ماليزيا.. حكاية نهضة وبانيها

By : محمد سرحان

بعد 21 عامًا من وجوده في سدة الحكم في ماليزيا، وتحديدًا في 31 من أكتوبر عام 2003، قرر محاضر محمد، أو (مهاتير محمد) - كما يسميه المصريون- بإرادته الحرة، ترك السلطة والتخلي عن كل مناصبه الحزبية، في قرار تاريخي، غير مسبوق، تاركًا خلفه (خريطة طريق) واضحة تسمى (عشرين .. عشرين) تجعل ذلك البلد المسلم في عام 2020، رابع قوة اقتصادية في آسيا بعد الصين، واليابان، والهند.

 

وقع ذلك الخبر كالصاعقة على عقول الماليزيين، ولم لا، وقد قاد محاضر محمد بلدهم إلى مصاف الدول المتقدمة، ووضعها على خريطة الصناعة العالمية، والنهضة الاقتصادية، دون انتظار لمعونات أمريكية أو مساعدات أوروبية، بل اعتمد على سواعد شعبه الذي وثق به، واتبع خطاه، فكان له ما أراد من نجاح وتقدم، فحق للناس أن تحترمه ويرفعوا له القبعة.


تبدأ القصة، في 16 يوليو عام 1981، حيث كان سكان ماليزيا يعيشون في الغابات، ويعملون في زراعة المطاط والموز وصيد الأسماك، في بلد تبلغ مساحته "320 ألف كيلو متر مربع" وعدد سكانه 14 مليون نسمة، تتخطفهم الصراعات الدينية في بلد يضم 18 ديانة، ومتوسط دخل الفرد أقل من ألف دولار سنوياً.


بلد بهذه الحال، كان من المتوقع أن ينتظره مزيد من الانهيار، حتى جاء ذلك القائد، صاحب الكلمة الشهيرة: "إذا كنا جميعًا رجال دين فمن سيقوم بتصنيع الطائرات والصواريخ والسيارات وأدوات التكنولوجيا الحديثة؟! فيجب أن يكون هناك علماء في التجارة وفي العلوم التقنية الحديثة وفي كل مجالات المعرفة، ولكن على أساس من التعاليم الإسلامية".


بهذه العقلية، نجح محاضر محمد في تغيير وجه ماليزيا، وتمكن من أن ينهض بها تنمويًّا ويجعلها في مصاف الدول الاقتصادية المتقدمة، حيث رسم خريطة لمستقبل بلاده حدد فيها الأولويات والأهداف والنتائج، التي يجب الوصول إليها خلال 10 سنوات، وبعد 20 سنة، حتى عام 2020.


كان التعليم والبحث العلمي هما الأولوية الأولى على رأس الأجندة، وبالتالي خصص أكبر قسم في ميزانية الدولة ليضخ في التدريب والتأهيل للحرفيين، والتربية والتعليم، ومحو الأمية، وفي البحوث العلمية، كما أرسل عشرات الآلاف كبعثات للدراسة في أفضل الجامعات الأجنبية.


فبدأ اهتمامه بالتعليم منذ مرحلة ما قبل المدرسة الابتدائية، فجعل هذه المرحلة جزءًا من النظام الاتحادي للتعليم، واشترط أن تكون جميع دور رياض الأطفال، وما قبل المدرسة مسجلة لدى وزارة التربية، وتلتزم بمنهج تعليمي مقرر من الوزارة، بجانب إضافة مواد تُنمي المعاني الوطنية، وتغرز روح الانتماء للتعليم الابتدائي، أي في السنة السادسة من عمر الطفل.


ومن بداية المرحلة الثانوية تصبح العملية التعليمية شاملة، فبجانب العلوم والآداب تدرَّس مواد خاصة بالمجالات المهنية والفنية، والتي تتيح للطلاب فرصة تنمية وصقل مهاراتهم، فضلا عن إنشاء الكثير من معاهد التدريب المهني، التي تستوعب طلاب المدارس الثانوية وتؤهلهم لدخول سوق العمل في مجال الهندسة الميكانيكية والكهربائية وتقنية البلاستيك.


