معادلة (أمن إسرائيل من أمن سوريا).. أعلنها مخلوف وتبناها نصر الله

By : فادي شامية

من المعلوم أن الأقوال لا تعبر بالضرورة عن الأفعال، وأن إطراء النفس لا يعكس على وجه اليقين حقيقتها، وأن كنه الأشياء لا يتغير بالكلام المنمق، وأنه لو كان الأمر خلاف ذلك لكان الثرثارون والكاذبون قِبلة الناس وقدوتها.

 

ما سبق من مبادئ معلومة؛ ينطبق على ما ورد على لسان السيد حسن نصر الله زعيم حزب الله اللبناني, فيما خص خطابه الأخير (9/5/2013)، وبالأخص المقدمة الطويلة عن الصدق والأمانة الإعلامية، في معرض الحديث عن ذكرى تأسيس إذاعة النور التابعة للحزب، إذ المعلوم أن إعلام الحزب عموماً على جفاء واضح مع كثير من المبادئ المهنية، بما في ذلك الصدق، وإن شئنا الاحتياط؛ فإن حال هذا الإعلام كحال كثير من وسائل الإعلام اللبنانية الأخرى التي تخدم مشروعها السياسي، وينطبق عليها - قبل غيرها- التوصيفات التي أطلقها نصر الله عن الإعلام الراهن؛ "عدم مصداقية، كذب، تزوير، تضليل، افتراء الوقائع" (على سبيل المثال لا الحصر وفي القضية السورية فقط, زعمت "المنار" في بدايات الثورة السورية أن أهالي حمص يحرقون الإطارات على الأسطح لإيهام الإعلام أن المدينة تُقصف، وزعمت قبل أيام أن الغارة على دمشق استهدفت موقعاً "لتربية الدواجن محاطاً بمصانع للإسمنت والشاي"!، فضلاً عن استضافة الشتامين على شاشتها بصورة دورية، وتورطت إذاعة النور من قبل في التحريض على أهالي تلكلخ بدعوى أن البلدة معقل التكفيريين ما تسبب بتدميرها).


غير أن الموضوع الأهم لا يتعلق بوسائل إعلام الحزب، وإنما في إسقاط نصر الله المبادئ نفسها؛ أي الصدق والمقاومة -التي ألحقها بإعلامه- على قضية بالغة الحساسية؛ وهي دعم حزبه للنظام السوري الجائر.  انطلق نصر الله من اعتباره العدو الإسرائيلي يريد "إخراج سورية من معادلة الصراع"، وبما أن الهدف استراتيجي، فإن الرد – وفق نصر الله- سيكون استراتيجياً أيضاً، لا مجرد رمي بضعة صواريخ سورية على فلسطين المحتلة رداً على الغارة الأخيرة. ولهذا الرد، وفق نصر الله، ثلاثة عناوين:


1- "النظام السوري سيعطي حزب الله سلاحاً نوعياً لم يحصل عليه من قبل".


2- "إعلان فتح الباب للمقاومة الشعبية في جبهة الجولان".


3- جيش النظام "جهّز منصات صواريخ ووجهها باتجاه أهداف في فلسطين".


