"حزب الله" في خدمة المصالح الصهيونية

By : هشام النجار

هل تَعاملَ "حزب الله" الشيعي اللبناني بإستراتيجية واضحة في الأزمة السورية، وفى الحرب الدائرة على الأراضي السورية بوصفه طرفًا فاعلاً ومُؤثرًا، وقد يحسم حضوره الصراع والمواجهات العسكرية استنادًا إلى خبراته الميدانية وتمرس مقاتليه على مثل هذه المواجهات في المعارك التي خاضها خلال العَقدين الأخيرين؟

كان المجلس العسكري الثوري في حلب واعيًا لخطورة دعم "حزب الله" لسوريا عسكريًّا بمشاركة مباشرة؛ فهدَّدَ على الفور بنقل المعركة إلى داخل الأراضي اللبنانية، بل وصلَ الأمر إلى تهديدٍ وتحذيرٍ شديد اللهجة وجَّهه رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش السوري الحر اللواء سليم إدريس بأن أعطى مهلة محددة للرئيس اللبناني وأمين عام جامعة الدول العربية وأمين عام الأمم المتحدة مدتها 24 ساعة لإخراج ميليشيات وعناصر "حزب الله" المقاتلة من الأراضي السورية، وإلا فسيتعامل مع الحزب بالمثل وسيذيقه الهزيمة الْمُرَّة على الأرض السورية، بل وداخل لبنان أيضًا.

وكانت القوى الدولية واعية لأهمية هذه المشاركة لدعم نظام الأسد واستمراريته في مواجهة الثورة العارمة التي عزمت أمرها على إسقاطه رغم التضحيات الكبيرة، فسهلتْ أمر مشاركته، وتغاضت عن إدانته، وتحفظت على تسجيله بلائحة المنظمات الإرهابية رغم ما يرتكبه من جرائم لها بُعدٌ دولي وإقليمي.

وكان الأمين العام للحزب واعيًا منذ البداية لخطورة وتداعيات الإعلان المباشر عن المشاركة العسكرية المباشرة إلى جانب نظام الأسد، بما يمثل انفرادًا بالقرار اللبناني، وضربًا لمفهوم الدولة اللبنانية، وخرقًا لسيادتها، وتهديدًا لأمنها، واستهانةً شديدة بكافة القوى الوطنية اللبنانية، وبشكل يُورط الحزب الشيعي والطائفة الشيعية العربية في مواجهةٍ مع المسلمين السُّنة في العالم العربي الذي صوَّت في آخر استطلاع أجرته شبكة الجزيرة على اعتبار "حزب الله" عدوًّا حقيقيًّا للعرب، فضلاً عن ترسيخ القناعة التي صارت ثابتًا من ثوابت اليقين الجمعي العربي واللبناني بأن "حزب الله" يتحرك ابتداءً لإعلاء وحماية المصالح الإيرانية حتى لو أضرت بالمصلحة اللبنانية، ومن ثَم المصلحة العربية.

وأكثر من ذلك رواج صورة مختلفة تمامًا للحزب الذي كان بالأمس يمثل المقاومة على الأرض اللبنانية -بحسب زعمه- حيث يظهر اليوم كخائن ومتعاون مع العدو الإسرائيلي، حينما يثور هذا السؤال الإستراتيجي المُحْرِج لـ"حزب الله" الذي تركَ الجنوب اللبناني بلا غطاء انطلاقًا إلى الشرق سفكًا لدماء عربية بريئة لا تحمل جينات المذهبية، وذنبها الوحيد أنها تاقت للكرامة والحرية؛ فكيف يأمَن الحزبُ "إسرائيلَ" لهذه الدرجة ويترك الجنوب بلا قوات وبلا غطاء مقاوِم يحميه؟! أم أن الجيش اللبناني اليوم صارَ قادرًا على الحماية التي عجز عنها بالماضي كما كان يدعي "حزب الله"؟!

وكيف يخون الحزبُ أهلَ بلدة سورية الذين كانوا هم أول من استقبل سكان الجنوب والضاحية الجنوبية عام 2006م، وأكرموا وفادتهم، واستضافوهم بكرم عربي سخي؟! فكيف يعتدي الحزب على أهل "القصير" بهذه الوحشية وتلك الرُّوح الطائفية الشريرة؟!

"حزب الله" عَرَكَ الحرب جيدًا، ويعلم تبعاتها وخسائرها، ويدرك آثارها السلبية، وهو على يقين بأن الزمن تغير، وأن أكاذيب انتصاراته الوهمية على "إسرائيل" التي كان يروج لها الإعلام العربي بعد كل هزيمة له أمام جيش الصهاينة من الصعب أن تتكرر اليوم، وأن الحرب داخل لبنان وعلى حدودها دفاعًا عنها تختلف عن الحرب خارج الحدود بجر لبنان نفسه إلى حافة الهاوية؛ فمحاولة إخفاء الآثار السيئة لخروج "حزب الله" نزولاً على الأوامر الإيرانية للقتال إلى جانب الأسد ومحاولة اعتساف مبررات واهية لمخاطبة ود الجمهور العربي مصيرها الفشل.

