قوة الإسلام والقوى المعادية له

By : أ. د. يوسف القرضاوي

قال صاحبي: أذكر لك معوقاً من أشد المعوقات وأخطرها، ولا أظنك إلا موافقي عليه.

قلت: ليت شعري ما هو معوقك هذا؟

قال: إنك تؤمن معي أن القوى المعارضة للإسلام، والمعادية له، في الداخل والخارج، قوى ضخمة وهائلة، عدداً وعدةً، ولا يمكن لهذه القوى أن تسمح بعودة الإسلام، كما لا يمكن لدعاته أن يصمدوا أمامها، وهم ضعفاء الحول والطول لا سند لهم من الشرق ولا من الغرب، بل نرى الجميع يختلفون في قضايا كثيرة، فإذا كان العدو هو الإسلام اتفقوا واتحدت كلمتهم، أما المذاهب الجديدة التي دعوت إلى استيرادها في أول الحديث فلكل مبدأ منها دول تشد أزره، وكتل تحمي ظهره، بل تغذي دعاته بالفكر والثقافة، وتمدهم بالتخطيط والتمويل، والتأييد والحماية الظاهرة والخفية، أين هذا من دعاة الإسلام الذين يعاديهم الأحزاب والحكومات، وتحاربهم قوى اليسار وتضطهدهم قوى اليمين، ويتهمهم العصريون بالتزمت، كما يتهمهم المتزمتون بالترخص في فهم الدين، وتقف في سبيلهم كل المعسكرات على اختلاف ألوانها واتجاهاتها اليهودية العالمية، والشيوعية الدولية، والصليبية الاستعمارية، ومن هنا تراهم لا يخرجون من حفرة إلا ليسقطوا في مثلها أو أعمق منها. ولا يكادون ينفضون غبار محنة إلا استقبلوا أختها أو أشد منها؟؟

قلت: أما ما ذكرته فهو صحيح 100 % ولكن هذا لا يقعدنا عن الدعوة إلى ديننا ولا يثبطنا عن العمل له فإن هذه القوى المحاربة للإسلام ودعوته - باتفاقنا جميعاً - قوى شريرة ظالمة، مبطلة، لا تبغي الخير لنا، ولا السيادة لأمتنا، قوى تسيرها دوافع الحقد علينا، والطمع فينا، والتربص بنا، والخوف من انتفاضاتنا، وتكتلنا حول إسلامنا.

إنني أخالفك تماماً في اعتبار عداء هذه القوى لنا، معوقاً يثبطنا ويوئسنا، بل أعتبره حافزاً يدفعنا إلى المقاومة والمصابرة، وسوطاً يلهب ظهورنا للمضي والمثابرة إن عداء هذه القوى الشريرة في الداخل والخارج يزيدنا حرصاً على دعوتنا، وإصراراً عليها، واستقتالاً في سبيلها، فإن هذه القوى لا تعادي إلا الحق، ولا تحارب إلا الخير، ولا تقاوم إلا النور، وهنا يحضرني قول الشاعر العربي:

لقد زادني حباً لنفسي أنني      بغيض إلى كل امرئ غير طائل

وأني شقي باللئام، ولا ترى     شقياً بهم إلا كريم الشمائل

قال صاحبي: أنا معك في أن هذه القوى على باطل، وأن عداءها لدعوة الإسلام يدل على أنها دعوة الحق والخير والنور، ولكن الذي أقوله أن هذا الحق ضعيف الشوكة، مهيض الجناح، مفلول السلاح، فكيف يرجى أن تقوم له قائمة، وهذه القوى الجهنمية تقعد له كل مرصد، وتقطع على دعاته كل مسلك، وتزرع في طريقهم الأشواك والألغام؟

قلت: إن هذا المنطق من أساسه مرفوض عند دعاة الحق وأصحاب الرسالات إنهم لا يقيسون الناس بالطول والعرض، ولا يقدرون الأمور بالكم والحجم، ولا يزِنون القوة بالعدد والعدة، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، وكم من قوم غرتهم عدتهم واستحكاماتهم العسكرية، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا.

إن الإنسان إذا أيقن بالحق الذي يدعو إليه، واستقر الإيمان به في أعماق قلبه لم يبال بالقوى المعادية له والواقفة في سبيله، فإن الحق قوي بذاته، وإن كانت الدنيا كلها ضده، والنصر له في النهاية إذا أصر دعاته عليه، وصبروا وصابروا من أجله، فإن الباطل قريب الغور، قصير النفس سريع الزوال، ( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) (الرعد: 17).

