قضية المسلمين الأولى، لتستمر المقاومة التي تستعر يومًا بعد الآخر، ويشتد بأسها مرحلة تلو الأخرى، والجميع يقدم روحه فداءً لفلسطين، لا لغاية سوى الحرية، وتحرير الأرض المقدسة من دنس الصهاينة.


الرنتيسي ..مسيرة عطاء
ولد الرنتيسي في 23 أكتوبر 1947 في قرية يبنى (بين عسقلان ويافا)، وكان عمره ستة شهور عندما تم تهجير عائلته وآلاف العوائل الفلسطينية من مناطق سكناهم إلى الضفة والقطاع والقدس والشتات.


تخرج من كلية الطب بجامعة الإسكندرية عام 1972، ونال منها لاحقا درجة الماجستير في طب الأطفال، ثم عمل طبيبا مقيما في مستشفى ناصر بخان يونس عام 1976، وشغل الدكتور الرنتيسي عدة مواقع في العمل العام منها.


كان الرنتيسي أحد قياديي حركة الإخوان المسلمين السبعة في قطاع غزة عندما حدثت حادثة المقطورة، فاجتمع قادة الإخوان بقطاع غزة وعلى رأسهم الرنتيسي على إثر ذلك، وتدارسوا الأمر، واتخذوا قرارًا مهما يقضي بإشعال انتفاضة في قطاع غزة ضد الاحتلال الصهيوني.


وفي 17/12/1992 أبعد الرنتيسي مع 416 مجاهدا من نشطاء وكوادر حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان، حيث برز كناطقٍ رسمي باسم المبعدين الذين رابطوا في مخيم العودة في منطقة مرج الزهور لإرغام سلطات الاحتلال على إعادتهم وتعبيرًا عن رفضهم لقرار الإبعاد الإسرائيلي.


بلغ مجموع فترات الاعتقال التي قضاها الرنتيسي في السجون الصهيونية 7 سنوات، بالإضافة إلى سنة قضاها مبعدًا في مرج الزهور بأقصى جنوب لبنان عام 1992، وكان أول قيادي في حماس يعتقل بتاريخ 15/1/1988، وأمضى مدة 3 أسابيع في المعتقل ثم أفرج عنه ليعاد اعتقاله بتاريخ 5/3/1988.


الرنتيسي.. شاعرًا
كان الرنتيسي شاعرًا يكتب القصائد التي أغلبها ما كان من النوع الحماسي الخطابي، يتغنى بالحرية والحض على تحرير فلسطين، ومن قصائده: ("حديث النفس"، الليل آذن بالرحيل، دعونا اليوم نعلنها صراحة، قم للوطن، التحدي").


من أشهر كلمــــاته
للرنتيسي كلمات خالدة اشتهر بها ومن هذه الكلمات:
"إنها ميتة واحدة إما على الفراش أو بالأباتشي وأنا أدعو الله أن تكون بالأباتشي".


"ليفعلوا ما يشاءون، ليقصفوا سياراتنا، بيوتنا، ليغتالونا، ولكن نعاهد الله ثم نعاهدكم أن نمضي قدمًا في مسيرتنا، حتى نحرر ثرى الوطن من دنس الصهاينة الغاصبين".


"مسيرتنا مسيرة طويلة، تحتاج إلى الصبر إلى الثبات، إلى الصمود".


وكثيرًا ما كان يقول: "أنا الغريق فما خوفي من البلل".


"لو رحل الرنتيسي ورحل الزهار ورحل هنية ورحل نضال ورحل صيام ورحل الجميع، والله لن نزداد إلا لحمة ولن نزداد إلا حبًا.. فنحن الذين تعانقت أيادينا في هذه الحياة الدنيا على الزناد، ستتعانق أرواحنا غدًا في رحاب الله.


"إن الثوابت لا تتغير..فوالله الذي لا إله إلا هو لن نفرط في شبر من الوطن..لا تنازل.. لن نقبل بالوجود الصهيوني على أرض فلسطين..لا أمن لهم في أرضنا، لن نفرط في بيت المقدس..في حق العودة..لن ننسى أولئك الذين يقفون اليوم خلف القضبان".


"أرض فلسطين جزء من الإيمان.. وقد أعلنها الخليفة عمر بن الخطاب أرضاً للمسلمين قاطبة، ولهذا، لا يحق لفرد أو جماعة بيعها أو إهداؤها."


"أمريكا تعلن الحرب على الله وبني صهيون يعلنون الحرب على الله والله يعلن الحرب على أمريكا وعلى بني صهيون".


ومن أشهر كلماته.. عندما كان في مقابلة مع إحدى القنوات الأجنبية، بعد توليه مسئولية حركة حماس في قطاع غزة، عقب استشهاد الشيخ أحمد ياسين في 22 مارس 2004، حيث سأله المراسل باللغة الإنجليزية ألا تخشى الموت وتلقى مصير أحمد ياسين؟ فرد قائلا: إنها ميتة واحدة إما على الفراش أو بالأباتشي وأنا أدعو الله أن تكون بالأباتشي، وفعلا استهدفته يد الغدر الصهيوني بالأباتشي ليلقى ربه شهيد صادقا".


لقد عرفت الأمة باستشهاد الرنتيسي وقبله الشيخ ياسين، والمقادمة وأبوشنب وشحادة ومنصور، عياش وصيام، وغيرهم، لماذا يٌقتل هؤلاء، فيما تبكي إسرائيل على من أسقطتهم ثورات الشعوب العربية، فالذين قادوا المقاومة ليسوا كمن وأدها وقدم لإسرائيل فروض الولاء والخنوع.


إن التاريخ سيخلد ويذكر الذين قدموا أرواحهم فداءً لعزة قومهم لا من قدموا أرواح بني وطنهم لتكون أجسادهم درج في سلم المجد الزائف يصعدون عليه.


مثل هذه القامات التي رحلت أجسادها وبقي نضالها لتنهل الأمة من عطر سيرها، نقشت علي جدران القلوب اسم "فلسطين" وقضيتها، تلك الهامات التي وقفت كالأسود متحدية الكيان الصهيوني، أزاحت قيود الطغيان من أمامها وأثبتت أن فلسطين ستظل إسلامية.


اترك تعليق