وتنتصر البندقية.. جهاد مورو يتكلل بحكم ذاتي

By : معتز بالله محمد

أعلن القصر الرئاسي في الفلبين، الاثنين 8 أكتوبر 2012م، عن موعد توقيع الاتفاق، الذي أعلن عنه قبل يوم واحد، بين الحكومة الفلبينية وجبهة تحرير مورو الإسلامية، وذلك في الـ15 من شهر أكتوبر الجاري، وقالت سكرتيرة القصر الرئاسي الفلبيني لعملية السلام، تيريستا ديليزي، في تصريح صحفي: إن الاتفاق سيوقع في العاصمة مانيلا، من قِبل رئيس لجنة السلام بالحكومة "مارفيك ليونين"، ورئيس لجنة جبهة مورو "مهاجر إقبال".

وكان رئيس البلاد، بنينو أكينو، قد أعلن الأحد 7 أكتوبر 2012م -في خطوة من شأنها طيّ صفحة قاتمة من تاريخ مسلمي الفلبين، تخضبت بدماء أكثر من 120 ألف قتيل على مدى 40 عامًا- أن الحكومة الفلبينية والثوار من جبهة تحرير مورو الإسلامية، توصلوا لاتفاق سلام في جنوب البلاد المضطرب، ويقضي الاتفاق الذي طال انتظاره -والذي يأتي بعد 15 عامًا من المحادثات- بإنشاء منطقة جديدة تتمتع بحكم ذاتي، على أن تكون البداية بخارطة طريق لإنشاء المنطقة التي يطلق عليها اسم بانجسامورو، الواقعة في المناطق التي تقطنها أغلبية مسلمة في جنوب البلاد، بحيث يتم الانتهاء من تنفيذ الاتفاق قبل نهاية فترة رئاسة أكينو في 2016م.

وقد سارع الرئيس أكينو بالتأكيد عبر بث مباشر من قصر الرئاسة، بأن "هذا الاتفاق ينشئ كيانًا سياسيًّا جديدًا، وهو يستحق اسمًا يرمز ويكرم ويجسد هذا الجزء من بلادنا". وقال أيضًا: توصلنا إلى اتفاق إطار يسعى إلى تصحيح أخطاء الماضي، فاتفاق الإطار يرسم لنا حدودنا وأهدافنا، بحيث نحافظ في الوقت نفسه على سيادة بلادنا".

وأعرب الرئيس الفلبيني عن امتنانه لمساعي مجموعة الاتصال الدولية، التي تضم حكومات بريطانيا وتركيا والسعودية، والمنظمات الدولية غير الحكومية، وفرقة المراقبة الدولية التي تشمل حكومات ماليزيا، وسلطنة بروناي، وليبيا، والنرويج، وإندونيسيا، والاتحاد الأوربي، واليابان.

تفاصيل الاتفاق بين حكومة الفلبين ومورو الإسلامية
ووفقًا لما جاء في تفاصيل الاتفاق، المكون من 13 صفحة، فسوف يتم إنشاء لجنة مكونة من 15 عضوًا، مهمتها الدخول في تفاصيل المبادئ المثبتة في الاتفاق الإطاري، على أن تقوم خلال عامين بصياغة هذه التفاصيل، ضمن قانون خاص لإنشاء الإقليم الجديد، على أن يقوم الثوار المسلمون خلال هذه المدة بتنفيذ برنامج تدريجي لحل وحداتهم العسكرية "التي تصبح بلا فائدة"، وفقًا لنص الاتفاق.

وسوف يتم توقيع الاتفاق بحضور الرئيس أكينو، ورئيس وزراء ماليزيا نجيب رزاق، وقائد حركة مورو الحاج مراد إبراهيم، فيما أشارت مصادر رسمية فلبينية أنّ الاتفاق سيتناول المبادئ الرئيسة للقضايا الكبرى، مثل توسيع نطاق السلطة والعائدات ونطاق المنطقة التي سيضمها الإقليم الجديد، وأنه في حال سريان الاتفاق بشكل جيد، فإن الصيغة النهائية له ستوقع عام 2016م، مع نهاية ولاية الرئيس الفلبيني.

اتفاق الفلبين.. نهاية لأزمة ثقة
الانفراجة التاريخية الجديدة، لاقت ترحيبًا كبيرًا من قبل مسلمي مورو، وأعرب غازي جعفر -نائب رئيس حركة تحرير مورو للشئون السياسية- عن سعادته البالغة بالاتفاق، وأعرب عن شكره للرئيس أكينو، مشيرًا إلى أن الجماعة تشعر بالسعادة؛ لأن هذا الاتفاق طرح حلاًّ للصراع، الذي أعاق النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية في مينداناو.

