لا بديل عن إسقاط المالكي

By : ياسر الزعاترة

ما ينبغي أن نتذكره دائما في سياق الحديث عن العراق هو أن شعبه، وبخاصة العرب السنة منهم قد ردوا عن الأمة واحدة من أكثر الغزوات بشاعة في التاريخ، أعني الغزو الذي خطط له المحافظون الجدد في الولايات المتحدة من أجل (إعادة تشكيل المنطقة)، وبالطبع على مقاس المصالح الصهيونية بعد فشل مشروع أوسلو، أو الشرق الأوسط الجديد الذي نظّر له العجوز شمعون بيريز، ثم تحدث عنه لاحقا بصيغة مختلفة جورج بوش الابن.

 

ببسالة منقطعة النظير، تمكنت المقاومة العراقية، ومن ضمنها، بل ربما في مقدمتها "القاعدة"، حتى لا نكون ممن ينكر الفضل لأهل الفضل أيا يكن تقدير مواقفهم وأخطائهم، تمكنت من إفشال مشروع الغزو إياه، ورده مذموما مدحورا، لكن أخطاءً من القاعدة وبعض قوى المقاومة، والأهم من قبل السياسيين العرب السنة، ما لبثت أن وضعت البلد رهينةً بيد إيران، وهو أمر لا يقلل من قيمة الإنجاز الأول، لأن إيران ستعود إلى حجمها عما قريب، بينما لو نجح مشروع الغزو لكان مشهد المنطقة مختلفا اليوم على مختلف الأصعدة السياسية والفكرية، بل ربما الجغرافية أيضا.


اليوم يواجه العرب السنة في العراق نظاما دكتاتوريا بقيادة نوري المالكي أمعن فيهم إقصاءً وتهميشا منذ جرى حلِّ الجيش العراقي والأجهزة الأمنية واستبدالها بمنظومة طائفية، وهو ما تكرس لاحقا عبر دكتاتور لم يهمش العرب السنة فقط، بل فعل ذلك مع القوى الشيعية أيضا، من دون أن يحقق للشيعة أنفسهم شيئا يذكر، باستثناء الفئة التي تلتف حوله، بدليل أن الوضع في العراق في أسوأ أحواله، وهو بؤس يطال الجميع من دون استثناء.


عندما خرج العرب السنة في الأنبار والموصل وصلاح الدين إلى الساحات منددين بالإقصاء والتهميش، لم يفعلوا ذلك بروحية الانقلاب، ولم يكونوا يحلمون باستعادة حكم ضائع كما يردد موتورون يعتبرون أن حكم صدام حسين كان سنيًا، وينسون أن أكثر العرب السنة قد احتفلوا مثلهم بسقوطه، أيًا يكن الموقف من سياساته على صعيد العلاقة من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وحيث استهدف من قبلهما بشكل واضح. لقد فعلوا ذلك من أجل تصحيح الوضع المشوّه القائم.


وفيما فوجئ المالكي بمستوى الإصرار الذي أبداه الناس عبر شهور من الاعتصام السلمي، فقد جاء رده في الحويجة بالغ الإجرام والرعونة في آن، ويبدو أن هناك من أقنعه بأن ذلك سيبث الرعب في نفوس الناس، ويشتت شملهم ويشرد بهم من خلفهم، وهو ما لم يكن، فمن انتصروا على الاحتلال الأمريكي بكل قوته وجبروته، لن يخيفهم قتل العشرات وجرح المئات في الحويجة وسواها.


جاءت الردود التالية على الجريمة كبيرة وواسعة أكدت للمالكي أن ها هنا قوم لا يرهبهم الرصاص ولا الموت، لكن الموقف التالي، هو الذي يحتاج إلى وقفة ودراسة متأنية من قبل جميع الفرقاء في الساحة العراقية، والسبب هو أن الحروب الأهلية على أسس دينية أو مذهبية هي واحدة من أكثر الحروب تدميرا في التاريخ، وفي العراق لا مجال لغير التعايش، إذ لن يلغي أحد الطرفين الآخر.


في العراق يسيطر المالكي على الجيش والأجهزة الأمنية، وإذا ما اندلعت الحرب، فسينحاز له أكثر من نصف السكان (حتى غير المقتنعين به) إذا استثنينا الأكراد الذين لن يتدخلوا على الأرجح لأنهم مرتاحون هناك في إقليمهم، مع أن بعض رؤوسهم الحامية قد تستغل الظرف لإعادة رسم خريطة الإقليم بقضم مناطق أخرى يعتبرونها جزءا منه. والنتيجة هي حرب مدمرة تحرق الأخضر واليابس.


رد العرب السنة كان عاقلا، فهم أوصلوا رسالتهم بوضوح عبر حملهم للسلاح والدفاع عن أنفسهم، وقرروا تبعا لذلك إنشاء جيش للعشائر مهمته حماية المعتصمين في الساحات، وهو ما يؤكد الإصرار على رفض الحرب الأهلية وليس الدفع باتجاهها، لكن الموقف بعد مجزرة الحويجة لن يعود إلى ما كان عليه، وهو ما أوضحته جمعة "حرق المطالب" التي أعلنت انه لا بديل عن إقالة المالكي والمجيء برئيس وزراء يرضى عنه الجميع.


إن من يزعمون أن شيئا كهذا مخالف للديمقراطية ينسون الطريقة التي فُرض من خلالها المالكي رئيسا للوزراء بعد حصول كتلته على المرتبة الثانية في الانتخابات، وينسون أن الضغوط الإيرانية هي التي أنقذته من الإسقاط بحجب الثقة. وها هي نتائجه الهزيلة في انتخابات مجالس المحافظات تؤكد أنه لم يعد مرضيا للأكثرية.


الحرب الأهلية لن يربح منها أحد وستكون مدمرة، فيما ستؤدي إلى حرف الأنظار عن معركة سوريا، مع أن الرد القوي على جريمة المالكي، ومن ثم استئناف التظاهر، والتلويح بالعصيان المدني قد يؤدي إلى تحقيق المطلوب ممثلا في إسقاط المالكي وتصحيح الوضع بصرف النظر عن التطورات في سوريا. ولا شك أن في ذلك خيرا لجميع العراقيين وليس للعرب السنة وحدهم.


إن اندلاع حرب أهلية في العراق ستفضي إلى أسوأ بكثير من الوضع في سوريا، وهو ما يدركه سائر العقلاء، ممن يؤمنون بضرورة أن يتعايش الجميع في وطن واحد دون إقصاء ولا تهميش في ظل نظام تعددي مدني لا يتعامل مع الناس بناءً على انتمائهم الديني أو الطائفي.


لقد طغت إيران (الوصية على المالكي وحامية وجوده) وتجاوزت حدودها، لكن ذلك سينتهي إن عاجلا أم آجلا، فالأمة التي هزمت مشروع الغزو، ستهزم مشروع التمدد الإيراني، وليس من مصلحة الشيعة العرب أن ينحازوا لأحلام إيران ويديروا الظهر لأهلهم وجيرانهم الذين ينبغي أن يتعايشوا معهم وفق أسس صحيحة، وهو ما يبشر به ربيع العرب على كل حال.


اترك تعليق