"مسلمو مورو".. شعب يتحرر

By : عبدالله القزمازي وابراهيم مشالي

"جزيرة مورو" ليست هي البلد المسلم الوحيد التي فقدها المسلمون في وقت ضعفهم، وليست هي الأولى التي ينساها المسلمون، فمثيلاتها كثير، لكن أهلها لم يركنوا لمن ظلمهم ولم يعولوا على إخوانهم المسلمين الذين تركوهم في أشد محنتهم دون تقديم المساعه الكافيه لهم.

 "جزر مورو" يقدر عدد سكانها بنحو عشرين مليون نسمة تقريبًا 90% منهم مسلمين وهم السكان الأصليين في مينداناو والجزر المحيطة، ووصل الإسلام منذ وقت مبكر، فانتشار الإسلام كان في سنوات ما بعد 1200 ميلادية؛ وذلك قبل بدء وصول ماجلان ونصرانيته في عام 1521م، وكان دخول الإسلام عن طريق الدعاة والتجار.

 قاوم شعب مورو منذ نحو أربعمائة سنه الاحتلال الأسباني دفاعًا عن العقيدة والوطن والذي وصل إلى الجزيرة في القرن السادس عشر بهدف الاحتلال وتنصير السكان المسلمين.

 لم تنته مقاومة مسلمي "مورو" بعد رحيل الاحتلال الأسباني فقد حل بعده الاحتلال الأمريكي واليباني والذين ووجهوا بمقاومه شديدة من قبل المسلمين، لكن مع ذلك عندما منح الأمريكان الاستقلالَ الجزيرة الفلبينية المتنصرة عام 1945م ضمُّوا أراضي بانجسا مورو إلى الجمهورية الفلبينية الوليدة الحديثة رغم معارضة شديدة من شعب مورو، ومنذ ذلك الحين أصبحت أرض مورو خاضعةً للحكومة الفلبينية فكانت احتلالاً جديدًا لشعب "مورو" المسلم.

 ومنذ ذلك الاحتلال الأسباني لم ينعم شعب "مورو" نعمةَ الهدوء والسلام الحقيقي في البلاد، وعمت الفوضى وعان من كساد اقتصادي ومشكلات تربوية وتعليمية وسياسية، وحيل بين المسلمين وبين تطوير بلادهم واستغلال مواردها الطبيعية، واتبعوا سياسات من أجل إفقار المسلمين، ودعوة المسيحيين للهجرة الجماعية وبناء مغتصبات لهم ليكون المسلمين أقلية في بلادهم.

 مطلع السبعينيات قامت مؤسسات عسكريه تابعه للحكومة الفلبينية بإمداد المسيحيين المهاجرين بالسلاح، شنوا بها سلسلة من المذابح والقتل الجماعي ضد المسلمين؛ ما جعل المسلمون يعلنون الجهاد ضد الحكومه الفلبينيه رسميًُّا.

 تكونت جماعات مقاومة أبرزها جبهة تحرير مورو الوطنية في عام 1962م والتي تأثرت بفكر جماعة الإخوان المسلمين على يد مؤسسها الامام حسن البنا، لتخوض حربًا ضد التحدي الذي تعرض له المسلمون الذي تمثله منظمة "إلاجا"؛ حيث قتل أكثر من مائة ألف مسلم، وشرد نحو مليوني مدني مسلم، واغتصبت مئات آلاف هكتار من أراضي المسلمين، وأحرقت البيوت والمساجد والمدارس، وتحت ضغط العمل المسلح أجبرت الحكومة الفلبينية على الدخول في مفاوضات الثوار المسلمين، وكانت أول جولة تفاوضية بين الجانبين في يناير عام 1395هـ/ 1975م وهي أول مفاوضات مع الثوار المسلمين، وقاد "نور ميسووارى"و"سلامات هاشم" فريق الجبهة في المفاوضات مع الحكومة، والتي كانت في ذالك الوقت برعاية الوسيط الأندنوسي.

 في عام "1396ه ، 1976م" إجراء سلسله من مفاوضات السلام بين الحكومه وقادة الجبهة الوطنية بوساطة ليبيه أسفرت عن توقيع "اتفاقية طرابلس" التي تنص على منح المسلمين حكمًا ذاتيًّا، إلا أن الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ نظرًا لمماطلة الحكومة الفلبينية، وسرعان ما عادت الأمور إلى التوتر وعادت معها العمليات المسلحه من الجانبين، عملت الحكومة الفلبينية بعدها على تغيير التركيبة السكانية للمسلمين في "مورو" بتوطين النصارى من الشمال إلى الجنوب حتى قل عدد المسلمين إلى 50% بعد أن كانوا أغلبية كاسحة.

 ثم في عام 1982 انشقت جبهة تحرير مورو الإسلامية إثر خلاف بين الزعيمين نور ميسواري والشيخ سلامات هاشم حول رؤية حل القضية عشية توقيع معاهدة بين الحكومة الفلبينية والجبهة المعروف باتفاق طرابلس في عام 1976، فسلامات هاشم يرى أن الحل العسكري واستمرار الجهاد هو الطريق الأمثل في حين يرى "نو مسواري" أن طريق المفاوضات ربما يكون أكثر فاعلية.

