العلامة القرضاوي 1

By : أكرم علي حمدان

عالم موسوعي، فقيه متضلع، شاعر مفلق، أديب كبير، خطيب مِصقع، محاضر من الطراز الأول؛ أوصاف قيلت وتقال في الدكتور القرضاوي الذي طبقت شهرته الآفاق، وعرفه الناس في الشرق والغرب، على اختلاف مشاربهم ومستوياتهم، من لم يعرفه بكتبه فبخطبه، ومن لم يعرفه بخطبه فبدروسه ولقاءاته المتلفزة، ومشاركاته الكثيرة في الندوات والمؤتمرات، أو بمواقفه الجريئة من قضايا الأمة ومشاكل الشعوب الإسلامية. أوصاف قيلت وكلها فيه تصدق، ويصدق غيرها مما هو من بابها، فقد عُرف الرجل بمنهجه الوسط، وأسلوبه المشوق، وألمعيته البادية، ومواقفه المناصرة للحقّ، وفتاواه المعتدلة المعتمدة على النظر الفسيح، والدراسة المتعمقة، والفهم الدقيق، والإحاطة التامة، وفكره القائم على التوفيق بين الإيمان بالغيب والانتفاع بالعقل، والجمع بين الأصالة والمعاصرة، والمزج بين السلفية الحقة والتصوف الصحيح، والوصل بين الروحية والجهاد، وتجاوز ظاهر النصوص إلى مقاصدها، ورسومها إلى فحواها، واحترام الفقهاء السابقين، وتوقير المحدثين والمفسرين، وتجديد الاجتهاد الفقهي، المبني على شروطه وضوابطه، مع تغليب الصالح العام، واعتبار المقاصد والمآلات، وتقديم الأهم على المهم، والأولى على ما يليه، بمنهج ينهل من كتابي الوحي والكون، ويدرأ تعارض العقل والنقل، ويستمع لصوت التجربة والوجدان. فمُهم جدًّا أن يدرك الفقيه كل الإدراك أننا بتنا نعيش في عصر لا كعصر من سلف، من حيث اختلافُ موازين القوى، وسرعة الاتصالات، وتداخل الأمم والشعوب، وتغير معطيات التاريخ وحاجات الناس.


الأمة والدولة في فكر القرضاوي
على أن ما أود إبرازه ولفت النظر إليه، هو موقفه من الأمة الإسلامية، فهو يؤمن بها إيمانًا جازمًا، في الماضي والحاضر والمستقبل، وخلافًا لبعض المفكرين العرب والمسلمين، الذين بَهت في أذهانِهم مفهوم الأمة، وخفت بريقها، وذهبت قوتُها، وانفرط عقد وحدتِها، كما تسمع في حديث الجابريّ مثلاً، فإن العلامة القرضاويّ يرى أن الأمة الإسلامية حقيقة واقعة قوية، وأنّها كانت في النصف الأول من الألفية الثانية سيدة العالم، وحضارتُها هي المعلِّمة للدنيا، وأنّ لديها "من المبشرات الدينية والدنيوية ما يملؤنا ثقةً بالمستقبل، ويقينًا بغدٍ أفضل، وأن هذه البشائر يجبُ أن تحفزَنا إلى العمل الدؤوب المبنيِّ على العلم والتخطيط، حتى نحوِّل الأحلام إلى حقائق، والأمل إلى واقع مشهود". وهو إلى ذلك يرى أن هذه الأمة تملك النوابغ والعباقرة، وتملك المال، ولكن ينقصها حُسْنُ توظيف طاقاتِها البشرية وطاقاتها المادية "والقدرة على تحريكها وتفعيلها، وإزالة العقبات من طريقها، حتى تحقق لأمتها ما يناط بِها من آمال".


