أسباب فشل العلمانيين في تعطيل الاستفتاء

By : السيد أبو داود

يعيش المصريون أيامًا عصيبة عاشوا مثلها كثيرًا بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، فالجميع تظاهر على الإسلاميين، ابتداءً من: اليساريين والليبراليين والفلول وعناصر النظام السابق من السياسيين ورجال الأعمال ورجال الأمن؛ إلى: الكنيسة والإعلام التابع لرموز دولة مبارك الفاسدة.

عاش المجتمع المصري هذا الاستقطاب الحاد قبل وأثناء الاستفتاء على التعديلات الدستورية في 19 مارس 2011م، وعاشوه أيضًا أثناء انتخابات مجلسي الشعب والشورى، وعاشوه أثناء وبعد حل مجلس الشعب، وعاشوه بصورة كبيرة أثناء الانتخابات الرئاسية وبصفة خاصة أثناء انتخابات جولة الإعادة.

والسبب الأكبر لهذا الاستقطاب ولهذه التعبئة والشحن الزائد للمجتمع المصري أن كل القطاعات والفئات التي أشرنا إليها سابقًا تريد أن تقف في وجه الحلم الأكبر والهدف الأسمى للمصريين حتى لا يتحقق، ألا وهو حلم استعادة الهوية الإسلامية للمجتمع المصري والاتجاه نحو الشريعة.

فهذه الفئات تعلم أنها لا تمثل الشعب المصري ولا تعبر عنه، وتعلم أن المصريين يكرهونها ولا يتفاعلون معها، ويعلمون أيضًا مدى شعبية الإسلاميين في الشارع نتيجة لالتحامهم مع هموم المصريين عن طريق برامج كفالة الأيتام وتزويج الفتيات الفقيرات ومساعدة المحتاجين، وعن طريق الخدمات الصحية والتعليمية التي تقدمها الجمعية الشرعية وجماعة أنصار السنة وجماعة الإخوان المسلمين وزمرة هائلة من الرموز والشخصيات والجمعيات الخيرية الإسلامية. ونتيجة لهذا فإن خوف العلمانيين إنما مبعثه الخوف من دعم الشارع المصري للتيار الإسلامي في سعيه لاستعادة الهوية الإسلامية لمصر.

يعلم العلمانيون علم اليقين -من خلال الدراسات الميدانية والمطالبات الشعبية- أن جماهير الشعب المصري تريد الشريعة الإسلامية، وتتوق إليها، وترى أنها العلاج لما في المجتمع المصري من مشكلات وأمراض سياسية واجتماعية واقتصادية، ومعنى ذلك أن أي استفتاء يأخذ رأي هذا الشعب في مبادئ استعادة هويته ستكون نتيجته معروفة مقدَّمًا، ولذلك فقد التف القوم ونسُوا تناقضاتهم ووحَّدوا كلمتهم في معركتهم الأخيرة قبل أن يتأسس -بقوة- المشروع الإسلامي في التربة المصرية.

اجتمعت رموز المعارضة العلمانية على تعطيل الذَّهاب إلى الاستفتاء وقال قائلهم: لن يكون هناك استفتاء أبدًا، ولن نصل إلى هذه المرحلة، ولن نتركهم يحققون مسعاهم بالوصول إلى الاستفتاء. وقال رمز معارض آخر: لن يكون هناك استفتاء على دستور باطل. وقال ثالث: لن نسمح بالاستفتاء على دستور لم نشارك فيه.

وعجبًا أن يقول ذلك المتشدقون بالليبرالية والديمقراطية، فالأمر في علم السياسة وفي دنيا الممارسة السياسية يقول: إنه في حالة الاختلاف يُعاد الأمر إلى صاحب الحق الأصيل وهو "الشعب"؛ ليقول كلمته، وليعلن موقفه، وليحسم أمره، لكن الله كشف تناقضات القوم وعدم صدقهم، وفضحهم؛ فإذا هم كذابون يناقض قولَهم فعلُهم، وهم الذين صدَّعوا رءوس المصريين بمبادئ الديمقراطية وبأسس السياسة والعمل السياسي.

وأراد الله أن يفضح منتقدي مشروع الدستور الجديد بأن اتضح للشعب المصري من خلال جمع تصريحات هؤلاء -وهي كثيرة- وضم بعضها إلى بعض، ليكتشف أنهم يكذبون ولا يقولون الحقيقة، حتى قال أحدهم: لو هذا الدستور وضعته الملائكة ولم أشارك فيه فإنه لا يصلح وسأسعى لإسقاطه. وثانٍ يقول: سنسقطه حتى لو وافق عليه الشعب. وثالث يقول لصديقه العلماني: إنه أعظم دستور في تاريخ مصر، ونحن نعارضه من أجل الضغط على الإسلاميين حتى نأخذ منهم أكبر تنازلات ممكنة.

