كان إذا.. 2

By : سلمان بن فهد العودة

أبرز الصفات الراسخة في شخصية النبي -صلى الله عليه وسلم- هي:

1- العبودية: «فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» (البخاري)، ونهى عن الإطراء والغلو، ولم يسمح بتمرير فكرة أن كسوف الشمس كان لموت إبراهيم ابنه، ولم يقبل أن يسمع من أحدهم كلمة "مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ".

2- الذكر: الذي انطبعت به شخصيته، فكان يذكر الله على كل أحيانه، كان إذا أوى إلى فراشه يقرأ المعوذتين ويمسح جسده ويُسبِّح، وإذا قام من نومه نظر إلى السماء وقال: اللهم لك الحمد .. وقرأ الآيات من آخر سورة آل عمران..

وكان يكثر أن يقول: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (201) سورة البقرة.

ويستعيذ بالله من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال.

الحزن على ما فات، والغم لما هو قائم ، وهو ما يعرف بـ "القلق"، والهم لما هو مستقبل.

وكان يستعيذ من الفقر والجوع والكفر والخيانة.

3- العفوية ونبذ التكلف: جلس على بئر ودلّى فيه رجليه ومعه أبو بكر وعمر، ومر بفتى يسلخ الشاة ولا يحسن ، ففسر ذراعه وسلخها له، ورأى زاهراً الأعرابي في السوق فاحتضنه من خلفه وصاح « مَنْ يَشْتَرِى الْعَبْدَ ؟»، وقال: « إِنَّ زَاهِراً بَادِيَتُنَا وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ ».

ومن العفوية وضوح التعبير على وجهه وملامحه كما قال كعب بن مالك (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ). فالسرور يبدو عليه دون تكلف، ومثله الحزن أو الكراهية، وربما قالت عائشة -رضي الله عنها-: قَامَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عَلَى الْبَابِ فَعَرَفْتُ فِى وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةُ .

ومن العفوية أخذ الميسور من الطعام والشراب واللباس وترك التطلب للعسير، ومن ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دفع الصداق لنسائه بالميسور 500 درهم، فهذا كان عادة الناس والموافق لمستواهم الاقتصادي وليس في ذلك تعبد، فقد يزيد كما قال سبحانه {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا} (20) سورة النساء، وقد ينقص كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: « الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدِ ».

4- الصدق: في شخصيته وقوله وفعله وتطابق ظاهره وباطنه تماماً حيث انطبع الصدق على وجهه وملامحه فقال ابن سلام : فلما استثبت في وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب.

وكان يأبى أن يشير لأصحابه إشارة خفية لأخذ أحد أو سفك دمه حتى لو كان مستحقاً ويقول: « إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِى لِنَبِىٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ ».

ويقول: « أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ».

من الصدق عنده أن تعامل عدوك بأخلاقك وليس بأخلاقه هو.

وقصارى ما يفعله حتى في الحرب والحرب خدعة، أنه إذا أراد غزوة ورّى بغيرها، فإذا كانت جهته الشمال سأل عن طريق الجنوب مثلاً.

فإن هذا ممن صالح أهل حصن على أن لا يقتل منهم رجلاً واحداً، فقتلهم جميعاً إلا رجلاً واحداً وزعم أنه وفى بعهده.

وكان يقول "وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا".

وهكذا تكون العادة أعمالاً تفصيلية ثم تكبر لتكون قيماً عليا تقرأ فيه مواقف الإنسان وكلامه وصمته وأخذه وتركه وحركات بدنه أو كما يقال "لغة الجسد".

5- التفاؤل: فكان يعجبه الفأل، وهو الكلمة الطيبة يقولها الإنسان فتقدح زناد الأمل وتوقع الأفضل، لما رأى سهيل بن عمرو قال في الحديبية:

سهل أمركم.

فلم يفته أن يوظف الاسم الجميل لبث التفاؤل في نفوس أصحابه وتهيئتهم لتخفيف التوتر.

ولما زار أعرابياً يعوده من الحمى قال: طهور إن شاء الله .

فأشار إلى نقيض ما هو مشاهد وهو أن الحمى تطهير للبدن والروح.

ولأن الأعرابي مبرمج على التقاط الجوانب السلبية لم يستوعب هذه البشارة بل استنكرها وقال :

طهور؟ بل حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور.

6- الرفق: وهو صفة ذاتية طبعية جبله الله عليها ، فلا يتكلفها، وفي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلاَ امْرَأَةً وَلاَ خَادِمًا إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَىْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلاَّ أَنْ يُنْتَهَكَ شَىْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ).

فغضبه ليس لنفسه، ولا هو جبلة بل هو غضب لله فحسب، لا يداخله معنى آخر.


اترك تعليق