وهذه نظرة لعمري في غاية الأهمية والدقة، ولو أنها وقرت في صدور العرب والمسلمين لكانت وحدها مشروعًا يستحق أن تنبري له طاقات الأمة، وتنهض له أعلامها، فما أحوج أمتنا أن تزرع في قلوب أبنائها مثل هذه النظرة، وأن تُستثمر إلى أقصى درجات الاستثمار، لينشأ جيل يؤمن بأن له حضارة جامعة، وهوية واضحة، وتاريخا واحدًا، وأن هذه الأمة إذ كانت فحري بها أن تكون، وأخلق بها وإن طال الأمد يومًا أن تعود.
ويدرك القرضاوي في هذا السياق خطر النعرات العرقية، وآثار إثارة هذه النعرات في تمزيق الأمة، وهذا مفهوم مقرر عند علماء الفكر السياسي، الذين طالما وصفوا عبارة ودرو ويلسون المتعلقة بحق تقرير المصير في نقاطه الأربعة عشر التي طرحها شروطًا أساسية للسلام في خطابه بتاريخ 8/1/1918م بأنّها عبارة مشحونة بالديناميت، ذلك أنّها ستتمخض لا محالة عن آمال بعيدة المنال، ومشاكل عظيمة الوبال، ويمكن أن يكون ثمنها آلاف النفوس من الأبرياء والمستضعفين. ولذلك فهو يرى في الإسلام بوتقة تنصهر فيها جميع دواعي الفرقة والاختلاف، ويقرر في ثنائياته المعروفة أن الإسلام يجب أن يكون فوق المذهب، والوطن فوق الطائفة، والأمة فوق القوم أو العرق، والمصلحة العليا فوق المنافع الدنيا.


ويظهر مفهوم الأمة بمعناها الإسلامي الواسع في حديث العلامة القرضاوي عن أول إنجازات أمتنا في القرن العشرين، وهو التحرر من الاستعمار، مع إيماننا بأن هذا التحرر ناقص منقوص، وأن مسألة التحرر الكامل يجب أن تظل في رأس قائمة قضايا الأمة الساخنة، ومواد تحاورها ومناقشاتها، فهي في نظرنا أولى من مناقشة تداول السلطة والتحول الديمقراطي، وما إلى ذلك مما يستحوذ على نقاشات النخبة الفكرية، إذ كيف تسعى إلى هذا دول لا تزال عند التحقيق خاضعة لسلطان غيرها، غير مالكة لزمام أمرها؟


وفي هذا السياق ترى الدكتور القرضاوي يتحدث بمرارة عن احتلال هولندا التي كان عدد نفوسها خمسة ملايين أو أقل من ذلك لإندونيسيا المسلمة التي كان عدد نفوسها خمسين مليونًا أو أكثر. وتحت عنوان أكثر مرارة، هو: "تحرير غير كامل"، يذكرنا بقول العامّة: "يا فرحة ما تَمّت"، يذكر العلامة الشوائب التي ما زالت تعكر صفو هذا التحرر، إذ ذاك، وأولها أننا إذ تخلصنا من الاستعمار الغربي الرأسمالي، فإننا لم نتحرر من الاستعمار الشرقي الشيوعي، "فقد بقيت الجمهوريات الإسلامية الآسيوية العريقة في إسلامها، مثل أوزباكستان وطاجكستان وكازخستان وغيرها تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي المتسلط، وراء الستار الحديدي الغليظ" وكأني به يستدعي قول روسو بأن إرادة الأمة لا تتجزأ، وسيادتها لا تنفصم، قال: "وقد كان الكثيرون يعدون هذه الأوطان الإسلامية ضمن الأقليات الإسلامية، فهي أقلية في الاتحاد، ولكنها في واقع الأمر أقطار مستقلة ضُمَّت قهرًا إلى السوفيت، ودخلت قسرًا تحت سلطانِهم". وهكذا، فأنت ترى عين العلامة على جميع الأصقاع الإسلامية، يعد كلا منها عضوًا من جسد هذه الأمة، وخيط لحمة أو سدى في ديباج نسيجها، لا ينبغي أن يستهان به أو يغفل عنه، ذلك أن الأمة، كما يقول الأستاذ الكبير عزمي بشارة، لا يمكن أن تتحرر إلا إذا تحررت جميع أراضيها، وما من أمة سمحت باستعمار جزء من وطنها وكانت حُرّة مستقلة.


وعليه فتجدك تتنقل مع العلامة القرضاوي من شبه القارة الهنديّة إلى المغرب العربي، ومن إندونيسيا إلى بلاد ما وراء النهر، ومن تركيا إلى مصر وفلسطين، وتقرأ في كتاباته عن تجارب الإمام البنا، وأبي الأعلى المودودي، وعبد الحميد بن باديس، وبديع الزمان النورسي، والشيخ عبد السلام يس، ومحمد ناصر رحمة الله، والإمام الخميني، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، والترابي، والشيخ الغنوشي حفظه الله ونسأَ في مُدَّته.


