قرغيزستان.. صورة من بعيد لكن تهمنا

By : شعبان عبد الرحمن

قرغيزستان هي إحدى جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفيتي بعد انفكاكه، وهي واحدة من ساحات الصراع الأمريكي الروسي من جانب، ونموذج لهيمنة الحاكم الفرد وفساده حاكمًا بعد آخر من طرف آخر.

بعد استقلالها ظل النفوذ الروسي حاضرًا عبر منظومة من المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية التي فرضها الاتحاد السوفيتي السابق على دوله جميعًا كواحدة من أدوات فرض الهيمنة، وبعد السقوط ورثت روسيا ذلك النفوذ وتحاول الإبقاء عليه بشتى الطرق.

وقد فتحت روسيا أراضيها على مصراعيها للباحثين عن فرص عمل من الشعب القرغيزي (5 ملايين نسمة)، وأصبح خُمس الشعب (من 600 ألف - مليون شخص) يعمل في روسيا ويدر دخلاً على بلادهم يصل إلى قرابة ملياري دولار سنويًّا، وهو مبلغ يصل إلى أكثر من خمسة أضعاف ميزانية الدولة (350 مليون دولار)!! كما أن 60% من الدخل القومي لها يتحقق من تصدير الكهرباء لروسيا والدول المجاورة (طاجيكستان - أوزبكستان) بواسطة محطاتها الكهربائية التي تعمل بقوة مياه الجداول التي ينساب ماؤها من قمم الجبال بقوة، 80% من مساحتها عبارة عن جبال ينساب منها 3 آلاف جدول مياه تستخدم في توليد الكهرباء.

أمام تلك المصالح الاقتصادية والروابط الاجتماعية المتشابكة مع روسيا، كان اتجاه الولايات المتحدة لذلك البلد مدروسًا دراسة جيدة، اكتشفت من خلالها أن تلك العلاقات الاقتصادية مع روسيا لم تفِ بحاجة الشعب الذي بات في حاجة ماسّة لمزيد من المساعدات، واكتشفت أمريكا ميزة في الشعب القرغيزي، وهي قابليته للديمقراطية بسبب طبيعته المنبسطة، فربطت مساعداتها بما تسميه "نشر ثقافة الديمقراطية"، واتجهت العديد من المؤسسات الفكرية والتعليمية ومن أهمها الجامعة الأمريكية إلى هناك، حيث تحولت إلى قلعة ثقافية تعليمية في وسط آسيا بأسرها، وركزت رسالتها على إعداد وتعليم كوادر وطنية حكومية على أعلى مستوى، ولكن وفق الثقافة الأمريكية..

وفي الوقت نفسه فقد انهالت المنح الأمريكية لاستضافة قيادات سياسية وفكرية في دورات سياسية وثقافية في الولايات المتحدة؛ بهدف التدريب على نشر الديمقراطية! ولك أن تتصور أن 10% فقط من الدعم الأمريكي موجّه للخزانة، بينما 90% موجه للغزو الثقافي (المنح والدورات)، وبالتالي بات العقل الأمريكي موجودًا بقوة في جزء كبير من إدارة الدولة، ولكن بأسماء وطنية!

وأصبح تجمع منظمات المجتمع المدني الأمريكية في قرغيزستان من أهم التجمعات في آسيا الوسطى، وهو ما أفضى في النهاية إلى سيطرة أمريكية ناعمة على البلاد، مكنت للولايات المتحدة من قلب نظام حكم الرئيس "أقاييف" بسهولة، ذلك الرجل الذي فتح الباب على مصراعيه للولايات المتحدة لتتحرك عبر منظماتها بذريعة نشر الديمقراطية! وقد سهّل مهمة الانقلاب وجعل له قبولاً شعبيًّا فساد الرئيس وعائلته على امتداد ستة عشر عامًا من حكمه (1990 - 2005م)..

