المالكي إذ يرفض السلمية

By : شريف عبد العزيز الزهيري

في شهر أبريل وتحديدًا في الثالث عشر منه سنة 1975 كانت منطقتنا العربية والإسلامية على موعد مع حادثة كانت ستكون شرارة البدء لحرب أهلية دموية مريرة استمرت لأكثر من خمس عشرة سنة وما زالت آثارها قائمة حتى الآن، الحادثة هي عين الرمانة حيث قتل أكثر من ثلاثين فلسطينيًّا بعد الاعتداء عليهم من قبل المليشيات المارونية الطائفية بقيادة آل فرنجية تحت شعار الدفاع عن الوطن، وتطهيره من الدخلاء والغرباء، والمكان هي أرض لبنان التي أصبحت ساحة خلفية للعديد من القوى الإقليمية والدولية تتصارع فيها على المصالح والنفوذ. واليوم وفي نفس الشهر بدأت فصول نفس المأساة تلوح في الأفق، بعدما أقدمت مليشيات المالكي الطائفية المسماة زورًا بالجيش العراقي، بالاعتداء على المعتصمين السلميين في ساحة قضاء الحويجة بقضاء كركوك، لينتهي الهجوم بمقتل وجرح المئات، لتندلع بعدها أعمال عنف واسعة في العديد من الأقاليم العراقية ذات الطابع العشائري، وأغلبها محافظات السنة التي تشهد اعتصامًا طويل الأجل منذ أربعة شهور، منذرة بحرب أهلية ذات أبعاد طائفية وعشائرية تزيد من أوجاع بلد لم يعرف الاستقرار منذ عهود، فلماذا يجازف المالكي بهذه الخطوة الجريئة؟ وما هي أهدافه من ورائها؟ وعلى ماذا يراهن هذا الطائفي البغيض في بلد لم تهدأ فيه نائرة الطائفية منذ عهود؟

 

المالكي يحكم العراق منذ أكثر من سبع سنوات، وخَبَرَها جيدًا وخَبَرَ أهلها بكافة أطيافهم ومكوناتهم، وعرف مواطن القوة ونقاط الضعف، ومراكز التأثير، وبؤر التفجير، واستطاع أن يحقق معادلة الاتزان التي ضمنت له الاستمرار في منصبه رغم إخفاقاته الكثيرة، والانهيار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الشامل، حتى أن العراق ظل محتفظًا في عهد المالكي بلقب البلد الأكثر فسادًا وخطرًا في العالم، عدة سنوات متتالية، المالكي حقق معادلة الاتزان بالجمع بين الولاء لأمريكا وإيران في نفس الوقت، وعلى طريق محفوف بالأخطار والمنافسين، سار المالكي على نهجه الطائفي الميكيافيلي، لا يبقي على قريب أو بعيد، على استعداد للتخلي عن أقرب أعوانه من أجل تحقيق أهدافه وأغراضه الشخصية والطائفية، لذلك فتحركات الرجل الأخيرة جاءت متسقة مع أجندته وخلفيته.


المالكي يعلم بحكم الخبرة ورصيد التجربة أن اعتصامات المحافظات السنية قد أصبحت مصدر خطر حقيقي على نفوذه وحكمه، بل وحكم الطائفة الشيعية كلها، فالاعتصامات ظلت محافظة على حيويتها وسلميتها طيلة أربعة شهور، والحراك الشعبي كل يوم في ازدياد، ولأول مرة تنجح الاعتصامات السلمية في توحيد ست محافظات على نحو لم نشهده من قبل، ونشأت بين ساحات الاعتصام قضايا مشتركة أفرزت تنسيقًا عاليًا في المواقف والرؤى والقرارات، وبرزت وللمرة الأولى قيادات مدنية وشبابية بدأت تدير الساحات بكفاءة ووعي، ولعب العلماء دورًا بارزًا في توجيه الساحات وتوحيدها وإضفاء الشرعية عليها، وقد توج هذا العمل المشترك بالإضراب العام الذي أعلنته اللجان التنسيقية للساحات كافة والتزمت به جميع المحافظات المعتصمة، وحقق نجاحًا باهرًا غير مسبوق، ولأول مرة ينجح معارضو المالكي في تقديم أنفسهم إقليميًّا ودوليًّا على أنهم قوة معارضة حقيقية وفاعلة على أرض الواقع، تمتلك رؤية سياسية ولها مطالب مشروعة ومقبولة، وليسوا كما يروج المالكي عنهم بأنهم مجموعة من الإرهابيين والمرتزقة وسفاكي الدماء، لا تجيد سوى لغة السلاح.

وفي المقابل فإن الضغوط التي مورست من أجل فض هذه الاعتصامات لم تجد نفعًا، وكان لدخول العنصر العشائري في تركيبة المشهد المحتقن أثر كبير زاده قوة واحتقانًا، واجتمعت الطائفة والعشيرة لأول مرة في الجانب السني، وفي المقابل كان لتغيير دفة الثورة في سوريا مع اقتراب ساعة الحسم، وبروز الوجه الطائفي الكالح للرافضة في لبنان وإيران ضد ثوار سوريا أثر بالغ في إذكاء المشاعر الإسلامية عند أهل السنة في العراق، والذين يرتبطون جغرافيًّا وقوميًّا واستراتيجيًّا ودينيًّا مع الثوار السوريين، وساحات الاعتصام في الأساس تقطع الطريق الدولي الرابط بين العراق وسوريا.

