العلمانيون المصريون.. أنانية ومصالح شخصية

By : السيد أبو داود

كانت مظاهرات القوى الإسلامية المصرية في "جامعة القاهرة وميدان النهضة" في الأول من ديسمبر حدثًا كبيرًا أرسل بالكثير من الرسائل في مختلف الاتجاهات.

وكانت رسالة الإسلاميين للعلمانيين شديدة القوة والعنف، ذلك أن القوى العلمانية حينما استطاعت أن تنظم مظاهرة قوامها عشرون ألفًا، تصورت أنها أصبحت تملك الشارع، وبالتالي فإن من حقها أن تتحدث كما يحلو لها، وأن ترفع سقف مطالبها إلى حد المطالبة بإسقاط الرئيس الإسلامي المنتخب، وجاءت مظاهرة الإسلاميين التي تجاوزت المليوني متظاهر -وربما ضعف ذلك- لتُسكت الصوت العلماني المرتفع، ولتؤكد أن التيار الإسلامي هو التيار الشعبي، وأنه الرقم الأصعب في المعادلة السياسية المصرية؛ وبالتالي فإنه يجب على القوى العلمانية أن تتكلم وتتصرف حسب حجمها في الشارع، وهو قليل ومحدود مقارنة بحجم القوى الإسلامية.

كان الإسلاميون واثقين من شعبيتهم لدرجة استئجار اللجنة المنظمة للمظاهرة لطائرة خاصة لتصوير امتدادات المظاهرة، وإظهار الصورة الحقيقية حتى لا يستطيع العلمانيون التشكيك في الأعداد وكثافة الحشد، ولو أن التجربة لم تنجح بالكامل حيث لم تستطع اللجنة المنظمة الحصول على إذن وزارة الداخلية إلا مساءً فتم التصوير ليلاً.

وجاءت مظاهرة "جامعة القاهرة وميدان النهضة" بهذه الكثافة التي تعيد إلينا أجواء ثورة الخامس والعشرين من يناير، ردًّا على الاستفزاز العلماني الذي فاق كل حد. فقد اعتقد العلمانيون أنهم بمشاركة النظام القضائي الذي يقوده أيتام نظام المخلوع، وكذلك فضائيات رجال الأعمال الذين نهبوا وسرقوا وترعرعوا في حجر النظام البائد؛ اعتقدوا أنه لن يستطيع أحد أن يقف أمامهم. خرج الشارع المصري الذي استفزه الصَّلَف العلماني ليؤيد الإسلاميين والرئيس الشرعي المنتخب.

لقد انطلق العلمانيون من أنهم يستطيعون اصطناع أجواء ثورية وحالة ثورية جديدة امتدادًا لثورة الخامس والعشرين من يناير، وفاتهم أن الثورة ليست حالة يجري تصنيعها وإعدادها في المعمل، وإنما هي معادلة شديدة الدقة لابد من توافر أطرافها في الواقع، وإلا فإن الظروف كانت مهيأة لقيام الثورة في مصر منذ التسعينات من القرن الماضي، فلماذا تأخرت الثورة قرابة عشرين عامًا؟!

قامت الثورة في مصر كرد فعل شعبي عفوي (غير مصطنع كما يحاول العلمانيون الآن) على الحالة التعيسة التي عاشها المصريون على كافة المستويات والأصعدة السياسية والاجتماعية والاستراتيجية.

فعلى المستوى الاجتماعي: عانت فئات الشعب المصري من سياسات الإفقار، وعدم التوازن الطبقي، وانعدام العدالة الاجتماعية، والتمايز الكبير وعدم التوازن بين الطبقات، والاختلاف والتناقض الرهيب في الدخول. كما عانى المصريون من تدهور الخدمات الصحية وباتت مستشفيات الدولة خرابات تبحث عن أبسط الأمور الطبية كالشاش والقطن، وأصبح العلاج المعقول غير متاح إلا في المستشفيات الخاصة التي لا يستطيع عامة المصريين الاستفادة من خدماتها.