فيما اعتبر محللون، أنه على الرغم من وجود عقبات كثيرة، فإن هذا الاتفاق يمثل انفراجة رئيسة، في الثقة بين الحكومة وجبهة مورو الإسلامية للتحرير، الذين ينظرون بريبة إلى دوافع مانيلا في المحادثات، كما أنه يضفي الصبغة الرسمية على الهدنة في جزيرة مينداناو التي تقطنها أغلبية مسلمة.

وتتعلق بعض هذه العقبات بالتهديد الذي تمثله قبائل قوية ربما تعرقل الاتفاق؛ خشية فقدان نفوذها السياسي، فيما يتطرق "مهاجر إقبال" كبير مفاوضي جبهة مورو إلى بعض التحديات الأخرى بقوله: "اقتربنا، ولكن لا تزال هناك عقبات، مثل الأراضي والأمن الداخلي وترتيبات اقتسام الثروة".

وينتظر أن تمهد هذه الاتفاقية الطريق لسلام نهائي ودائم في مينداناو، الإقليم ذي الأغلبية المسلمة، والذي يشمل خمس مناطق تقطنها أغلبية مسلمة.

اتفاق الفلبين.. أسس وشروط
الرئيس الفلبيني الذي أراد وضع تصور نهائي للمشكلة التي تؤرق نظامه، أكد أن هذا الاتفاق يعيد كل الجماعات الانفصالية السابقة إلى الحظيرة، وأن جبهة مورو الإسلامية لن تطمح لدولة منفصلة بعد الآن، وأكد ضرورة استغلال موارد الإقليم المعنيّ بقوله: "يعني هذا أن الأيدي التي حملت البنادق في الماضي، ستلقيها من أجل حرث الأرض وبيع المحصول، وإدارة محطات العمل، وإتاحة الفرصة لمواطنين آخرين".

لكنه أكد أنّ الحكومة الفلبينية ستستمر في ممارسة سلطاتها في الدفاع والأمن والسياسة الخارجية، والسياسة النقدية وصك العملة والدفاع عن المواطنة، والحقوق الوطنية في بانجسامورو، مشيرًا إلى أن الدستور والقانون الفلبينيان سيحكمان المرحلة الانتقالية في بانجسامورو؛ تأكيدًا لمفهوم وحدة الأمة الفلبينية بجميع ثقافاتها المختلفة وأطيافها. ووعد أكينو سكان بانجسامورو الجديدة بالحصول على نصيب عادل ومتساوٍ من الضرائب والعائدات.

وأشار إلى أنه بحسب الدستور، ستصيغ لجنة انتقالية القانون الأساسي لإقامة منطقة بانجسامورو، مضيفًا أن اللجنة ستبحث عملية التشريع الكاملة في البرلمان، ودعم قانون يجسد قيم وتطلعات أهالي المنطقة.

الجهاد في الفلبين
يذكر أن هذا الاتفاق جاء عقب محادثات طويلة منذ 2001م استضافتها ماليزيا، وشكلت لها هيئة مستقلة؛ لمراقبة وقف إطلاق النار في المنطقة، ومتابعة مساعي مفاوضاتها للسلام، التي استؤنفت مرات عديدة خلال السنوات الماضية.

وتقاتل جبهة مورو الإسلامية التي يبلغ قوامها 12 ألف مسلح؛ من أجل إقامة دولة إسلامية مستقلة في مينداناو منذ عام 1978م. وقد دخلت في محادثات سلام مع مانيلا في عام 1997م، وقبلت بالحكم الذاتي في جولة لم يكتب لها النجاح من المفاوضات في عام 2008م.

أما جماعة أبو سياف، فتعتبر ثاني أكبر الحركات الإسلامية في الفلبين، وهي جماعه جهادية انشقت عن جبهة التحرير الوطنية (جبهة مورو) عام 1991م في جنوبي الفلبين، أنشأها عبد الرزاق أبو بكر جنجلاني، وهدف جهادها "إنشاء دولة إسلامية".

جدير بالذكر أن عدد المسلمين في الفلبين يبلغ نحو 8 ملايين، وهو ما يعادل نحو 10% من إجمالي عدد سكان البلد الآسيوي، الذي وصله الإسلام في القرن الثالث عشر بواسطة التجار، وذلك قبل وصول النصرانية له بقرنين.

ويصل عدد السكان المسلمين في جزيرة مينداناو إلى 5 ملايين نسمة، وبحسب منظمات حقوقية نصرانية فإنّ المسلمين يعانون من التمييز والتهميش من قبل الغالبية الكاثوليكية.


اترك تعليق