سيد قطب الصيني (يونس عبد الله ما تشنغ بين الصيني)

By : أ. د. يوسف القرضاوي

لا شكّ أنّ قيادة العلماء تؤدّي وظيفة أساسيّة في كيان الأمّة الإسلاميّة؛ فهي التي حافظت على توحيد الأمّة من خلال دورها الثّقافيّ والشّرعيّ، وساهمت في التّصدي لأخطاء الحكّام وتجاوزاتهم، واجتهدت في سدّ الثّغرات النّاجمة عن تقصيرهم وقصورهم في أحيان كثيرة.

إنّ الصّفات التي تؤهّل المسلم لكي يكون عالمًا في أيّ عصر من العصور كثيرة، أهمّها: أن يكون ربانيًّا، وأن يكون منحازًا إلى الأمّة، مهتمًّا بقضاياها، متفاعلاً مع مشاكلها، وأن يكون عالمًا بالقرآن، والسّنّة، والفقه، والسّيرة، والتّاريخ، وأن يكون عالمًا بالعلوم التي نشأت حول تلك المحاور من أصول الفقه، ومقاصد الشّريعة، والبلاغة، وعلوم مصطلح الحديث، وأن يكون عالمًا بالحضارة الغربيّة: نشأة، وتطوّرًا، وتاريخًا، وأزمة، وأن يكون مبدعًا في أحد مجالات الفقه، أو الشّريعة، أو الحديث، أو علوم القرآن، أو الدّعوة في العصر الحاضر.

ذكرى استشهاد المفكر والعالم والإمام الصّينيّ القياديّ الشّيخ يوسف شنغ كه لي منذ (42) سنة.

إن العلاَّمة المسلم الصينيّ الشّهيد (يوسف شنغ كه لي) هو أحد عمالقة القادة المسلمين، ويستحقّ وصف القياديّ في الأمّة المسلمة في الصّين في القرن العشرين وبكلّ جدارة. إنّ التّعتيم الإعلاميّ على مسلمي الصّين، وعدم التّواصل الفعّال بينهم وبين أبناء الأمّة الإسلاميّة، كلّ ذلك ساهم في أن تظلّ شخصيّته، وجهده، وأعماله، ودوره في نشر الدّعوة الإسلاميّة في الصّين، والدّفاع عن الحقّ- مجهولة أمام العالم الإسلاميّ. والأمانة العلميّة والوازع الدّينيّ يحتّمان علينا التّعريف بالإمام الزّاهد، والعلاّمة الصّينيّ، المفكّر، الشّهيد يوسف شنغ كه لي، ليعرف العالم الإسلاميّ خاصّة، والعالم أجمع مكانة عالمنا الجليل.

إنّ المفكّر (يوسف شنغ كه ) يُعَدُّ من العلماء اللاّمعين، والمترجمين البارزين، وأحد مرشدي المسلمين الصّينيّين في منتصف القرن العشرين، ويُعدّ من أكثر الشّخصيّات تأثيرًا في قلوب المسلمين في الصّين بعد قيام دولة الصّين بقيادة الحزب الشّيوعيّ الصّينيّ عام 1949م. وهو الإمام والعالم المسلم الصينيّ الوحيد الذي جمع بين حبر العلماء ودماء الشّهداء في سبيل نصرة الدّين في أرض الصّين.