قرأ الناس مشروع الدستور واكتشفوا أن استقرار المادة الثانية منه وعدم استطاعة أحد من العلمانيين النقصان منها استثار العلمانيين ومتطرفي النصارى الذين حلموا بإلغائها، بل كانت المفاجأة أنه تم تعزيز هذه المادة بإضافة تفسير لها في المادة رقم (219) التي تنص على أن: "مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة". فهذه الإضافة فتحت الباب واسعًا أمام الاستفادة من كنوز الشريعة، وأصبح الأمر في ملعب مجلس النواب القادم؛ ليترجم هذه المادة إلى قوانين تُقنِّن الشريعة في مختلف المجالات، والحمد لله أن هذه التقنينات جاهزة منذ عهد السادات حيث أعدتها لجنة من مائة عضو برئاسة د.صوفي أبو طالب، رحمه الله.

وعندما قرأ المصريون مشروع الدستور اكتشفوا أن المادة (226) التي تنص على أنه: "تنتهي مدة رئيس الجمهورية الحالي بانقضاء أربع سنوات من تاريخ تسلمه مهام منصبه، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة أخرى". اكتشفوا أن هذه المادة كانت سببًا رئيسيًّا في المعارضة الشديدة لجبهة الإنقاذ الوطني، فزعماؤها يحلمون بالكرسي الذي يجلس عليه الرئيس مرسي، ولذلك فقد أوضح أعضاء اللجنة التأسيسية الأمر بإعلانهم أن المنسحبين من اللجنة كانوا يقولون لهم أثناء المداولات: ألغوا هذه المادة وسنسحب كل اعتراضاتنا على أية مادة أخرى.

كما كانت المادة (232) شديدة الأهمية في استثارة المعارضة للدستور وللاستفتاء، حيث نصت على أنه: "تمنع قيادات الحزب الوطني المنحل من ممارسة العمل السياسي والترشح للانتخابات الرئاسية والتشريعية لمدة عشر سنوات من تاريخ العمل بالدستور. ويقصد بالقيادات: كل من كان عضوًا بالأمانة العامة للحزب أو بلجنة السياسات أو بالمكتب السياسي أو كان عضوًا بمجلس الشعب أو الشورى في الفصلين التشريعيين السابقين على ثورة الخامس والعشرين من يناير". ففلول النظام السابق الفاسدون كثيرون ومنتشرون في المدن والقرى، ولهم وسائلهم في شراء الأصوات والتأثير في الانتخابات.

حينما دعا الرئيس مرسي إلى جلسة للحوار الوطني -أدت إلى إلغاء الإعلان الدستوري الصادر في 22 نوفمبر وإصدار إعلان دستوري آخر في 8 ديسمبر- خسرت المعارضة العلمانية بشدة لأنها لم تحضر، كما خسرت لأن الإعلان الدستوري حقق كل ما كانت تنادي به، هنا بدأ القوم يتبعثرون وينفض جمعهم، بل استطاعت الرئاسة اجتذاب أحدهم والتحاور معه وهو السيد البدوي رئيس حزب الوفد، كل ذلك جعل المعارضة تتراجع في مواقفها وتوافق على المشاركة في الدستور، وخاصة بعد أن وصلتهم المعلومات بأن غالبية المصريين سيشاركون.

أعلن القوم مشاركتهم لكنهم كانوا قد أعدوا العدة لإفساد الاستفتاء، عن طريق إحداث العديد من المشكلات وحالات الفوضى، والعمل على أن يقع فيها ضحايا وإصابات كثيرة، فتآمروا على حصار الشيخ/أحمد المحلاوي بمسجد القائد إبراهيم بالإسكندرية بعد انتهاء صلاة الجمعة، وأوقعهم الله في الخِذلان وفضحهم، فالرجل كان يفسر قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات:6]، ولم يتطرق إلى الترغيب أو الترهيب بحث المصلين على اتخاذ أي موقف. وهكذا فقد كان الأمر مًبيَّتًا بليل وكان البلطجية الذين يحملون السلاح الأبيض والمخدرات أكبر دليل على المخطط الخبيث للمعارضة التي أعمى الله أبصارها وبصائرها بمحاصرة بيت من بيوت الله، وبمحاصرة شيخ جليل في السابعة والثمانين من عمره، ومعروف عنه قول كلمة الحق في وجه الحكام الظالمين وسجنه بسبب ذلك.

أكتب هذه السطور عصر السبت، وهو يوم الاستفتاء في مرحلته الأولى، ولم تظهر نتائج حتى الساعة، لكن استطلاعات الرأي تقول إن النتيجة ستكون بـ"نعم" بنسبة تصل إلى 70%، ونحن لا نستغرب ذلك، فالشعب المصري ذكي ولماح، وقد أيقن أن مشروع الدستور عمل راقٍ ومحترم، يعطي للمصريين حريتهم ويحفظ كرامتهم، كما تأكد المصريون من أن التصويت بـ"لا" معناه أن تبقى مصر لمدة سنة أخرى في حالة الفوضى التي يختفي فيها الأمن، وتعاني البلاد من الأزمات الاقتصادية، وفوق ذلك كله أدرك المصريون أن المعارضة العلمانية خائنة لوطنها، وأنها تسعى إلى إشعال البلاد وإفساد المشروع الإسلامي، ولا يهمها مصلحة البلاد العليا من قريب أو بعيد.


اترك تعليق