وأنشأ محاضر محمد أكبر جامعة إسلامية على وجه الأرض، أصبحت ضمن أهم خمسمائة جامعة في العالم يقف أمامها شباب الخليج بالطوابير.


وبالتوازي مع الاهتمام بالتعليم، دخلت ماليزيا مرحلة تصنيع، الأسمنت والحديد والصلب، بل وتصنيع السيارة الماليزية الوطنية (بريتون)، ثم التوسع في صناعة النسيج وصناعة الإلكترونيات، والتي صارت تساهم بثلثي القيمة المضافة للقطاع الصناعي، وتستوعب 40% من العمالة، ليحققوا في عام 1996 طفرة تجاوزت 46% عن العام السابق بفضل المنظومة الشاملة والقفزة الهائلة في الأجهزة الكهربائية، والحاسبات الإلكترونية.


وفي قطاع السياحة، استهدف تحقيق إيرادا تبلغ 20 مليار دولار في خلال 10 سنوات، بدلا من 900 مليون دولار عام 1981، لتصل الآن إلى 33 مليار دولار سنوياً، ولتحقيق ذلك، حوّل المعسكرات اليابانية التي كانت موجودة من أيام الحرب العالمية الثانية إلى مناطق سياحية تشمل جميع أنواع الأنشطة الترفيهية والمدن الرياضية والمراكز الثقافية والفنية، لتصبح ماليزيا "مركزاً عالمياً" للسباقات الدولية في السيارات، والخيول، والألعاب المائية، والعلاج الطبيعي، وغيرها العديد من المجالات.


وفي النشاط المالي، فتح الباب بضوابط شفافة أمام الاستثمارات المحلية والأجنبية لبناء أعلى برجين توأم في العالم "بتروناس" – في ذلك الوقت -بضمان 65 مركزاً تجارياً في العاصمة كوالالمبور وحدها، وأنشأ البورصة التي وصل حجم تعاملها اليومي إلى ملياري دولار يومياً.


كما زاد متوسط دخل الفرد من 1000 دولار سنوياً في عام 1981، إلى أكثر من 16 ألف دولار سنوياً، وارتفع الاحتياطي النقدي من 3 مليارات إلى 98 ملياراً، وارتفع حجم الصادرات إلى 200 مليار دولار.


كذلك أنشأ محاضرعاصمة إدارية جديدة putrajaya‏ بجانب العاصمة التجارية "كوالالمبور" التي يقطنها الآن نحو 2 مليون نسمة، إلا أن هناك خططا كي تستوعب 7 ملايين نسمة عام 2020، فتم بناء مطارين وعشرات الطرق السريعة تسهيلاً للسائحين والمقيمين والمستثمرين الذين أتوا من الصين والهند والخليج ومن كل بقاع الأرض، يبنون آلاف الفنادق.


محاضر محمد.. مولده وحياته

ولد محاضر محمد في عام 1925م بولاية كيداه بماليزيا، كان هو الأخ الأصغر لتسعة أشقاء، والدهم مدرس ابتدائي راتبه لا يكفي لتحقيق حلم ابنه "محاضر" بشراء عجلة يذهب بها إلى المدرسة الثانوية، فعمل "محاضر" بائع موز بالشارع حتى حقق حلمه.


تلقى دراسته بكلية السلطان عبد الحميد، ثم درس الطب بكلية "المالاي" في سنغافورة، والتي كانت تعرف بكلية الملك إدوارد السابع الطبية، وأصبح رئيساً لاتحاد الطلاب المسلمين بالجامعة قبل تخرجه عام 1953، كما قام بدراسة الشئون الدولية بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1967م، عمل طبيباً جراحًا، كان يخصص نصف وقته للكشف المجاني على الفقراء.