وُلد الشّهيد يوسف شنغ كه لي (Chen Ke Li )-رحمه الله- عام 1923م بقرية تشانغ قه (Chang Ge ) ببلدة ينغ تشياو(Ying Qiao ) من محافظة شيانغ تشن (Xiang Chen ) لمقاطعة خه نان(He Nan ) بالصّين. وبدأ يدرس اللّغة العربيّة والدّين الإسلاميّ وهو في التّاسعة من عمره في المسجد بقريته، ثم واصل دراسته للعلوم الإسلاميّة على أيدي العلماء الصّينيّين الأجلاّء من مسجد إلى آخر، وسافر بعد بدء حرب للغزاة اليابانيّين إلى محافظة بينغ ليانغ من مقاطعة قانسوا لمتابعة دراسته الدّينيّة، ثم واصل دراسته في تخصّص اللّغة العربيّة بمدرسة المعلمين بشرق قانسوا، وفي عام 1947م التحق بمعهد العلوم الإسلاميّة ببكين؛ لمواصلة الدّراسة في العلوم الإسلاميّة. وبعد تخرّجه منه عام 1954م، عين إمامًا في مسجد ينغ تشياو (Ying Qiao ) في قريته، وتمّ تعيينه كمدرّس مساعد  للّغة العربيّة وآدابها في جامعة بكين عام 1955م، بترشيح من أستاذه محمد مكين رحمه الله. وغادر الجامعة عام 1955م للتفرّغ الكامل في ترجمة الكتب الدّينيّة، ثم عُيّن مدرّسًا في معهد العلوم الإسلاميّة عام 1957م، وعاد إلى قريته في السّنة نفسها بعد مغادرته المعهد. فوقعت الطّامة الكبرى على الشّهيد ابتداء من عام 1958م حتى أُعدِم ظلمًا عام 1970م.

إنّ حياة الشّهيد المجيدة كانت خالصة لوجه الله، مدافعًا عن الحقّ أينما كان وحلّ، وما كان ينحني أمام نفوذ الشّرّ أو يخافه؛ بل كان يلتزم بالحقّ من البداية إلى النّهاية، وقد فضّل الموت بعزّة مرفوع الرّأس على الاستسلام، وحافظ على كرامة المثقّفين المستقيمين. وما كان الشّهيد نموذجًا للمثقّفين المسلمين الصّينيّين خاصّة؛ بل كان مثلاً بارزًا للمثقّفين الصّينيّين عامّة، وقدوة وأسوة خالدة للمسلمين في الصّين داخلها خارجها.

إنّ للشّهيد يوسف تشن كه لي إنجازات عظيمة في التّأليف والتّرجمة حول الحضارة الإسلاميّة، والفكر الإسلاميّ، والسّنّة النّبويّة الشّريفة. ومن أهمّ مؤلّفاته كتابه المشهور «معرفة الإسلام عن طريق معرفة محمد-صلّى الله عليه وسلّم-»، وقد نُشر هذا الكتاب عام 1950م في بكين، وتمّت ترجمته إلى العديد من اللّغات الأجنبيّة، منها: العربيّة والملايويّة والأورديّة. وقد صار الكتاب معلمًا من معالم الطّريق إلى فهم الدّين الإسلاميّ الصّحيح بين المسلمين، والجدير بالذّكر أنّ هذا الكتاب تمّ تأليفه في شهر سبتمبر عام 1959م، وكان يوسف في السّابعة والعشرين من عمره. وفي هذا الكتاب ذكر الشّهيد عظمة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، وإنجازاته الكبرى، كما بيّن تمييز الحقّ من الباطل، وكيفيّة معرفة جوهر الإسلام وأحكامه، وفي الكتاب ذكر المؤلف قضايا المسلمين المعاصرة، وتصوّره الكامل لحلّها، والتّغلّب عليها في ضوء القرآن والسّنّة النّبويّة الشّريفة، وهو كتاب متميّز في تحليل سيرة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم. والكتاب لم يُؤلّف لفئة معيّنة من النّاس، بل يخاطب جماهير الأمّة كلّها، واستخدم فيه الشّيخ أسلوبًا لغويًّا سهلاً، مشوّقًا، مع مادة علميّة غزيرة، وربط علوم الإسلام بعلوم الطّبيعة.

إنّ عرض الإسلام بشموليّته جعل للكتاب مكانة كبيرة في قلوب القارئين له على جميع المستويات بين المسلمين. و قد خصّص الكاتب فصلاً كاملاً لبيان قضيّة المرأة  تحت موضوع "الكفاح من أجل منزلة المرأة وحقوقها"؛ حيث قال: "إنّ منزلة المرأة في المجتمع البشريّ رائعة في الأصل، وهي نصف المجتمع؛ ومن المبادئ الإسلاميّة يتّضح أنّ الإسلام أنزل المرأة منزلة مكرّمة، وأعطاها شخصيّة مستقلّة لا يجوز الاستهانة بها أو إغفالها، ولها حقوقها، وعليها واجباتها، وهي كالرّجل في الإنسانيّة سواء بسواء".