وأجمع المصريون على انهيار العملية التعليمية وباتت الدروس الخصوصية "الكاوية" هي الملاذ الأخير للناس، كما تدهور التعليم في الجامعات، وانتشرت الجامعات الخاصة كالوباء. وجاءت ثورة 25 يناير نتيجة حتمية لتوزيع أراضي وثروات مصر على "المحاسيب" الذين استولى الواحد منهم على مساحات لا تقاس بالأمتار أو الأفدنة وإنما تقاس بالكيلومترات، في الوقت الذي لا يجد عامة المصريين مائة متر فقط لبناء منزل متواضع.

ونتيجة لفشل السياسات الحكومية اشتعلت الأسعار كالحرائق وأصبحت تكوي المصريين كيًّا.

وعلى المستوى السياسي الداخلي: وصل تغول السلطة السياسية إلى مداه، فالأفواه مكممة، والانتخابات مزورة، والمظاهرات والاحتجاجات ممنوعة ومقموعة، وتكوين الأحزاب ممنوع، وتملك الصحف والمجلات والمحطات الإذاعية والتليفزيونية غير مصرح به، وقانون الطوارئ حاكم ومستديم، والمعتقلات مشرعة أبوابها والتعذيب داخلها على أشده، والعملية السياسية برمتها مسرحية هزلية كاذبة من الألف إلى الياء.

وعلى المستوى السياسي الخارجي: ضاعت مكانة مصر العربية والإقليمية والدولية، بعد أن أصبحت بلاد الكنانة تدور في الفلك الإسرائيلي الأمريكي لا تملِك سيادتها، فهي تدافع عن العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2008/2009م، وإن أرادت التحرك على الساحة العربية تمنعها اتفاقيات "كامب دافيد" التي تعيق حركتها، وأضحت الساحة العربية خاوية لتنافُس النفوذ الإيراني والتركي، وضاعت مكانة مصر القائدة الرائدة.

لكل ما سبق خرجت جموع الشعب المصري في ثورة 25 يناير، رافضة كل تفاصيل هذا الحال البائس، وراغبة في تأسيس دولة ديمقراطية حديثة؛ يسودها العدل، وترفرف عليها رايات الحرية. ومن أجل ذلك امتلأ ميدان التحرير بالنخبة الثورية الشابة في الفترة من 25 يناير وحتى 11 فبراير من عام 2011م.

فما علاقة ما ذكرناه هذا بما يحدث في التحرير الآن من تحالف أعداء ثورة 25 يناير، والذين رمَوْها بكل صفة سيئة؛ ابتداءً من الفنانين المعادين للثورة، مرورًا بحملة الفريق الهارب أحمد شفيق، ومجموعة "أبناء مبارك"، والأخرى "آسفين ياريس"، انتهاءً بفلول الحزب الوطني المنحل ورجال أعماله الفاسدين الذين نهبوا ثروة الشعب المصري وهم الآن يسخِّرونها لدعم الثورة المضادة؛ كل هؤلاء تحالفوا مع القوى العلمانية التي تكره الهوية الإسلامية، على أمل أن تَفشل وتنتهي ثورة 25 يناير.

وما علاقة ذلك كله بالحياة السياسية الحرة الآن في مصر؟ فهناك حرية إعلام لدرجة أن يُهان رئيس الجمهورية ليلًا ونهارًا، ولدرجة أن وزير الإعلام الإسلامي لا يستطيع أن يوقف انتقاد الرئيس المنتخب في إعلام الدولة. وهناك الآن نيابة عامة منحازة للثورة، ورئيس شرعي منتخب ينفذ مطالب الثورة. كما أصبح لدينا أرقى دستور في العالم مقارنة بدستور مبارك المفصَّل على مقاسه.

إن العلمانيين المصريين يعتقدون أن إسقاط الرئيس الإسلامي الشرعي المنتخب ديمقراطيًّا أمر ميسور، وهذا فكر صبياني منهم، لأن الإسلاميين بقواعدهم الشعبية لن يسمحوا لهم بذلك أبدًا، ثم لنفترض جدلًا أن العلمانيين نجحوا في إسقاط الرئيس الإسلامي وتمرير رئيس علماني منهم، فهل الإسلاميون سيسكتون؟! أم سيُحولون حياتهم إلى بؤس وعذاب؟! خاصة وأنهم أصحاب الشعبية والجماهيرية. وهكذا دواليك تتوالى أمور الصبيانية السياسية وتضيع مصر.