المالكي اختار المكان والزمان بعناية، لتحقيق أغراضه السياسية الممثلة في فض هذه الاعتصامات السلمية التي سببت صداعًا مزمنًا لسلطة ونفوذ المالكي بأي ثمن، وإشباعًا لنوازعه الطائفية التي لا يستطيع أن يغالبها أبدًا، في سفك دماء أهل السنة، وإبادتهم قدر استطاعته، فالمكان هو قضاء الحويجة البعيد نسبيًّا عن النقاط المزدحمة، فقد تجنب مواجهة اعتصامات الأنبار أو صلاح الدين لما تتمتعان به من قوة وحضور عشائري قوي، واعتصام الموصل يقع في مكان مكتظ بالسكان تصعب السيطرة عليه، لذلك جاء اختيار منطقة رخوة نسبيًّا تتمثل في اعتصام الحويجة، حيث إن الساحة شبه معزولة، وتنتشر قوات دجلة في معسكرات قريبًا منها. أما التوقيت فبعد انتهاء الانتخابات لمجالس المحافظات والتي فاز بها ائتلاف دولة القانون الذي يقوده المالكي بالتزوير والرشاوى الانتخابية ووسط مقاطعة واسعة لأبناء الطائفة السنية، مما أعطاه مبررًا سياسيًّا من وجهة نظره لفض مثل هذه الاعتصامات، يستعيد به هيبته السياسية ونفوذه الذي تقلم كثيرًا بعد مضي أربعة شهور من العصيان والاعتصام السلمي المتواصل.


أما الغرض من ذلك فواضح تمامًا لمن خَبَرَ المشهد العراقي وراقبه في العشر سنوات الأخيرة، فالانجرار للعنف وحمل السلاح والاعتداءات المتبادلة هو غاية ما يريده المالكي لإخراج الاعتصامات من حالتها الثورية السلمية التي أرقته كثيرًا، وهو في نفس الوقت لا يريد اندلاع العنف الشامل الذي يؤدي حتمًا لثورة عامة أو حربًا أهلية، بل يريد عنفًا ممنهجًا يكون تحت السيطرة، العنف الذي يرسل برسائل سلبية عن طبيعة المعتصمين، العنف الذي يفسد السلمية، ولكنه لا يخرج عن نطاق السيطرة، العنف الذي يبرر ردود لأفعال الأشد عنفًا، والتي بدورها تبرر له الرد الشامل والقوي، العنف الذي يدين صاحبه، ولا يدان من يقمعه ويردعه، لذلك اختار هذه البقعة وهذا التوقيت.

 

فالعنف والدماء شيء معتاد على العراقيين وكذلك على المجتمع الدولي، لا يتحرك له الكثيرون، في بلد أصبحت التفجيرات فيه مشهدًا يوميًّا معتادًا، بل ومقبولاً ومتفهمًا، كما أن العنف سيبرر للطائفي البغيض أن يستخدم قسوته المعتادة ودمويته المفرطة في التنكيل بالاعتصامات جميعًا، بحجة تأمين البلاد، والحفاظ على الدولة ومؤسساتها، وحماية المدنيين، إلى آخر المبررات التي يسوقها كل طاغية يقمع شعبه ويكمم الأفواه، وتنكيل المالكي الطائفي كما هو معلوم يطال العوائل والعزل والمسالمين قبل أن يطال حاملي السلاح والمقاومين، لذلك أقدم المالكي على خطوته الخبيثة تلك للتخلص من الأثر السياسي والاجتماعي والثوري لهذه الاعتصامات، وأعاد للأذهان صورة المعارضة الدموية المنتمية للتنظيمات الجهادية، والتي تنتهج سبيل العنف وحمل السلاح لحل خلافاتها السياسية.


الوضع في العراق شديد التعقيد، ومن عايشه علم يقينًا أن التركيبة الطائفية فيه بتوزيعها الديمغرافي والعرقي، ستمنع حتمًا من فكرة الثورة المسلحة التي تسقط النظام، بل ستنتهي إلى استنساخ التجربة الهندية الباكستانية، بلد للشيعة، وبلد للسنة، وبلد للأكراد، ويضيع العراق رسميًّا بعد أن ضاع فعليًّا، أما المعارضة السلمية المستمرة، والاحتشاد في الميادين والساحات، والإضرابات المؤثرة، والعصيان المدني العام، والعمل السياسي الراشد، كل هذه الأمور التي ستطيح بالطاغية المالكي، وتوقف نزيف المال والدم العراقي، وينال الجميع حقوقهم، ويصبحون سواء أمام مسئولياتهم وواجباتهم، وعلى الأقل بصورة مرحلية قبل استرجاعها بالكلية من يد الخونة الذين غصبوها بالغدر والخيانة والعمالة للأمريكان.


اترك تعليق