كان حزن الشّيخ الشّهيد على ضعف المسلمين وتفرّقهم داخل الصّين وخارجها شديدًا، وحبّه في توحيد المسلمين كان واضحًا في جميع كتاباته. ومن نصائحه دعوته إلى الاتّحاد والتّعاون على البرّ والتّقوى، وقد قال في مقدّمة الكتاب: "إخواني المسلمين، لا تحسدوا بعضكم بعضًا، ولا تتفرّقوا بالمسائل الفقهيّة الفرعيّة، ولا تتعصّبوا فيها؛ بل علينا التّعاون فيما بيننا بالحبّ والاحترام على أساس القرآن والسّنّة النّبويّة الشّريفة". وقد دعا إلى تعلّم القرآن الكريم، والعمل على خدمة دين الله بالإخلاص والتّقوى، حيث قال: "إنّ القضايا التي أمامنا مقدّسة، والعصر الذي نعيش فيه عظيم، والرّسالة التي نحملها على عاتقنا شاقّة، وطاقتنا وقوّتنا ضعيفة كضعف ضوء الشّمعة في اللّيل المظلم، كأنّ نداءنا جرس النّاقة في الصّحراء الواسعة لايسمعه أحد". وباختصار فإنّ الشّهيد كان يهدف من خلال كتاباته إلى تنمية وعي المسلمين ببثّ روح القرآن في قلوبهم، ومحبّة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، واتّخاذه أسوة وقدوة في حياتنا اليوميّة؛ حتى يكون الإسلام مهيمنًا على حياة الناس.

ومن الأعمال التي ترجمها الشهيد والأكثر تأثيرًا بين المسلمين كتاب «التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول-صلّى الله عليه وسلّم-للشّيخ منصور علي ناصف»، ويُعدّ هذا الكتاب فريدًا من نوعه لشموله على جميع أبواب الفقه، ولم يسبق في تاريخ الصّين ترجمة كتاب شامل من كتب السّنة النّبويّة الشّريفة، جمع أبواب الفقه كلّها قبل كتابه هذا. ونشر الجزء الأوّل منه في بكين عام 1945م، فبدأ المسلمون إحياء سنّة النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- من خلال هذا الكتاب، وإماتة البدعة والخرافات التّقليديّة التي توارثوها؛ إذ تأثّرت ثقافة المسلمين الدّينيّة بالمعتقدات والثّقافات الصّينيّة المحليّة، وخاصّة تلك الثّقافة المتأصّلة في المجتمع الصّينيّ بشكل عام لدى جميع طبقات الشّعب النّابعة من الكنفوشيوسيّة والطّاويّة والبوذيّة منذ مئات السّنين.

و قد تعلم (يوسف شنغ كه لي) اللّغة العربيّة والعلوم الإسلاميّة وتعمّق فيها على أيدي العلماء المسلمين في الصّين، و لم يسافر في حياته إلى البلاد الإسلاميّة والعربيّة لمواصلة الدراسة كبقيّة العلماء الذين تخرّجوا من الجامعات الإسلاميّة والعربيّة، وخاصّة جامعة الأزهر الشريف.

وبسبب خلافاته مع السّياسة التي طبّقها الحزب الشّيوعيّ الصّينيّ، واستيائه من الحزب بسبب ممارساته مع الشّعب الصيني عامّة، والمسلمين خاصّة أيّام الثّورة الثّقافيّة (1966-1979م)، قام بإرسال رسالة شخصيّة إلى قادة الدّولة، وذكر فيها الأضرار التي أحدثتها الثّورة الثّقافيّة على الدّولة والشّعب، وطلب منهم الكفّ عنها، فقدّم لهم اقتراحاته ذات الميول الإسلاميّة. فأدّت تلك الرّسالة إلى إلقاء القبض على الشّهيد (يوسف شنغ كه لي) في 26 فبراير 1970 بتهمة عدائه للثّورة من خلال هجومه العنيف على الثّورة الثّقافيّة وعدائه للحزب والفكر الشّيوعيّ. وقد عانى الشّهيد من شتى أصناف التّعذيب في السّجن، ثم حُكم عليه بالإعدام، وتمّ تنفيذ الحكم في 5 يوليو 1970م.

