بنجلاديش..الإسلاميون في مواجهة الاستبداد العلماني

By : ليلى بيومي

إعدام الزعيم الإسلامي عبد القادر ملا، على يد الحكومة العلمانية في بنجلاديش، يعكس مدى الصراع المتأصل بين العلمانية والإسلام في هذا البلد المسلم، ومدى تجذر العلمانية الحاكمة فيه، ومدى كراهيتها للإسلام ورموزه، ومدى محاولاتها المستمرة لتحجيمه ومنع نموه بالشكل الذي يعبر عن الهوية الإسلامية الطبيعية، لشعب في غالبيته العظمى من المسلمين، وقد كانت العلمانية، تاريخيًا، من الأمور التى أدت إلى انفصال بنجلاديش عن باكستان؛ فالقادة البنغال كانوا علمانيين متطرفين وموالين للهند، فسعوا إلى الانفصال عن دولة باكستان التى انفصلت عن الهند من أجل أن تؤسس على أساس الإسلام والشريعة.

ففي عام 1971م خاضت بنجلاديش حربًا ضروسًا (حرب الاستقلال كما أسماها العلمانيون) ضد باكستان للانفصال عنها بمساعدة الهند، وعارض الشيخ عبد القادر ملا، مع باقي قادة الجماعة الإسلامية، هذا المخطط التقسيمي والانفصال عن باكستان للحفاظ على كيانها الإسلامي في المنطقة في مواجهة العداء الهندوسي ولدعم استقلال كشمير، لكن الهند دعمت عملائها في بنجلاديش حتى استقلوا، ثم سعت للقضاء على الوجود الإسلامي المنظم الذي يعبر عن طموحات الشعب البنجلاديشي.

المثير للسخرية أن العلمانية، كما هي في كل العالم الإسلامي، تحكم وتتحكم في المسلمين بلا منطق وبلا أساس قانوني، فإذا كان من المستقر قانونيًا وقضائيًا في النظم القانونية في العالم كله، أن الشاكي لا يضار بشكواه وأن مستأنف الحكم لا يضار باسئنافه .. فإما تخفف المحكمة الحكم عنه أو تلغيه كلية أو حتى تثبته .. لكن لا يمكن أبدًا أن تشدده أو تحكم بحكم أكبر منه، ولكن هذا هو الذي حدث من المحكمة التي شكلتها الحكومة العلمانية في بنجلاديش، أي أنها محكمة مسيسة لا تحظى بالاستقلال والكفاءة، فقد حكم على الشيخ عبد القادر ملا بالسجن مدى الحياة في فبراير عام 2013م، من قبل محكمة خاصة تم إنشاؤها من قبل الحكومة البنجلادشية في عام 2010م، لمحاكمة من رفض الانفصال عن باكستان في عام 1971م.

ولكن عبد القادر ملا طعن في الحكم في سبتمبر 2013م، وأنكر التهم الموجهة له، غير أن المثير للسخرية والمناقض للمنطق ولكل القواعد القانونية أن المحكمة التي تتحكم فيها الأهواء السياسية حكمت عليه بالإعدام، ليتم تنفيذ الحكم يوم الثاني عشر من ديسمبر الجاري، لتدخل بنجلاديش في دوامة من العنف، ضد تلك الأحكام الجائرة المسيسة، التي تنفذها الحكومة العلمانية ضد الإسلاميين. العلمانية في بنجلاديش تسعى للانتقام السياسي من الإسلاميين، فلم تلتزم بالمعايير الدولية في المحاكمات، ورئيسة الوزراء حسينة واجد، تعمل جاهدة على تسييس القضاء، ومحاولة فرض العلمانية في البلاد. وحسينة واجد معروفة بعدائها للإسلام، وقد منعت حكومتها حزب الجماعة الإسلامية من المشاركة في الانتخابات، المقرر إجراؤها 5 يناير المقبل، لكن الحزب مع ذلك، أدى دورًا مؤثرًا في حركة المعارضة، التي قادها الحزب الوطني البنغالي.

وقد قامت حكومة حسينة واجد في يوليو 2010م، بإسقاط عبارة "إسلامية"، من دستور بنجلاديش، مما أدى إلى احتجاجات دامية واشتباكات واضطرابات واسعة في الدولة، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 150 مليون مسلم، كما فصلت حكومة حسينة واجد، قانونا يمكنها من إعدام قادة الجماعة الإسلامية، من خلال محكمة خاصة، سمتها بمحكمة "جرائم الحرب"، والتي لاقت انتقادات من منظمات حقوقية، رأت أن التعديلات تم تفصيلها، لاستهداف قادة الجماعة الإسلامية واستئصالهم، بغية تنفيذ مخطط نشر العلمانية في البلاد، من خلال سياسة استئصال الرموز والقيادات الإسلاميين في البلاد. وإذا كان الحكم على عبد القادر ملا جاء خارج حدود المنطق، فإن توقيت التهمة كان هو الآخر خارج حدود المنطق، فقد حوكم الرجل عن تهمة مر عليها أربعون عامًا، وهي تهمة متهالكة وداحضة، إذ إن رفض الانفصال عن باكستان، جاء من نظرة إسلامية لوحدة باكستان وعدم تجزئتها، حيث إنه من المعروف أن المسلمين في الهند خاضوا صراعًا طويلاً مع الدولة الهندية حتى يحصلوا على دولة مستقلة للمسلمين بعيدًا عن الهندوس، يمارسون فيها شعائر وعبادات وعقائد دينهم، بكل حرية، فلا يعقل أن يتم تقسيم هذا البلد الحلم إلى أجزاء، خاصة وأن الأساس في المنظور الإسلامي هو السعي لوحدة الأمة المسلمة وعدم تفتيتها.

