فلسفة الانقلاب العسكري

By : خالص جلبي

  في عام 1961م دخل ضابط كبير إلى ثكنة عسكرية خارج دمشق ففصل الضباط المصريين عنالسوريين. ثم تكلم مع السوريين فقال لقد أعددنا العدة لانقلاب عسكري بغية إصلاح الأوضاع؟ فقام ضابط شاب فقال: ولكن هذا معناه نهاية الوحدة؟ قال الجنرال: أقسملك على القرآن أننا لا نريد المساس بالوحدة ولكن هدفنا هو القضاء على الفسادوالمخابرات. قال الضابط الصغير: ولكن نزولكم يعني انقلاباً عسكرياً لا رجعةفيه؟ قال: لا .. إنما هي حركة إصلاحية؟   

 

 قرر الضابط الشاب (عدم الطاعة) فقال: لن أنزل معكم وافعلوا بي ما تريدون. وكانمعنى هذا تمردا على الأوامر العسكرية. فالانقلابات تحدث بالأوامر العسكرية. فماكان من الجنرال إلا أن عزل هذا الشاب (المتهور) مع بقية الضباط المصريينالمحتجزين وسارت القطعات العسكرية باتجاه دمشق وقامت بما عرف بحركة الانفصال.فهذه القصة تحمل مفتاح نجاح أو إخفاق الانقلابات العسكرية.   

 

 وفي كتاب (تذكرة ذهاب وعودة من الجحيم) للضابط (محمد الرايس) يكشف هذا السر مرةأخرى حينما يطلب منه (أمحمد عبابو) في حادث الانقلاب المغربي إطلاق النار علىأحد المحتجزين وإلا قتله. يقول الكاتب إنه جبن ونفذ الأمر فقتل بريئاً ولكنهشعر أنه فقد شرفه.   

 

 وفي موريتانيا قام (صالح ولد حنانه) في يونيو 2003م بانقلاب عسكري على (معاويةولد الطايع) الذي قلب من قبله بانقلاب. ولكنه لم ينجح فتحول إلى خائن يستحقالإعدام. وخرجت الجماهير طائعةً لولد الطايع وهي تهتف بالدم بالروح نفديك يامعاوية؟ ولو نجح (صالح) لاعتبر (معاوية) خائناً يستحق الإعدام وأصبح (بن حنانه)مركزاً للحنان ولخرجت الجماهير تهتف بالدم بالروح نفديك يا صالح إلى الأبد؟   

 

وواقع من هذا النوع يكتب مصير أحدهما بالخيانة والإعدام بفارق النجاح والفشل فيانقلاب عسكري لا يوصف إلا بالجنون؟ ولكن يبدو أن المجانين هم الذين يتحكمونبمصير العقلاء، وأن الوطن العربي انقلب مع الانقلابات إلى مصح أمراض عقليةيقودها عسكريون وأشباه العسكريين. فمن يقتل شخصاً يوصف بأنه مجرم مطلوب للعدالة ولكن من يقوم بالانقلابات فيقتل الآلاف يوصف بأنه القائد الأمين.  

 

  وحسب الدراسة التي تقدمت بها (كاثرين كوكس) في كتابها (السمات العقلية المبكرةلثلاثمائة من العباقرة) فإن" أقل القادة ذكاءً هم العسكريون".   

 

 ومنذ فترة بطلت بدعة الانقلابات ولكنها مازالت تتكرر من حين لآخر في مكان وآخر.ولاندري عن مصير انقلاب العسكر في مصر على مرسي في أرض الكنانة هل يخضع لهذاالقانون أو يشذ؟   

 

 يبدو أنها مثل مريض مصاب بداء الصرع يتعرض لنوبة التشنجات ويسقط إلى الأرض علىحين غفلة حين غفل عن تناول دواء الايبانوتين.    وكما هتفت الجماهير في عام 1958 م للوحدة بين مصر وسوريا وحياة عبد الناصر فقدفعلت نفس الشيء فخرجت تهتف للانفصال والخلاص من عبد الناصر. ثم جرت محاولةانقلابية لإعادة الوحدة فهتفت الجماهير لعبد الناصر والانقلابيين فلم يولد إلاالانفصال.    وبين جناحي حزب البعث العراقي والسوري انفجرت عداوة مريرة ختمت على جوازاتالسفر بعدم السماح للمواطن أن يزور كل العالم إلا العدو القريب. وما حدث بعدهذا كان أدهى وأمر فلم ترجع (الوحدة) ولم توجد حرية ولم تتقدم الأوضاع إلاباتجاه المزيد من التردي. وفي النهاية جاءت أمريكا بخيلها ورجلها إلى المنطقة.    وكما احتفل العراقيون بسقوط صنم صدام فيمكن لهذه الجماهير أن ترجع فيما لو بعثصدام من الأموات فتهتف بالدم بالروح نفديك ياصدام. وهي مؤشر أن شيئاً لم يتغيركما طلب بنو إسرائيل عبادة الصنم بعد الخروج من عبادة الأصنام في مصر فقالوا ياموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون.    

 

 وحين يستعطف المثقفون العرب حكوماتهم بمطاليب تنص على الإفراج عن معتقلي الرأيوالضمير وإلغاء حالة الطواريء وتقليص صلاحية الأجهزة الأمنية وإطلاق حرية الرأيوالتعبير والاجتماع والانتقال والسفر والعمل النقابي والسياسي وجميع الحقوقالمنصوص عليها في الدستور؛ فإن سنة التاريخ تجرى ليس وفق الطلبات بل القوانين.   