وهكذا سقط نجم من نجوم العلماء المسلمين الصّينيّين بعد أن قدّم دمه وفكره وعقله لدين الله -عزّ وجل- وهو في السّادسة والأربعين من عمره، وَقَدْ وَفىَ بِقَسَمِهِ "أُفَضِّلُ الْمَوْتَ واَقِفًا عَلىَ الْحَياَةِ راَكِعًا".

وإنّ الشّهيد (يوسف شنغ كه لي) وإن مات، لكنّه مازال حيًّا يقود الأمّة المسلمة في الصّين إلى الأمام، وتسير الأمّة المسلمة في الصّين قدمًا في الطّريق المخضّب بدماء الشّهيد أبدًا أبدًا.... ونسأل الله أن يحسن مثواه، ويحشره مع الذين أنعم عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

وإلى القارئ الكريم هذه القصيدة التي نظمها الشّهيد (يوسف شنغ كه لي) في 5 يوليو 1960م، وهي تحت عنوان: شهادة عند القبر في منجم الفحم شنشي تونغتشوان-مركز الإصلاح الإجباري: (مركز الإصلاح الإجباريّ عبارة عن مكان يُحبس فيه السّجناء ويُكلّفون بالعمل في منجم الفحم). وقد كتب الشّهيد (يوسف شنغ كه ) قصيدته هذه لتكون تعبيرًا عن كتابه المشهور «معرفة الإسلام عن طريق معرفة محمد-صلّى الله عليه وسلّم-» وهو أوّل كتاب من كتب الشّهيد في حياته. ولقد قرأ وحفظ هذه القصائد آلاف من الشّباب المسلمين وتأثّروا بها، وهو يقول في إحداها:

زَهْرَةُ شَبَاْبِي تَفَتَّحَتْ *** لِتُجَسِّدَ لِلنَّاسِ الْخَيَالْ

فَوَّاحَةٌ فِي الأَرْضِ سَادَتْ *** مِنْ طِيْبِهَا غَارَ الْجَمَالْ

لِشَبَابِ الأُمَّةِ هَدْيُ نُوْر *** لِلْعِلْمِ غَرْسٌ وَصَلَاحُ فِعَالْ

زَهْرَةُ جُهْدِي لِأُمَّتِي مَبْذُوْلَةٌ *** خُذْهَا يَا مُسْلِمُ هَيَّا تَعَالْ

لِعَرَبٍ وَأُرْدُو وَمَلَايُو *** تَرْجِمْ صَدِيْقِيْ هَذَا الْمَقَالْ

فَأُمَّةُ الصِّيْنِ لا بُدَّ يَوْمًا *** سَتَكُوْنُ وَزَهْرَتِي بِوِصَالْ

وَكُلُّ لُغَاتِ الأَرْضِ حَتْمًا *** سَتَنَالُ مِنْ زَهْرَتِي الْمَنَالْ

َتَكُوْنُ لِلنَّاسِ رَمْزَ كَرَامَةٍ *** لِلْحَقِّ رَايَةً كُبْرَى وَمِثَالْ

يِا يِيْ فَانْ1 ثَائِرٌ مُتَمَرِّدٌ *** لا يَرْضَى بِظُلْمٍ هَذَا مُحَالْ

مِنْ حَوْلِي أَرَاهَا الذُّنُوْبَ *** جِبَالاً شَاهِقَةً ثِقَالْ

ولا بُدَّ مِنْ يَوْمٍ سَيَأْتِي *** يُنَادِي صَوْتِي ضَمِيرَ الرِّجَالْ

يَا يِيْ فَانْ شَخْصٌ طَيِّبٌ *** إِلَى جَنَّةِ الْخَلْدِ كَانَ الْمَآلْ


--------------------------------------------------------------------------------

(1)الاسم الذي كان يوقِّع به الشهيد كتاباته، ومعناه: شراع سفينة الإسلام.


اترك تعليق