 بعده بدأت جبهة تحرير "مورو" عملها من الصفر كما يقول زعيمها "مراد إبراهيم" بعد الانشقاق عن جبهة تحرير مورو الوطنية مطلع الثمانينات والتي كان يرى أنها تقترب لمخاطبة الحكومة الفلبينية والتي كانت تسعى لتفويت الفرصة على المسلمين بحصولهم على دولة مستقلة.

 سعت جبهة "سلامات هاشم" إلى إنشاء قوه عسكرية متكافئة رغم فقرها الشديد؛ حيث إن المساعدات المخصصة التي تأتي من منظمة المؤتمر الإسلامي والدول الإسلامية تأتي إلى جبهة مورو الوطنية والتي تعد الممثل الرسمي لمسلمي الفلبين.

 واعتمدت جبهة "سلامات هاشم" على التربية الإسلامية لأبناء حركتها وتقوية مؤسساتها، والتنمية الذاتية واعتمادها على ذاتها، واعتبارا من عام "1985م ، تدرجت مراحل تنفيذ خطتها على ثلاث مراحل كان كل مرحلة خمس سنوات، وفي عام "1999" تمكنت من إنشاء تنظيم قوى ونشر الفكرة الإسلامية في كل "مورو" وانتظم في جبهة مورو الإسلامية نحو 70% تقريبًا من شعب مورو، وانضمام 6 ملايين عضو جديد للحركة، ووصل أعضاء المقاومة إلى 100 ألف مجاهد مدرب تدريبًا جيدًا وسلح حوالي 60% منهم.

 اعتمدت الجبهة على السلاح الذي يحصلون عليه من العدو ومن تجار السلاح حتى تمكنت الجبهة بعمل مصانع لصناعة الأسلحة، صنعت فيها البنادق البسيطة والذخائر حتى تمكنوا من تطويرها إلى أسلحة متطورة حتى أصبح المصنع قادر على إنتاج الصاروخ المضاد للدبابات.

 وعندما شعرت الحكومة الفلبينية بأن المواجهات المسلحة مع المسلمين غير مجدية شرعت في شق المسلمين وعقدت عام 1996"م "مع زعيم الجبهة الوطنية لتحرير مور "نور ميسواري" معاهده على أن يكون الحاكم للشعب المسلم شريطة التبعية للحموه الفلبينية، إلا أنها لم تف بوعدها وألقت القبض عليه تمهيدًا لمحاكمته بتهمة إثارة الاضطرابات في "مورو".

 ثم في عام 1997م لبت جبهة تحرير مورو الإسلامية دعوة الحكومة الفلبنية للخوض في مائدة المفاوضات واستغرقت المداولة بين الطرفين عشرة أعوام إلى أن توصلا إلى التوقيع النهائي المقرر في 5 من شهر أغسطس 2008 فتدخلت المحكمة العليا الفلبينية بتجميده جراء اعتراض من السياسيين المسيحيين في الجنوب فاندلعت الحرب بين الطرفين إثره.

 وفي عام 13 يوليو 2003 لقي الشيخ "سلامات هاشم" ربه وتولى قيادة الحركه من بعده "الحاج مراد إبراهيم".

 واستطاع "مراد إبراهيم" في وجود وساطة مالزية إنهاء الأزمة حتى توصلت الحركه إلى إقامة حكم ذاتي للمسلمين في إقليم "مورو" المسلم وتم توقيع الاتفاقية مع حكومة الفلبين يوم الإثنين "15_10_2012" يفترض أن يرسي خلال أربع سنوات سلامًا دائمًا وحكمًا ذاتيًّا للمسلمين في جزيرة مندناو جنوبي البلاد, ومن شأنه أن يضع حدًا لصراع مسلح استمر أربعة عقود.

 وجرى توقيع الاتفاق في حفل كبير أقيم في القصر الرئاسي في مانيلا, وحضره الرئيس الفلبيني بنينو أكينو, ورئيس جبهة مورو الحاج مراد إبراهيم, ورئيس وزراء ماليزيا نجيب عبد الرزاق الذي قادت بلاده جهود الوساطة لإنهاء القتال المستمر في "مورو", الذي أوقع نحو مائة ألف قتيل منذ عام 1969.

 وحضر الحفل أيضًا أمين عام منظمة التعاون الإسلامي أكمل الدين إحسان أوغلو ومسئولون من دول جنوب شرق آسيا.

 لتكون بداية ليأخذ المسلمين حقهم المنهوب منذ عقود كما قال "مراد إبراهيم" في بيان عقب الإعلان عن الاتفاق أن الاتفاق يضع "أسسًا راسخة لصيغة سلام عادل ودائم،  بيد أن التوصل لهذا الاتفاق لا يعني نهاية الصراع، لكنه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة أكثر تحديًا.


اترك تعليق