أيها المصريون.. تعالوا إلى كلمة سواء

By : محمود غزلان

إن الله تعالى خلق الناس مختلفين فى المواهب البدنية والنفسية والقدرات العقلية؛ الأمور التى أدَّت إلى الاختلاف فى العقائد والمذاهب والآراء والمطامح والأطماع، وهو ما عبَّر عنه القرآن الكريم بقوله: (ولا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)، وهذا الاختلاف من سنة الوجود، وقد يكون اختلاف تنوع وتكامل، ومن ثَم يكون وسيلة للإثراء والبناء، وقد يكون وسيلة للتضاد والتعارض، وهنا يحتاج حسما، وقد جرَّبت البشرية طُرقًا عديدة لكى تحسم الخلافات وتتوقَّى أضرارها التى قد تصل إلى حد الاقتتال والاحتراب، حتى وصلت فى المجال السياسى إلى النظرية الديمقراطية التى تعتبر الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات، وهو الجدير بحكم نفسه، ولما كان من المستحيل أن يباشر كل أفراد الشعب الحكم بأنفسهم، أصبح الممكن أن يباشروا الحكم عن طريق نوَّابهم الذين ينتخبونهم بإرادتهم الحرة، وترتب على ذلك تجمع كل فريق يتفق مع المبادئ والمناهج والبرامج فى صورة حزب سياسى، وراحت الأحزاب تتنافس على الحصول على ثقة أغلبية الشعب؛ لتصل إلى الحكم لتطبق برامجها، وصارت الديمقراطية أفضل آلية لحسم الخلافات بين المختلفين.

وبعد قيام ثورة 25 يناير فى مصر أصبحنا نتطلع لإقامة حياة ديمقراطية سليمة يتم فيها السماح للأحزاب بالإنشاء بمجرد الإخطار، ثم تتنافس على السلطة تنافسًا شريفًا تحسمه الإرادة الشعبية الحرة؛ حتى يتم تداول السلطة سلميًّا.

وتم انتخاب مجلسى الشعب والشورى بهذه الطريقة، ثم انتخاب رئيس مدنى لحكم البلاد للمرة الأولى منذ 60 عامًا فى انتخابات نزيهة، وأسفرت كل هذه الانتخابات عن فوز التيار الإسلامى بالأغلبية فى كل مرة، إلا أن التيارات الأخرى سعت إلى حلِّ مجلس الشعب، وأفلحت بحكمٍ غريب من المحكمة الدستورية العليا فى ذلك، وسعت كذلك لحلِّ مجلس الشورى فى محاولة لإحداث فراغ دستورى فى البلاد، وانسحبت من الجمعية التأسيسية التى كانت تُعِدّ الدستور للبلاد، وبعد إنجازه حاولت إعاقة الاستفتاء عليه، وعندما دعا السيد الرئيس لانتخابات جديدة لمجلس النواب أعلنت انسحابها، وقد دعاها الرئيس لحوارات عديدة فأبت، ودعاها لمصالحة وطنية وعرض عليها الذهاب إليهم فرفضوا، ودعاهم للمشاركة فى الوزارة ومناصب المحافظين فامتنعوا، واستبدلوا بهذه الدعوات السِّلْمية إلى التفاهم، والتحاكم إلى الشعب صاحب السيادة والتنافس الشريف فى صناديق الانتخاب؛ مظاهرات واحتجاجات كانت تنتهى بأعمال عنفٍ وقتلٍ وحرقٍ وتخريب، مُحرِّضين مجموعات من البلطجية والخارجين على القانون باسطين عليهم غطاء سياسيًّا، الأمور التى أضرَّت بالمصالح الوطنية العليا، وحاولت إفشال النظام القائم ومحاولة إسقاطه.

والآن بدأت الدعوة لسحب الثقة من الرئيس بدعوى سوء إدارته للبلاد فى السنة الأولى من حكمه؛ متغافلين عما حقَّقَه من إنجازات، وعن ظروف البلاد التى استلم الحكم عليها، وهى مجرَّفة سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، إضافة إلى العوائق والحرائق التى قام بها أنصار النظام السابق، وقامت بها هذه التيارات المناوئة بهدف الإفشال والإسقاط، كما أن مشكلات مصر التى تراكمت عبر ثلاثين سنة لا يمكن حلُّها فى عامٍ واحد.

ومع اقتراب موعد (30/6)، ومع الشحن الإعلامى الرهيب، ومع استئجار عشرات الآلاف من البلطجية للقيام بالتخريب والقتل والحرق، يقف المصريون فى غاية القلق على البلاد والنفوس والممتلكات، وهذه الأفعال كلها يُحرِّمها الإسلام، بل كل الأديان(ولا تُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا)، (إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ)، كما ترفضها ديمقراطيات الدنيا، فرئيس وزراء إنجلترا السابق (تونى بلير) عندما قرَّر المشاركة فى غزو العراق مع أمريكا خرجت مظاهرات مليونية عديدة تحتجّ عليه، ومع أنه نفَّذ قراره بالغزو فلم يطالب أحد بإجراء انتخابات مبكرة للإطاحة به، وعندما انخفضت شعبية (بل كلينتون) فى أمريكا بعد السنة الأولى من حكمه إلى (22%) لم يطالب أحد بانتخابات رئاسية مبكرة مثلما يطالب خصوم التيار الإسلامى فى مصر.

وحرصًا على مصر وطننا جميعًا، وحقنًا للدماء المحرَّمة كلها، واحترامًا للعقل وتحكيمًا لمبادئ الديمقراطية.. أدعو جميع الفرقاء إلى الاجتماع على كلمة سواء هى نبذ العنف واللجوء إلى الحوار السلمى، واحترام إرادة الشعب وقواعد الديمقراطية، والاحتكام إلى صناديق الانتخاب، والتخلى عن استخدام القوة، وفرض الرأى وشريعة الغاب.

وعلى الجميع الانتباه إلى أن هناك من يؤجِّج نيران العداوة، ويسعى لإشعال النار فى البلاد، وعلى العقلاء والحكماء أن يُفَوِّتوا عليهم الفرصة، ويتمسَّكُوا بالشَّرْعِيَّة الشعبية، وأن يتقوا الله تعالى فى وطنهم وشعبهم.

(واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً)،،


اترك تعليق