ما أسماه نصر الله رداً استراتيجياً؛ يحتمل تعليقات جوهرية:
أولاً: بإعلان نصر الله "أننا مستعدون لأن نستلم أي سلاحٍ نوعيٍ ولو كان كاسراً للتوازن، ومستعدون أن نحافظ على هذا السلاح"، يكون قد أقحم لبنان في تحديات خطيرة للغاية، سواء في الصراع مع العدو الإسرائيلي أو في ربط البلد بالصراعات الإقليمية، ذلك أن نصر الله يعلم يقيناً حجم الخلاف الوطني حول سلاحه، لجهة أصل جهة امتلاكه وتالياً قرار تحريكه لخدمة أهداف مُختلف عليها، فبدلاً من تهدئة المخاوف المتعلقة بهذا السلاح؛ هرب نصر الله إلى الأمام وأعلن عن استقدام سلاح كاسر للتوازن، ما يعني أنه مصر على الاستهتار بمخالفيه - وهم نصف الشعب اللبناني أو أكثر-، في أمر غاية في الخطورة، وقد يؤثر على مستقبل اللبنانيين لأجيال لاحقة (حرب بالغة التدمير مع العدو الإسرائيلي) في الوقت الذي يرفض فيه - في الخطاب نفسه- تشكيل حكومة بدو ثلث معطل له فيها، لأن ذلك تهميش و"شراكة غير حقيقية"! يعني ذلك أن وزيراً بالناقص ينقض الشراكة الوطنية، أما التغاضي عن موقف مخالف من موضوع السلاح فلا ينقض الشراكة، بل هو مفخرة لمن يتبناه، والمخالف خائن!. الموضوع المثير للفرقة ليس حاجة لبنان لسلاح يحميه من العدو الإسرائيلي، ولكن تصرف الحزب على أنه هو الجهة المخولة حماية البلد، وكأن الدولة غير موجودة، وباقي اللبنانيين ليسوا مواطنين؛ لهم رأيهم في كيفية حماية بلدهم. 


ثانياً: لا يلغي قرار فتح جبهة الجولان خزي أن الجبهة كانت مقفلة طيلة أربعين عاماً، وأن كل من حاول المقاومة فيها من السوريين حوكم بتهمة الإرهاب، (كتب الرئيس السابق للموساد أفرايم هاليفي قبل أيام في مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية: "إن بشار الأسد هو رجل تل أبيب في دمشق، وإن إسرائيل تضع في اعتبارها منذ بدأت أحداث الثورة السورية أن هذا الرجل ووالده تمكّنا من الحفاظ على الهدوء على جبهة الجولان طيلة 40 سنة")، لكن الأكثر أهمية، أن قراراً كهذا ما كان يجب أن يعلنه نصر الله باسم الدولة السورية، وإنما بشار الأسد نفسه، وأن المقاومة يجب أن تكون سورية، لا لبنانية، وأن إقحام الحزب نفسه في الموضوع لجهة المساعدة العسكرية - من باب رد الجميل للنظام السوري على دعم المقاومة في لبنان - أمر يجب أن يحظى بتوافق وطني، وهو ما لم يحصل... ببساطة، لأن السيد حسن نصر الله لا يعتبر أن موقف مخالفيه ذو بالٍ أصلاً.


اللافت في الموضوع أن نصر الله أقر خلافاً لقيادته الإيرانية - التي تروج لانتصار الأسد وانتهاء "المؤامرة"- أن نظام الأسد بات ضعيفاً لدرجة لم يعد قادراً على الإمساك بالبلاد، بالقدر نفسه الذي أقر فيه بأن المقاومة – أي مقاومة- لا تنشأ إلا على جثة الدولة. قال نصر الله: "في لبنان يوجد هامش للمقاومة لأن العالم يعتبر أن الدولة المركزية ضعيفة... بالحرب التي فرضتموها على سوريا تم تحويل التهديد (ضعف الدولة) إلى فرصة (إطلاق مقاومة)... فإلى المقاومة الشعبية في الجولان". 
ثالثاً: لا يدعو للارتياح أبداً أن تقصف طائرات العدو أرضاً عربية - ولو أن المقصوفين أشد إجراماً من القاصفين- إذ الموقف الثابت من أي حالة مشابهة هو الإدانة الفورية، لكن الواقع أن "إسرائيل" قصفت السلاح الذي تخشى من تسريبه – بقرار من النظام أو رغماً عنه - إلى جماعات معادية؛ أي "حزب الله" والجماعات المسلحة. يسري هذا المبدأ على الغارات الثلاث التي استهدفت فيها "إسرائيل" منشآت نووية أو سلاحاً حساساً. هذا يعني أن "إسرائيل" لم تكن تخشى من وجود هذا السلاح إلا عندما أصبح وجوده في حوزة النظام السوري مهدداً!، علماً بأن الغارات الأخيرة على سوريا ليست الأولى وربما لن تكون الأخيرة، ما يدعو للتساؤل: لماذا لم تُطلَق الصواريخ تجاه الطائرات أو تجاه أرض العدو؟ وما الذي دفع اليوم للتخلي عن شعار "الاحتفاظ بالرد في المكان والزمان المناسبين". لم يتغير شيء سوى أن النظام السوري بات في خطر.