محاضر..وتجربة نجاح
فا
ز بعضوية مجلس الشعب عام 1964، وخسر مقعده بعد خمس سنوات، فتفرغ لتأليف كتاب عن "مستقبل ماليزيا الاقتصادي" في عام 1970، ثم أعيد انتخابه "سيناتور" في عام 1974، وتم اختياره وزيراً للتعليم في عام 1975، ثم مساعداً لرئيس الوزراء في عام 1978، ثم رئيساً للوزراء في عام 1981.


ولم يكن محاضر محمد مجرد رجل سياسة، بل كان -أيضًا- مفكرًا له كتبه ومؤلفاته، وكان صاحب رؤية لما ينبغي أن تكون عليه بلاده، لم يرد أن يكون انطلاقه عشوائيًّا، بل بدأ يبحث في تجارب الدول الأخرى وخاصة الآسيوية، حيث اتسمت سياسته بالاتجاه شرقًا، واستقر اختياره على التجربة اليابانية، فجعلها أمامه قدوة ومثلاً أعلى.


اختارت ماليزيا اليابان التي تحتل مكانة عالمية وإقليمية على كافة المستويات وخاصة التصنيعية، حيث تجاوز حجم إجمالي الناتج المحلي الياباني عدة مرات إجمالي الناتج المحلي لدول شرق آسيا مجتمعة، بما فيها الصين خلال فترة الثمانينيات، وكانت اليابان من الأسباب الجوهرية التي ساهمت في يقظة وتوعية الشعب الآسيوي مما أطلق عليه "وهم التفوق الأوروبي".


وكان رأي محاضر محمد أن الاستراتيجية التي انتهجتها اليابان في إنتاج سلع جيدة بأسعار زهيدة ساهمت بشكل كبير في تحقيق تفوقها على المنتجات الأوروبية والأمريكية ذات الأسعار المرتفعة، وبالتالي نجحت في السيطرة على أسواق آسيا وأفريقيا، إضافة إلى اتباع سياسة منهجية في التصنيع، وإيجاد قيادات تتمتع بمستوى علمي فائق، وتتميز بالتطور والإبداع، وعلى المستوى المعنوي نجد في اليابان الالتزام الأخلاقي والمهني بقيم العمل الآسيوية، مما يستتبعه التفاني والجدية في الأداء المهني.


إدارته للأزمة المالية
قام محاضر محمد بدور بارز في إدارة الأزمة المالية التي عصفت بكل دول شرق آسيا، ففي نهاية التسعينيات تعرضت العملة الماليزية، وهي الرينجيت، إلى مضاربات واسعة بهدف تخفيض قيمتها، وظهرت عمليات تحويل نقدي واسعة إلى خارج ماليزيا، وبالأخص من جانب المستثمرين الأجانب، وبدا أن النجاح الذي حققته ماليزيا على وشك التحول إلى فشل.


وبعد بحث مستفيض للموضوع أصدر محاضر محمد مجموعة قرارات تهدف إلى فرض قيود على التحويلات النقدية خاصة الحسابات التي يملكها غير المقيمين، وفرض أسعار صرف محددة لبعض المعاملات، في الوقت الذي اتجهت فيه معظم الدول لسياسة تعويم العملة تنفيذًا لنصائح صندوق النقد الدولي، ورغم ضغوط البنك الدولي أصر محاضر على سياسته التي أثبتت الأيام أنها كانت ناجحة، وبفضلها اجتازت ماليزيـا هذه الأزمة بأقل الخسائر، بل إن دولاً كثيرة درست سياسته، وحاولت تكرارها والاستفادة منها.


وتبقى ماليزيا تجربة رائدة في النهضة، في مختلف المجالات، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وتعليميًا، تسطر قصة شعب اتحد خلف قائد واع مدرك لديه مشروع وطني لنهضة بلاده وامتلاك قرارها، فكان محاضر محمد هو هذا القائد، لتكون ماليزيا هي محط أنظار العالم اليوم.


اترك تعليق