لو كان العلمانيون المصريون ناضجين سياسيًّا لما فعلوا ذلك، ولَصبروا حتى نهاية الفترة الرئاسية للرئيس الإسلامي ثم يحاولون إسقاطه عن طريق صندوق الانتخابات، ولكنهم لا يفعلون ذلك لأنهم يدركون أن صندوق الانتخابات هو مشكلتهم الكبرى، ولذلك فإنهم يريدون حل مشكلاتهم بعيدًا عنه بالتظاهر والصياح والمعارضة في وسائل الإعلام والتحالف مع دولة مبارك العميقة.

ما يحدث الآن هو أن القوى العلمانية تتاجر بالوطن، وهي لا يهمها حرق الوطن بقدر ما يهمها مصالحها الخاصة، كما يعبر عن ذلك أحد رموز وقيادات الرفض العلماني وهو "الدكتور/ محمد البرادعي" الذي ينادي بتدخل الجيش، كما يستعدي الدول الغربية على الرئيس المصري. فهل في هذا تقديم لمصالح البلاد العليا؟! أم هو نَزَق وجنون ومتاجرة بأمن واستقرار مصر من أجل مصلحة ضيقة وهي الجلوس في مقعد الرئيس الإسلامي الشرعي؟! كما يعبر عن ذلك أيضًا الرمز العلماني الآخَر "عمرو موسى" بذهابه في زيارة مشبوهة إلى الضفة الغربية عن طريق الأردن ومقابلته لوزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة "تسيبي ليفني" من أجل إشغال الرئيس المصري بالشأن الداخلي حتى لا يكون لديه وقت لنصرة غزة. أهكذا تبلغ الكراهية للإسلاميين مبلغ التحالف مع أعداء الوطن ضد مصالح الوطن العليا؟

والضرب بمصالح الوطن العليا عُرض الحائط يعبر عنه ثالث الثلاثة "حمدين صباحي" بإعلانه أنه لا يعترف بمسودة الدستور حتى ولو كان أعظم دستور في التاريخ، وأنه لن يعترف بالدستور حتى ولو وافق عليه الشعب.

هكذا استبانت الأمور إذًا؛ فالقوم لا يؤمنون إلا بديمقراطية يُفصِّلونها تفصيلًا على مقاسهم، أما المصالح العليا للوطن فهي تحت أقدامهم.

وقد انكشف العلمانيون تمامًا في موقعة تأسيسية الدستور، فكانوا ينتوون تفجيرها منذ البداية، فهم يَعِز عليهم أن تكون الغلبة فيها للإسلاميين، وهكذا فجَّروا مجلس الشعب من قبل، فهم إذًا أقلية أنانية، لا ينظرون في مواد الدستور وفي الموضوع، وإنما يهتمون فقط بالأمور الشكلية.

وقد تأكد الشعب المصري من كذبهم وخداعهم؛ فقد قالوا له من قبل: إن الدستور سيسمح بتزويج الفتاة في التاسعة من عمرها، واتضح أن ذلك كله مجرد أكاذيب. وكانت المبادرة بإذاعة الجلسات النهائية للتصويت على الدستور وتلاوته أمام الناس مادة مادة، كاشفة للقوم، وفاتحة للباب أمام جموع المصريين أن يسمعوا دستورهم وأن يؤيدوه ويؤيدوا رئيسهم الشرعي المنتخب.

وكأنها عناية الله الذي أراد بإنهاء الدستور الجديد أن يَكشف العلمانيين أمام الشعب المصري، الذي تأكد أن ما يقوله العلمانيون عن الإعلان الدستوري وعن تحصين قرارات الرئيس مجرد أكاذيب، فبعد الاستفتاء على الدستور وموافقة الشعب عليه ستسقط كافة الإعلانات الدستورية وتصبح الاعتراضات على الرئيس مرسي بلا معنى.


اترك تعليق