 

 وعندما نطلب من المريض في العناية المشددة أن يمارس لعب الجمباز والمسابقة فيالماراتون الدولي نضحك على أنفسنا. والأطباء يميلون إلى التشخيص الدقيقوالمعالجة المكثفة المنوعة اكثر من التمنيات.   

 

 وجرت العادة أن الطغيان لا ينحسر بالتمنيات أو الطلبات بل يزول بقانونه الخاصمن ضغط المعارضة. فهذه قوانين وجودية مثل قوانين الكهرباء في الفيزياء.   

 

 والسؤال لماذا تصفق الجماهير لكل عتل زنيم يعتلي ظهرها وتهتف بالروح بالدمنفديك؟    يمتاز مرض الانقلاب بثلاث صفات: أولاً أنه ليس مرضاً عربياً بل هو مشكلةإنسانية تتسم بالجنون وعمل العضلات.   

 

 وحينما تنام الأمة ينشط الانقلابيون في الظلام مثل كل الحشرات الليلية فيقفزونإلى السلطة بدعوى الإصلاح إلا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون.    والأمر الثاني أن هناك فرق بين (الانقلاب) و(الثورة) فالأول عسكري تغتال بهإرادة الأمة والثاني شعبي تولد فيه إرادة الأمة.    يذكر حسن عشماوي في مذكراته رأيا لم يتحمس له أحد في مقاومة الانقلاب العسكريبأن تزحف الجماهير على القصر الجمهوري فلا ترجع إلا بتراجع مجموعة الانقلاب،وهذا الذي حدث مع الثورة الإيرانية، ولكن الكل يفكر بنفس الطريقة وهي إزالة(القوة) بـ (القوة) وما يحصل أن (القوة) تستبدل بـ (القوة)فلا تتغير الأوضاعإلا نكسا والأمور إلا تدهورا.   

 

 والأمر الأخير أن الانقلاب يجعل مصائر البلد في يد مافيا عسكرية تغتصب الأمةوالدولة، وتبني وضعها بالذراع العسكرية، والأحكام العرفية وأجهزة الأمن؛ فتموتالمعارضة وتقتل الأمة قتلا.    

 

ذكرت مجلة در شبيجل الألمانية عن بلد عربي: إن المرض ليس في وجود مافيات داخلالدولة بل تحول كل الدولة إلى مافيا.   

 

إن طبيعة الانقلاب عسكرية ولا تقع في العادة إلا في الجيوش حيث يتم استلابالإنسان؛ فالقطعة العسكرية مركبة على إعدام الأبعاد الثلاثية للإنسان من(التفكير ـ والاستقلالية ـ والحرية الفردية) ومع زوال الأبعاد الثلاثية لا يبقبعدها إنسان ويتحول إلى نقطة رياضية.   

 

 ويعمد الجيش إلى اختصار مجموع إرادات الجنود بإرادة الضابط في كتل لحمية منضدةجاهزة للضرب على الأوامر والإشارة. ثم تدور دورة الاختزال اللاإنسانية مرة أخرىفتختصر إرادات الضباط بإرادة الجنرال. وفي النهاية لا تبق إلا إرادة الطاغيةالذي تذوب في إرادته كل الإرادات. وهو الذي يفسر حدوث الانقلابات أو استمرارأوضاع الانقلابات في أماكن شتى ومنه العالم العربي.   

 

وفي كتاب (سيكولوجية القطيع) لجوستاف لوبون ينتبه إلى أن الفرد يخسر عقله حينمايتصرف كفرد في مجموع. وبقدر ما تنمو حاسة النقد عند الأفراد والاستقلاليةوالمعارضة بقدر غيابها في جو القطيع. وهذا التحول يشبه الجسم حينما يفقد الدماغويخضع لارتكاسات النخاع الشوكي. وفي جو مريض من هذا النوع يتفشى التعصب وتنموالقسوة ويقفز إلى السلطة الأشقياء الأوغاد.    

 

وفي الحرب العالمية الأولى رأى الجنود الفرنسيين عبثية حرب الخنادق فتمردوافعالج الجنرالات الموقف بالمحاكم الميدانية والإعدامات. كما جاء ذكر ذلك في قصةوداعاً أيها السلاح للكاتب الأمريكي آرنست همنغواي.   

 

قصص الانقلابات تذكر بقصة الديك المغرور من كتاب الخرافات لتولستوي. ففي يومتشاجر ديكان على مزبلة وكان أحدهما أقوى من الآخر فتغلب عليه وطرده فتجمعتالدجاجات كلها حول الديك وهي تهتف بالدم بالروح نفديك ياديكنا الغالي وأرادالديك أن تنشر أخبار قوته وأمجاده في الساحات المجاورة فطار إلى قمة مخزنالغلال وأخذ يصفق جناحيه ويصيح بصوت عالي انظروا إلى إنجازاتي الثورية أناالديك المنتصر وليست لأي ديك آخر في العالم قوة كقوتي! ولم يكد الديك ينتهي حتىانقض عليه نسر قتله وحمله إلى عشه طعاماً لفراخه.   

 

هل ماحدث في مصر مع مطلع يوليو تكرار لما حدث في ثورة يوليو 1952 فيكررالتاريخ نفسه بشكل ساخر؟ أم أن مصر كبرت بما تستطيع أن تقول للعسكر لا...   

 

 الأيام حبالى وسوف نرى؟


اترك تعليق