عربية إسلامية
ويرفض القرضاوي، كما رفض من قبله االشيخ الغزالي، محاولات سدنة القومية العربية إسقاط مكانة الإسلام من القلوب، وإنزال رايته من ميدان االحياة العامة، وإشاعة فكرة وجوب قصر اهتمام العرب على الأرض العربية دون سائر بلاد المسلمين، ويرى أن العرب إذا نُسبوا إلى قوميتهم فإنهم لا يزيدون ولا ينقصون عن سواهم من الأمم، وأن الميزة التي ترفع قدرهم هي ما انفردوا بتقديمه للحياة والأحياء من الإسلام وخيراته. ويقرر القرضاوي أن الأقليات يجب أن تأخذ حقها من الأكثريات، وأن من شأن ذلك أن يطفئ النيران التي تبعث على الشرور والنزاعات.
ولا يرى القرضاوي بأسًا بوصول أهل الديانات الأخرى، كالأقباط في مصر، إلى مناصب عالية في الدولة الإسلامية، بما فيها الوزارات، بله أصحاب المذاهب المخالفة كالشيعة مثلاً، على ألا يتم ذلك بالاستقواء بالأعداء، أو الالتفاف على القانون، وقد ذكر نحوًا من هذا في مناظرته الشهيرة مع آية الله رفسنجاني التي بثتها قناة الجزيرة، ومثّل بوصول سفير الكويت إلى منصب عميد السلك الدبلوماسي في إندونيسيا، وهو شيعي المذهب.


في عيون معاصريه
وعملاً بسنة اختلاف العباد، فقد خالف العلامةَ قوم من الناس، منهم من خالفه في مسائل بعينها، ومنهم من خالفه في المنهج والطريقة، ولا سيما في تيسيره الذي عرف به؛ منهم من تأدب في خلافه ومنهم من اختزل الشيخ في مسألة أو مسألتين، ناسيًا تاريخه الحافل بالعطاء والذب عن بيضة الإسلام وقضايا المسلمين. وأنا لم أنفك أتعجب من شباب لم يحصلوا من العلم إلا القشور راحوا يجترئون على الشيخ بدعوى مخالفته الحق ومجانبته الصواب، وكأنهم هم سدنة الحق وحماة الصواب، وأعجب أكثر ممن يدعون العلم وحمل لواء الدعوة، ثم تراهم يشنون الغارة على الشيخ من أجل مسألة فرعية لا تقدم في الدين ولا تؤخر، اختلف فيها الفقهاء، وتعددت حولها الآراء، وتضاربت فيها الأقوال، واتسع للاختلاف فيها المجال.


والحق أن كل الناس يؤخذ من كلامه ويرد، إلا المعصوم، صلى الله عليه وسلم، ولكن هذه العبارة أسيء استعمالها في أحيان كثيرة، فرَدُّ كلام العلماء ليس من شأن صغار الطلبة وعوام الناس، ولقد تأملت كلام كثيرين ممن ولجوا هذا الطريق فوجدت ردودهم أوهى من بيت العنكبوت: حجج واهية، وبوصلة منحرفة، وفكر مضطرب، ونظر سقيم، ورؤية سطحية لا ترفدها منهجية علمية، بل وجدت أكثرهم لم يقرؤوا فتاوى الشيخ كاملة، ولا هم تتبعوا استدلاله، وصدق فيهم المثل الصيني، إن نصف ما ينشر لا يقرأ، ونصف ما يقرأ لا يفهم، ونصف ما يفهم يساء فهمه، هذا مع أن أسلوب الشيخ من أعلى الأساليب بيانًا، وأقربها منالاً، وكل من فتاواه تصلح لأن تكون بحثًا علميًّا عظيم الشان، متين الأركان، متماسك البنيان.


ولعلنا لا نجانب الصواب إن قلنا: إن أكثر هذه الردود لم يبتغ به وجه الله، بل كانت تفوح منه رائحة الحسد، وتشيع فيه معاني النفاق، وإلا فبحسب الشيخ القرضاوي أن قذف الله حبه في قلوب العباد، وجعله فيهم من العالين، على اختلاف أقطارهم، وتباين مشاربِهم، وتنوع اهتماماتِهم، وهذا من أمارات حب الله للعبد ورضاه عنه، نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله تعالى، ويكفيه أن قال فيه علماء الأمة وكبراؤها ما قالوا، حتى قال فيه الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي، وقد كان منه في فترة بمنزلة الأستاذ من تلميذه: "إنه سبق سبقًا بعيدًا" ووضعه في صفوف شيوخ الإسلام الكبار، ورأى أن منصفًا من السلف أو الخلف لا يمكن إلا أن يكون "رضيّ النفس بما كتبَ" وألّف، وأن الأمل في الذب عن بيضة الإسلام والذود عن حياض أمته معقود بنواصي تلامذته، حفظه الله وأطال في عمره.


