مظاهر الحرية فى المشاركة السياسية للمرأة

By : فتحى أبو الورد

نالت المرأة التحرير الأكبر في عصر الرسالة والخلفاء الراشدين، حيث شاركت المرأة في العمل السياسي منذ فجر تأسيس الدولة الإسلامية حين هاجرت إلى الحبشة. ثم حين شهدت بيعة العقبة الثانية والتى كانت تسمى بيعة الحرب ، هذه البيعة التي تمت في جو تحيطه السرية، والكتمان والحذر والخطورة أيضًا ، فلا غرو أن تمت البيعة في جنح الظلام خوفًا من أعين المشركين.


بل إن إسلام المرأة في تلك الحقبة في ذاته يعتبر عملًا سياسيًا بحتًا فقد حملت المرأة المسلمة عقيدة تخالف عقيدة المجتمع والسلطة الحاكمة، وواجهت الاضطهاد، والتعذيب، ثم هاجرت في سبيل عقيدتها.


ثم تطور أداؤها وعطاؤها في عصر الخلفاء الراشدين حتى تولت منصب الحسبة على الأسواق في عصر عمر بن الخطاب، كما استشيرت في الخليفة القادم عندما طعن عمر بن الخطاب فأخذ عبد الرحمن بن عوف يستشير الناس، حتى استشار النساء المخدرات فى حجابهن .


وأنصفها جمهرة كبيرة من فقهائنا في العصور الأولى حتى قالوا بجواز أن تكون قاضية بعامة، ذاك المنصب الخطير الذي كان يلي مرتبة الخلافة في الشروط والمقومات الشخصية، وهم في ذلك مستظلون بشجرة التحرير الأكبر لها في عصر الرسالة، في وقت كان لا يعرف لها فيه حق.


ولم يختلف الفقهاء في ولاية المرأة للولاية الخاصة مثل ولاية الفتوى أو الاجتهاد، أو التعليم أو الرواية والتحديث أو الإدارة ونحوها، فهذا مما لها ولاية فيه بالإجماع، وقد مارسته على توالي العصور.


وحين نقف على تلكم الرؤية الفقهية الحضارية لحقوق المرأة في الولايات العامة في القرن الثاني الهجري وما بعده، نتبين إلى أي حد حظيت المرأة في الفقه الإسلامي بحقوقها السياسية منذ أمد بعيد.


وكان من الطبعي أن تمتد مسيرة التوسع والعطاء لحقوق المرأة إلا أن عصور الجمود الفقهي والتعصب المذهبي، والتراجع الحضاري حالت دون ذلك ووقفت عند هذا الحد، ولم تكتف بذلك بل أرادت أن تتراجع عن المكتسبات الحقوقية في الولايات العامة للمرأة التي قررها الفقهاء من قديم.


وأراد البعض أن تظل المرأة حبيسة بيتها، وأن تظل أسيرة عادات وتقاليد ليست من الإسلام في شيء، وحاولوا في ذلك أن يضفوا على نظرتهم صفة الشرعية بتفسيرات مغلوطة لبعض النصوص الشرعية مثل تنصيف ميراث الأنثى بالنسبة للذكر، وتنصيف شهادة المرأة بالنسبة للرجل، وأن النساء ناقصات عقل ودين، وأن مقر المرأة في البيت لا تخرج منه إلا لضرورة.


وكان هذا أكبر خطر يواجه قضية المرأة، ألا وهو خطر سيادة مفاهيم وتصورات تخالف ما جاء به الشرع الحنيف من تحرير بالغ للمرأة.


وفي ظل سيادة هذه المفاهيم الخاطئة عن المرأة والتي تتزيا بزي الشرع ظل وضع المرأة في تراجع.


وفي عصرنا وقعت المرأة ضحية بين صنفين من الغلاة.. غلاة المتدينين، وغلاة العلمانيين ومن على شاكلتهم، وكلا الصنفين ظلم المرأة، وأساء إلى قضيتها العادلة.


وهناك جهود من الإصلاحيين في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ترمي إلى إعادة الحقوق للمرأة، لتقوم بدورها إلى جوار أخيها الرجل في النهوض بالمجتمع والمشاركة في الحياة العامة، فالمرأة العدل كالرجل في الصدق والأمانة والديانة ، كما يقرر ـــ بحق ـــ ابن القيم فى الطرق الحكمية.


 وهذه الجهود تمثل نظرة الإسلام الصحيحة للمرأة وفق الضوابط التي يضعها لهذه المشاركة.


وامتدادًا لمسيرة التحرير الأول للمرأة فقد أثبتُّ لها ــــــ فى بحث فقهى ـــــ الحق فى أن تكون نائبة وناخبة، وقاضية، ووزيرة، ورئيسة، من خلال مناقشة علمية هادئة، انتهيت منها إلى أن الفقه الإسلامي في مجموعه يبيح للمرأة أن تكون كل هذا بضوابطه فى إطار الدولة المعاصرة التى توصف  بأنها دولة المؤسسات، ورأيت أن الأساس الأكبر الذي ينبغي أن ترتكز عليه قاعدة شغل المناصب وتولي الولايات هو الكفاءة والقدرة بعيدًا عن جنس من يشغلها ويتولاها، وليس كل رجل يصلح أن يتولاها ويشغلها، وليست كل امرأة كذلك.


اترك تعليق