لهذا كله حرصَ "نصرالله" على إخفاء مشاركة حزبه في القتال الدائر في سوريا خلال عامي 2011م و2012م بالرغم من توارد الأنباء عن مشاركته الفاعلة إلى جانب قوات الأسد في العملية العسكرية التي استهدفت حي "بابا عمرو" عام 2012م، ولكنه اضطرَّ بعد ذلك للتلميح بالمشاركة بحجة الدفاع عن المراقد الشيعية المقدسة وحماية اللبنانيين بسوريا، إلى أن اضطرَّ مؤخرًا إلى الإعلان بلا مُواربة عن مشاركة حزبه الفعلية في الحرب التي اعتبرها بمثابة مواجهة مصير ووجود، واعدًا بتغيير المعادلة ومُدعيًا الدفاع عن لبنان وفلسطين وسوريا، ليس هذا فحسب، بل بالغ كالعادة في الدعاية معتمدًا على نفس العنوان الذي خدعَ به العرب طويلاً، وهو عنوان المقاومة والممانعة قائلاً: "إن الانتصار في "القصير" هو عملية وقائية هدفها الانتصار على الكيان الصهيوني"!

ونستطيع هنا تحديد بعض النقاط والخطوط العريضة التي تدل دلالة واضحة على كارثية تدخل "حزب الله" في الحرب ضد السوريين، ومقدار الخسائر الإستراتيجية التي لحقت بالحزب، ومدى ما قدمه من خدمات مجانية للعدو الصهيوني. فقد ظهرت ابتداء قوة الحزب العسكرية وقدرات عناصره القتالية، وهى تعتبر هزيلة جدًّا بالنظر إلى حجم الدعاية المصاحبة لها؛ والانتصار في معركة "القصير" شاهد على ضعف "حزب الله" عسكريًّا وليس العكس؛ فقد احتاجت القوات المشاركة في المعركة لأكثر من شهر لاقتحام بلدة صغيرة تعدادها حوالي 40 ألف نسمة تدافع عنها قوات متواضعة التسليح والإعداد والتدريب، فضلاً عن أن "حزب الله" لم يكن وحده في المعركة، بل شاركَ فيها إلى جانبه -بحسب شهادة الناشط السوري "أبو جعفر المغربل"- جيش المهدى والحوثيون القادمون من اليمن وإيران وروسيا، بمعنى أنه كانت هناك خمسة قوى متضامنة تحارب هذه المدينة الصغيرة.

وبوضوح مشاركة "حزب الله" في حرب مذهبية طائفية لصالح إيران ومشروعها التوسعي؛ سقطت جميعُ الأقنعة، وزالَ الارتباط القديم بين أهل السُّنة على امتداد الوطن العربي مع الحزب الشيعي ممن تعاطفوا معه، وصارَ "حزب الله" -بنزعاته الطائفية- محسوبًا على مشاريع الدول الكبرى الاستعمارية التي تسعى لتفكيك وتقسيم الدول العربية والإسلامية، إلى جانب انحيازه البغيض للمشروع الفارسي ضد العرب؛ حيث تُوظِّف إيران طائفةً شيعية عربية في وجه المسلمين العرب السُّنة، وهذا التصور يأخذ هذا الحزب بعيدًا عن العرب وعن مشروع المقاومة الإسلامية الحقيقية في مواجهة الدول الاستعمارية التي تسعى لتقسيم المقسَّم، وَفقَ "سايكس بيكو" جديد؛ اعتمادًا على الأطماع والخلافات المذهبية. إلى جانب ذلك تسبب "حزب الله" بمشاركته هذه في نقل الأزمة السورية إلى لبنان؛ عندما انفردَ بقرار خطير يعرض أمن اللبنانيين للخطر، خلافًا لما جاء بإعلان "بعبدا" الذي دعا للنأي بالنفس في لبنان عن الصراع السوري، فضلاً عن نقضه الصريح لما وردَ في اتفاق الطائف بأنه "يقتضي عدم جعل لبنان مصدر تهديد لأمن سوريا أو تهديد سوريا لأمن لبنان في أي حال من الأحوال".

وبالشواهد حول ما يحدث في: "صيدا"، و"طرابلس"، و"الضاحية الجنوبية"؛ نتأكد أن لبنان مُعرضة لفتنة مفتوحة سببها الرئيسي مشاركة "حزب الله" في الحرب السورية، والأهم من ذلك أنه صارَ يقينًا في الضمير اللبناني إيرانية "حزب الله" أكثر كثيرًا من لبنانيته، وطائفيته أكثر من عُروبيته، بحيث تزيد الهواجس والاحتقانات داخل لبنان؛ فقد صارَ من غير المستبعد رضوخ "حزب الله" لأوامر إيرانية بإشعال حرب أهلية جديدة في لبنان إذا اقتضت المصلحة الإيرانية ذلك بعد الانتهاء من الأزمة السورية؛ تعزيزًا لما حققه الحلف الطائفي في سوريا، أو تحسبًا للسقوط المتوقع للأسد، حيث ينظر الإيرانيون إلى لبنان على أنها المحطة الأهم، وأنها ملاذ النفوذ الإيراني الحقيقي.


اترك تعليق