وهذا داعية الإسلام في الهند، العلامة الكبير الشيخ أبو الحسن الندوي، يرى فيه "قوةً للدعوة الإسلامية والتربية والتوعية، يستنير بفكره المسلمون، على اختلاف البلدان واختلاف طبقات الناس" فهو في نظره "ثروة إسلامية كبيرة". ثم انظر كيف يصفه العلامة عبد الفتاح أبو غدة، رحمه الله، وناهيك به، بقوله: "أخونا وعالمنا وفقيهنا ومرشدنا العلامة الجليل، والحبر النبيل، الأستاذ الدكتور، جمال الدين، أبو المحاسن، الشيخ يوسف القرضاوي، زاد الله في حسناته، وأمده بألطافه وبركاته". وقد كتب في حقه كلمة كأنّها روضة من الرياض، يحسن بنا أن نقتطف من ثمراتِها ما الشيخ خليق أن يوصف به، "فحقه علينا كبير بما قدم في خدمة العلم والدين، وتنبيه المسلمين، ولقد آتاه الله الأخلاق الرفيعة، والغزارة في العلم، والسداد في الرأي، والاعتدال البيِّن الخالص، فسلك قوله وعلمه إلى قلوب الناس شرقًا وغربًا، عُجمًا وعُربًا، ولقد زينه الله بِخُلُق التواضع، وعفة اللسان، وحسن المعاشرة وخفة الروح، وهضم النفس، فلا خُيَلاءَ ولا استعلاء، ولا عنجهيةَ ولا عصبية، ولا ضَعَةَ ولا خَوَر، ولا تزلُّفَ ولا تكلّف، ولا امتهان للعلم ولا ابتذال، ولكنْ عزة وأنفة تُعرفُ بِها الرجال".


ومن علماء سورية الكبار، يقرّر الأستاذ مصطفى الزرقا، وناهيك به فقيهًا، أن الدكتور القرضاوي "في علماء الشريعة وقادة الفكر الإسلامي قمّة"، وأنه "نعمة من الله تعالى أنعم بِها على المسلمين في هذا العصر". بل يرى مُحِقًّا أنه "حجة العصر!" ذلك أنه تميز بإدراكه العميق لفقه الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسيّ.


وهذا أستاذنا وحبيبنا الراحل، الأستاذ أحمد صدقي الدّجاني، يثني أبلغ الثناء على العلامة القرضاوي مفكرًا ذا رؤية واضحة، لا إفراط فيها ولا تفريط، إذ تناول موقفه من العروبة والإسلام، مبرزًا إدراكه حقيقة التكامل بينهما، وإيمانه بألا غنى للعروبة عن الإسلام، ولا للإسلام عن العروبة، فالعربية عنده "هي لسان الإسلام، ووعاء ثقافته، ولغة كتابه وسنته، والعرب هم عصبة الإسلام، وحملة رسالته الأولون، وهم الذين بعث فيهم الرسول، صلى الله عليه وسلم، من أنفسهم، ليتلو عليهم آيات الله، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ثم ينطلقوا في الأمم دعاة ومعلمين، وأرض العرب هي أرض المقدسات الإسلامية، فيها الكعبة البيت الحرام الذي جعله الله قيامًا للناس، ومثابة لهم وأمنًا، وقبلة لأهل الإسلام، فحيثما كانوا ولوا وجوههم شطره، وإليه يحجون، وبه يطوفون، ومن حوله يسعَون ويقفون وينسكون، وفي أرض العرب مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومثوى رفاته الشريف، وفيها كذلك المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله..."، "أما الإسلام، فهو الذي خلد العربية حينما نزل به كتابه العظيم، وحدّث بها رسوله الكريم، صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أخرجها من الجزيرة ونشرها في الآفاق، وهو الذي علم العرب من جهالة، وهداهم من ضلالة، ولهذا كانوا بالإسلام خير أمة أخرجت للناس، والإسلام هو الذي وحد العرب من فرقة، وجمعهم من شتات القبلية، وأكرمهم بنعمة الأخوّة بعد نقمة العداوة، وجعل منهم أمة واحدة، تواجه أعتى أمم الأرض، بما لديها من دين تغالي به، وحقٍّ تعتز بنصرته". ومن هنا كانت رؤية القرضاوي للثقافة العربية على أنها ثقافة عربية إسلامية معًا، فهي عربية بحكم اللغة التي كتبت بها، وعبرت عنها، بحكم روح القرآن العربي السارية في جنباتها، المؤثرة في أعماقها، بحكم تأثير البيان النبوي العربي، والأسوة المحمدية في مسيرتها، بحكم أن العنصر العربي هو العنصر الأول في تكوينها، بحكم أن جزيرة العرب كانت مهبط وحيها، ومنطلق دعوتها. وهي مع ذلك وقبل ذلك ثقافة إسلامية بلا ريب، بحكم الأهداف التي تتوخاها، والحوافز التي تدفعها، بحكم الفلسفة والتصورات التي تحركها وتفجّر طاقاتها، بحكم الأجناس والعناصر الإسلامية المختلفة التي شاركت فيها، عربًا وعجمًا، بحكم الرقعة الواسعة التي كانت مجالًا لها، من الصين شرقًا إلى شواطئ الأطلسي غربًا".


