الإخوان والديمقراطية

By : وائل نجم

قبل أيام كنت أشاهد أحد البرامج التلفزيونية على قناة خليجية حيث كانت المذيعة تستضيف أحد قادة أجهزة الأمن والشرطة في إحدى الدول الخليجية، وهو ضابط ذائع الصيت والشهرة لأسباب كثيرة، وراح يتحدث في أمور كثيرة منها ما له علاقة باختصاصه ومنها ما ليس له علاقة، ولكن ما كان بارزًا في المقابلة هو تجرؤ هذا "الموظف" في هذه الدولة على التصريح بما لم يجرؤ على التصريح به أحد بعد؛ حيث أجاب عند سؤاله عن المخاطر التي تُحدق بدول الخليج في هذه المرحلة، فأعاد جدولة وترتيب هذه المخاطر، فتناسى الخطر "الإسرائيلي" الذي يبعد عن إمارته آلاف الأميال جغرافيًّا، وإن كان هذا الخطر يجثم على صدر الأمة -ولاسيما في فلسطين- منذ ستة عقود، ويسوم أهلها والمنطقة كلها من حولها سوء العذاب، ويحتل قسمًا من أرضنا في سوريا ولبنان، فضلاً عن الاتفاقيات التي تكبل الدول التي عقدت معه اتفاقات تسوية، وكأن هذا الخطر الطامع بأموال وأراضي ومياه ونفط العرب لا يعني سعادة الضابط الموقر ولا قيادته المحترمة في شيء.

كما تناسى هذا "القائد الفذ" الخطر القريب منه؛ حيث يحتل -وَفقًا لتوصيف قيادته- الجار الإيراني ثلاث جزر يعتبرها حقًّا مقدسًا يجب أن يكون تحت سيادة حكومته، فضلاً عن أن هذا الجار يمكنه في أية لحظة أن يقفل المنفذ البحري الذي يربط الخليج بالمحيط، ويُحوِّل بذلك دول هذه المنظومة إلى العصر الحجري، خاصة وأنها تعتمد بشكل كامل على النفط حيث لن تجد -مع إجراء من هذا القبيل- منفذًا لتصدير نفطها إلى الخارج، ومع ذلك يتناسى هذا القائد هذا الخطر الجاثم على حدوده، وَفقًا لتقديره وتوصيفه هو.

الخطر الذي أراد الفريق أن يضحي به هو "الإخوان المسلمون"، فهو يريد أن يجعل مقبرتهم في الخليج، مع أني -في الحقيقة- لم أعثر على أي تصريح أو موقف تعلن فيه هذه الجماعة أنها ستشن حملةً أو "عدوانًا" على الخليج ودوله وشعوبه، بل على العكس من ذلك تمامًا فقد أكد الرئيس المصري محمد مرسي قبل أن يعزله الجيش -وهو الرئيس القادم من صفوف الإخوان- أن أمن الخليج من أمن مصر. ولعل الزيارة الأولى التي قام بها الرئيس "الإخواني" بعد انتخابه إلى خارج مصر كانت إلى الخليج، وإلى السعودية على وجه التحديد، وقد أطلق سلسلة مواقف كانت تهدف إلى طمأنة دول وحكومات وشعوب هذه المنطقة، ومع ذلك يحدد هذا الضابط الأمني "الإخوان" كأول وأبرز خطر يتهدد أمن دول الخليج العربي، مقدِّمًا ذلك على الخطر "الإسرائيلي" وعلى القلق من إيران، ويتعهد أن يجعل مقبرتهم في الخليج.

والحقيقة أنه أمام هذا الاصرار من هذا الضابط الأمني -الذي هو في الحقيقة ليس سوى موظفًا يعكس موقف حكومته، بل ربما حكومات أخرى في المنطقة- تولَّد لدي شعور بالبحث عن السبب الذي يجعل هذه الحكومات تقلق من "الإخوان" إلى هذا الحد!