وقد رتبت الولايات المتحدة الأمور لنجاح تلك الثورة بقيادة "باكي"، حيث وصل إلى البلاد مسئولون أمريكيون وحذروا في اجتماع مع القيادات الأمنية من إراقة قطرة دماء واحدة إذا تفجرت ثورة، وإلاّ فإن مصيرهم سيكون مثلما جرى لـ"سلوبودان ميلوسوفيتش" دكتاتور يوغسلافيا السابق، وبالفعل قامت ثورة عام 2005م ونجحت في إزاحة "أكاييف" والمجيء بالرئيس "باكي".

وقد اتسم عهد الرئيس "باكي" بنهضة اقتصادية وعمرانية وحرية واسعة كثمرة من ثمار التعاون الأمريكي في هذا المجال، لكن الرجل تحول إلى روسيا وسمح لها بتوسيع قاعدتها العسكرية في مدينة "كانت" القرغيزية، في مقابل إعادة النظر في وجود قاعدة "مناس" الأمريكية على أرض بلاده.

وفي عام 2008م حاول الضحك على القطبين المتصارعين (روسيا وأمريكا) على إحكام النفوذ على بلاده، لكنه فشل، ووجد نفسه بين شقي رحى لا ترحم.. فقد زار موسكو، وهناك تم الاتفاق على أن تقدم موسكو منحة مالية كبيرة لتقوية محطات توليد الكهرباء القرغيزية في مقابل أن يعلن الرئيس عقب عودته إعادة النظر في وجود قاعدة "مناس"، وعندما عاد إلى بلاده أنشأ صندوقًا للاستثمار، وعيّن ابنه رئيسًا له، وقد لاحظت روسيا ذلك وأدركت أنه ينوي العبث بأموال منحتها لدعم المحطات الكهربائية وتحويلها إلى حسابه الخاص. وفي الوقت نفسه عندما أخبر الأمريكيين بإعادة النظر في وجود قاعدتهم، وَعَدُوه برفع إيجارها من 3 ملايين دولار إلى 6 ملايين، وحتى لا يتعرض لحرج مع روسيا وينقض اتفاقه قرروا تحويل اسم القاعدة من قاعدة "مناس الجوية" إلى محطة الدعم اللوجستي العالمية لمكافحة الإرهاب.

هنا علمت روسيا أن الرجل تلاعب بها، فحرّكت المعارضة التي حققت ثورة ناجحة هرب على إثرها إلى دولة "بيلا روسيا".. وبقي الصراع الروسي والأمريكي على النفوذ هناك مستمرًّا.. والخاسر هو الشعب!

وقد دخلت الصين على الخط، فقد باتت قرغيزستان سوقًا لبضائعها، وهو ما يزيد رقعة الصراع بين القوى الكبرى في تلك المنطقة الإسلامية بامتياز.

إن العالم العربي يكاد لا يعلم شيئًا عن تلك البلاد، فلا توجد بها أي سفارة عربية، بينما أكبر سفارة هناك هي السفارة الإيرانية!! كما أن الصهاينة تمكنوا من نسج شبكة عنكبوتية من المصالح سيطروا من خلالها على مفاتيح مهمة في البلاد، فـ"أقاييف" افتتح سفارة لبلاده في القدس، وكان كبار معاونيه الاقتصاديين من اليهود.

وفي عهد "باكي" أصبح 15% من قيادات قصر الرئاسة من اليهود، وكانت سكرتيرة الرئيس الخاصة يهودية روسية، وكان ملف الرئاسة تحت يدها بالكامل! حتى إنها كانت تحضر بعض المؤتمرات باسم الرئيس!! كما سيطر اليهود على الحياة العلميَّة هناك، حتى إنك لكي تحصل على شهادة علمية عليا فلا بد من تزكية بروفيسور يهودي، إضافة إلى أن معظم الفنيين الزراعيين صهاينة.

أليس ما جرى ويجري في قرغيزستان صورة لما جرى ويجري في العديد من بلادنا؟!

إن أدوات الاستعمار واحدة ومكررة لا تختلف، لكن الشيء المختلف هو درجة الوعي شبه الغائب لدى الشعوب المستعمرة.


اترك تعليق