وقد تناول الشيخ راشد الغنوشي الفكر السياسي للقرضاوي تحت عنوان "الوسطية في الفكر السياسي للقرضاوي" وأورد في مقالته مقدمة في الفكر الأصولي للشيخ أو ما دعاه نظرية الوسطية، وسمى القرضاوي تحت عنوان فرعي آخر: رجلَ الحوار، حيث نقل عنه قوله الذي قرر فيه منهجه في الحوار، وهو مجادلة المخالفين بالتي هي أحسن، واستدعاء الجوامع المشتركة بين المتحاورين، ونبذ دواعي الفرقة بينهم والاختلاف، وأن ذلك ينسحب على الناس جميعًا، ما داموا له مستعدين.


ونهد الدكتور محمد عمارة لبيان المشروع الفكري للدكتور القرضاوي، وهو مشروع تجاوز الكتب التي قدمها للمكتبة العربية الإسلامية، ليمثل ميدانًا فسيحًا متعدد الجبهات، تجسيدًا لحياة هي أشبه ما تكون بكتيبة في جيش الإحياء الإسلامي المعاصر، رابط صاحبها ولا يزال مرابطًا على العديد من ثغور الإسلام، مدافعًا ومنافحًا، ومجتهدًا لصياغة الإسلام مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لإحياء الأمة بالإسلام، وتجديد دنياها بدينها، المتجدد دائمًا وأبدًا. ويرى عمارة أن الرجل لم يكن في ذلك واحدًا من منظري "المدن الفاضلة" التي وقفت عند أحلام الفلاسفة، مستعصية على الممارسة والتطبيق، وإنما هو واحد من الذين يريدون تجديد الدين الإسلامي لتتجدد به دنيا المسلمين، وإحياء الفكر الإسلامي ليحيا به موات الحياة الإسلامية المعاصرة، ولذلك امتزج في مشروعه النظر بالعمل، والفكر بالحركة، وكانت عينه دائمًا على أن تصب كل مفردات المشروع الفكري في بلورة الحلّ الإسلامي لمشكلات الأمة المعاصرة، وصياغة المشروع الحضاري الإسلامي، الذي يمثل بالنسبة للصحوة الإسلامية المعاصرة دليل العمل الذي ينير لها الطريق، وطوق النجاة الذي يعصمها من الدخول في طريق مسدود، كما يمثل بالنسبة لنهضتنا المنشودة البديل الإسلامي للمشروع الحضاري الغربي الذي مثل بالنسبة لأمتنا منذ قرنين من الزمان التغريب والاستلاب الحضاري الذي شوه معارفنا، وكاد يمسخ هويتنا، ويجعل منا قردة ترقص على أنغام الآخرين.


وما أجمل ما وصف به الأستاذ الكبير منير شفيق العلامة القرضاوي إذ قال فيه: فهو بين العلماء ذو باع طويل في فهم القرآن والسنة، وفي معرفة الأصول والفروع، وهو بين أهل الفكر ذو نفاذ ملحوظ في إدراك إشكالاتنا المعاصرة والتبحر فيها، وهو بين أهل المواقف الشجاعة ذو قامة عالية في مواجهة المحن والأزمات، بل هو بين من أثقلت السنون خطوهم عقلٌ حكيم، وقلب كبير، ورأي سديد، وهو بين من ألهب الحماس شبابهم جذوة متقدة وعقل متفتح وقلب حارّ.


وللحديث بقية


اترك تعليق