لقد عثرت -بعد رحلة بحث في مواقف "الإخوان" وفي تصرفاتهم، خاصة في مصر، ولا سيما بعد ثورة 25 يناير- على السبب الذي يجعل بعض الحكومات تدفع موظفيها للتصريح بمثل هذه المواقف.

لقد عانى "الإخوان" على مدى ثمانية عقود تقريبًا من الاضطهاد والاستبداد وتسلط نظام الحكم، ثم استطاعوا مع جموع الشعب المصري إطلاق ثورة 25 يناير التي يُفترض أنها أطاحت بالنظام الاستبدادي، والأهم من ذلك أن "الجماعة" خضعت للمسار الديمقراطي السلمي، على الرغم من الإقصاء الذي مورس بحقها طيلة العقود الماضية، بل وخاضت الاستحقاقات الانتخابية الديمقراطية بكل كفاءة وجدارة، وأثبتت أنها على قدر ثقة الشعب الذي منحها ثقته في عدة محطات انتخابية كان أبرزها الانتخابات الرئاسية التي أوصلت الرئيس محمد مرسي إلى سدة الرئاسة، وهي المرة الأولى التي يصل فيها رئيس ذو توجه إسلامي إلى الرئاسة في مصر عبر صناديق الاقتراع، وقد أكدت الجماعة احترام والتزام هذا الخيار الديمقراطي، وكل ما تمخض عنه، بل نزلت على رأي وقرارات بعض المؤسسات التي لها مكانة كمؤسسات القضاء رغم "التجنِّي الصريح المكشوف" من هذه المؤسسات على مكتسبات الثورة. لقد أكد "الإخوان" أنهم ديمقراطيون أكثر بكثير حتى من القوى "الليبرالية" التي تتغنَّى بالديمقراطية داخل مصر وخارجها، سواء على مستوى مؤسساتهم الداخلية التنظيمية (انتخابات المرشد، اتخاذ قرارات بالمشاركة أو ما سوى ذلك) أو على مستوى المشاركة في إدارة شئون الدولة، ولكن مشكلتهم الوحيدة ظلت في قوة شعبيتهم وانتشارها، والتي لم تترك للقوى المنافسة مكانًا يعبِّرون فيه عن حضورهم، وهي في الحقيقة مشكلة منافسيهم وليست مشكلتهم هم أبدًا على الإطلاق.

الحقيقة أن مشكلة الضابط الأمني الخليجي -وحكومته من خلفه، وحكومات أخرى أتاحت له هذا التصريح والموقف- ليست مع "الإخوان"؛ إنما مع الديمقراطية، مع الانتخابات، مع خيارات الشعوب، مع صناديق الاقتراع؛ إذ ماذا يمكن أن تقول هذه الحكومات لشعوبها عندما تطالبها هذه الشعوب بحقها في الاختيار والمشاركة في إدارة الدولة؟! ماذا يمكن أن تجيب شعوبها عندما ترى هذه الشعوب أن غيرها يمارس حقه في إبداء الرأي والحرية والمشاركة والانتخاب وكل ما يسهم في تعزيز دور الشعوب في نهضة المجتمعات بشكل فعلي وليس كما يحدث عند البعض حيث لا دور للشعوب سوى الأكل والشرب والنوم؟!

لقد أدركْتُ هذه الحقيقة؛ لأن هذا الموظف وحكومته من خلفه يخافون الخيار الديمقراطي، يخافون صناديق الاقتراع، يخافون إطلاق الحريات، يرفضون تداول السلطة، ويفضلون الاحتكار، ولأنهم لا يستطيعون مواجهة الديمقراطية، ولا يصمدون أمام صناديق الاقتراع فلْتكن المعركة مع "الإخوان" الذين باتوا بعد كل الذي جرى -لا سيما الانقلاب الذي قاده الجيش في مصر على الرئيس محمد مرسي وعلى شرعيته الدستورية- رمزًا للديمقراطية والتحرر، ولكن رغم هذا الغبار فلن تنطلي الحقيقة على أحد، وما الحديث عن مقبرة للإخوان في الخليج سوى حديث عن مقبرة للديمقراطية التي يخافها أعداء الصناديق.


اترك تعليق