ما يؤكد النوايا العلمانية المتربصة بالإسلاميين، أنه فى عام 1971م (عام انقصال بنجلاديش عن بالكستان) اُعتقل الآلاف من معارضى الانفصال، لكن الحكومة آنذاك برّأتهم وأطلقت سراحهم، بعد إبرام اتفاق بين بنجلاديش وباكستان والهند، وأعلن العفو عن جميع المعارضين، فإذا كانت الحكومة قد برأت المتهمين وقتها، فلماذا تثار القضية مرة أخرى بعد مرور 42 عاما؟ الإجابة تكمن فى أن حزب "رابطة عوامي" العلمانى المتطرف، أدرك مدى تعاظم قوة الجماعة الإسلامية، وتضاعف نفوذ الحزب بين الناس، وأيقن أنها وبثقلها الشعبى باتت تشكل خطرًا كبيرًا عليه وعلى الطابع العلمانى للدولة، فلم يجد سوى إعادة إثارة القضية عام 2008م. وكانت الاتهامات جاهزة، بل أكثر من ذلك؛ أعلنت الحكومة عدة قرارات قمعية؛ منها حظر أية ممارسة إسلامية سياسية، ومنع التعليم الإسلامى، واتخاذ كل الوسائل الموجهة لإضعاف المعارضة الإسلامية.

وإذا كان ما حدث في مصر، ويحدث في تونس .. وغيرها من البلاد المسلمة، هو التواطؤ بين العلمانيين المحليين والتعاون بينهم وبين أسيادهم الغربيين، لمنع وصول الإسلاميين إلى الحكم، ولفرض العلمانية في التعليم والفكر والثقافة بالقوة، فإن حزب عوامي الطائفي المتطرف الذي تنتمي إليه حكومة حسينة واجد عاد إلى الحكم بطريقة مريبة بعد انقلاب عسكري عطل الدستور، ثم تم وضع دستور يناقض الإسلام، ويؤكد على علمانية بنجلاديش، وتمكنت بعده الحكومة من اتخاذ إجراءات تعسفية ضد الحزب الإسلامي بالأساس، ومنعت بموجب مادة تحظر الأحزاب الدينية (12 حزبًا إسلاميًا من العمل)، واعتقلت المئات من قادة وكوادر وأنصار الجماعة الإسلامية ثالث كتلة سياسية في البلاد، وشرعت في التخلص منهم عبر محاكمات هزلية كتلك التي أعدم بسببها الشيخ عبد القادر ملا. حكومة حسينة واجد العلمانية وحزبها الطائفي المتطرف، يحكمان كما هي عادة العلمانيين في كل مكان في العالم الإسلامي، بالقمع والجبروت والاستبداد والديكتاتورية، ولا يعبئون بالشرعية ولا بالجماهيرية، وإنما يتترسون وراء الجيش والشرطة والقضاء والإعلام، ثم بالعمالة للغرب وإيران والهند.

الغرب المنافق يؤيد هذه الحكومة الاستبدادية الطائفية المرفوضة شعبيًا ويدعمها في السر بكل أنواع الدعم، وفي العلن وأمام الإعلام يبدي تحفظًا على المسار الحالي، دون أن يؤدي هذا التحفظ إلى آليات معينة وضغوط وإجراءات لتصحيح مسار الحكومة، كما فعل مع نظام الرئيس المصري الإسلامي المعزول د. محمد مرسي. التهم الموجهة إلى القادة الإسلاميين في بنجلاديش تهم سياسية بالأساس، وتتعلق بموقفهم المعارض للحكومة البنجلاديشية التى تصفى حساباتها معهم لدرجة وصلت إلى قتل عشرات المتظاهرين السلميين الرافضين لهذا الحكم بالرصاص الحى. ترتكب الحكومة البنجلاديشية الأخطاء التى ترتكبها كل الحكومات الاستبدادية الفاسدة ضد شعوبها، وترفض التعامل بالمنطق والعقل والقانون، باعتبار أن الجماعة الإسلامية جزء أصيل من نسيج الشعب البنجلاديشي، ومن مصلحة الجميع تصفية الحسابات السياسية بالحوار السياسي، لا بالحظر والقتل والسجن والإعدام.


اترك تعليق