وعلى أي حال؛ - وخلافاً لما أعلنه نصر الله أن إسرائيل ارتبكت من تهديد النظام السوري لها- فإن التطمين الإسرائيلي للنظام كان واضحاً وعلنياً: "إسرائيل مصممة على البقاء محايدة في الحرب الأهلية السورية"، وإن الغارات الأخيرة لا تعني إلا رفض السماح بانتقال أسلحة أو تفلّتها من أيدي النظام. هذه بُلغت لبشار الأسد مباشرة، والإعلام الإسرائيلي نقل ذلك عن أكثر من مصدر. 


 ما سبق كله يؤكد أن؛ مد "حزب الله" بسلاح غير تقليدي، وفتح جبهة الجولان، والتهديد بالرد على العدو الإسرائيلي، يؤكد معادلة النظام السوري المعتمدة منذ أربعين سنة: "أمن إسرائيل (تحديداً من جهة الجولان) من أمن سوريا"، وأن اتفاقاً غير مكتوب يقضي بتمتع جبهة الجولان بهدوء تام ما لم يتهدد النظام السوري بخطر وجودي، وتحت هذا السقف يمكن المشاغبة؛ دعم "حزب الله"، وتصدير "التكفيريين"، وإعلان الممانعة... وعليه؛ فقد اقتضى تذكير العالم كله بهذه المعادلة بداية الثورة السورية على لسان رامي مخلوف ابن خال الرئيس بشار (نيويورك تايمز- 10/5/2011) من أنه "لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا... لا تدعونا نعاني، لا تضعوا الكثير من الضغوط على الرئيس، لا تدفعوا سوريا إلى فعل شيء لن تكون سعيدة بفعله". وقد أتبع ذلك تحريك محدود لجبهة الجولان من خلال دفع مجموعات فلسطينية للتظاهر هناك.


ويعتبر كلام نصر الله الأخير تبنياً فعلياً لهذه المعادلة -فيما لو قُدِّر أن تقوم مقاومة حقيقية في الجولان- على اعتبار أن النظام السوري يدرك أن "إسرائيل" باتت تستعجل نهايته، للسبب نفسه الذي جعلها تتمسك به -وبأبيه من قبل-، وهو حماية جبهة الجولان، الأمر الذي لم يعد بشار قادراً على توفيره لأن تأخر انتصار الثورة السورية يقوي الجماعات الإسلامية المسلحة، التي ستشكل لاحقاً أكبر تهديد لجبهة الجولان.


بالعودة إلى كلام نصر الله؛ فقد حمل خطابه الأخير نقلة جديدة في الإقرار بالتورط بالدم السوري. في البدء قال نصر الله إن القتال في القصير بين لبنانيين مقيمين هناك والتكفيريين، ثم أقر بقتال الحزب في سوريا لحماية اللبنانيين هناك، كما لحماية المقامات الدينية، واليوم يعلن نصر الله أنه سيقاتل في سوريا باسم "المقاومة الشعبية السورية" التي "سنقدم لها دعمنا المادي والمعنوي والتعاون والتنسيق من أجل تحرير الجولان السوري"، علماً بأن السوريين والمراقبين جميعاً يعلمون أن الحزب يقاتل في سوريا إلى جانب النظام منذ الأشهر الأولى للثورة، وأن الحرص على اللبنانيين والمقامات الدينية في سوريا، ثم الغيرة على الجولان المحتل، ليس إلا ذرائع لإعلان تدرجي بهذا التورط..


ورغم ذلك كله يقول نصر الله في خطابه الأخير: "نحن أهل الصدق ويجب أن نكون صادقين"!


اترك تعليق