ولو كان رسل الله ودعاة الإصلاح يبالون بالقوى المعادية لهم، ما انتصرت في التاريخ دعوة حق ولا رسالة خير، فإن أكثرية البشر للأسف تميل مع الهوى، وتجنح إلى الباطل، وهذا ما قرره رب البشر بقوله ولكن أكثر الناس لا يعلمون . . . . لا يعقلون . . . لا يؤمنون . . . . ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) (الأنعام: 116).

لقد قام محمد رسول الله يوم قام برسالته يدعو الناس كافة والعرب خاصة إلى دين غير دينهم، ووجهة غير وجهتهم، ونظام غير أنظمتهم، وأخلاق غير أخلاقهم، فهل ثناه عن دعوته وقوف الدنيا كلها في وجهه، ووجه القلة التي آمنت به واتبعته حتى رمتهم العرب عن قوس واحدة؟ وهل هناك مذهب ساد وانتصر إلا وسط قوى معارضة، وكتل معادية له؟ ألا ترى كيف انتصرت الشيوعية وغيرها من المبادئ الهدامة المخربة؟ ولم يكن معها إلا القليل من الناس والقليل من الإمكانات.

فما بالنا نريد للإسلام وحده في هذا العصر أن يظهر بين قوى مشجعة مؤيدة: تربت على كتفه وتصفق لدعاته، وتهتف لأنصاره: مرحى مرحى؟!!

على أننا إذا تعمقنا في تقدير وزن القوى التي لنا والتي علينا كانت كفة الإسلام بحمد الله أرجح وأثقل.

أ- فنحن بالإسلام نملك رصيداً ضخماً ولا يمكن أن تملكه دعوة أخرى وافدة من هنا وهناك، إن وراء الإسلام قوة الجماهير الغفيرة المؤمنة بربها وقرآنها ومحمدها، المتطلعة إلى من يقودها باسم الله ويضع يدها في يد رسول الله، وعندئذ تبذل المال عن رضىً واغتباط، والروح عن طواعية وارتياح، إن هذه الأمة متدينة بفطرتها، وبتاريخها، والدين هو مفتاح شخصيتها، وصيقل مواهبها، وصانع بطولاتها وسر انتصاراتها الكبرى، وهي أسرع استجابة إليه، والتفافاً به من أي دعوة دخيلة جاء بها غاصب محتل، أو بذر بذورها طامع متربص.

ب- ونملك كذلك قوة المنهج الذي ندعو إليه، قوة مبادئ الإسلام العظيمة الخالدة، نملك القوة التي تتمثل في وضوحه وشموله وعمقه واتزانه وتأثيره. الإسلام عقيدة تخاطب العقل، وعبادة تزكي النفس، وأخلاق تلائم الفطرة، وأحكام تحقق التوازن والعدل، تطارد المفاسد، وتجلب المصالح، وتعطي كل ذي حق حقه.

ومن أبرز معالم القوة في هذا الإسلام أنه ليس من وضع البشر، بل هو من تنزيل رب العالمين، وهذا العنصر الإلهي فيه جعله يبرأ من الغلو والتقصير، ومن العجز والقصور، الذي يصاب به دائماً كل منهج يضعه البشر لأنفسهم.

وهذه الميزة أيضاً تجعله أدنى إلى القبول والإذعان له من جمهرة الناس، لأنه انقياد من الإنسان لربٍ خلقه فسواه، وأمده بنعمته، وغمره برحمته، والذي يرجو مثوبته ويخشى عقابه، على عكس المبادئ الوضعية التي لا يطيعها الإنسان إلا خوفاً أو طمعاً، والتي يحاول أن يتهرب من سلطانها ما استطاع.

ومن أسباب قوة الإسلام أنه منهج نابع من أعماق الأمة وليس دخيلاً ولا طارئاً عليه بحيث تحتاج إلى ضغط مادي أو معنوي حتى تسيغه وترضى بتجرع كأسه.

جـ- إن هذه القوة المذخورة في مبادئ الإسلام لا يعادلها إلا القوى المكنونة في حنايا أمة الإسلام.

تلك القوى التي انفجرت يوماً والمسلمون في ضعف وتفرق وخذلان - فحطمت الصليبيين في ( حطين ) وهزمت التتار في ( عين جالوت ) وأسرت لويس التاسع في ( دار ابن لقمان ) بالمنصورة.

إن الأجانب من المستشرقين والدارسين لطبيعة أمتنا، وخصائص ديننا، ومذخور الطاقات في شعوبنا، هم الذين يدركون حقيقة ما نملك من قوة ذاتية، يحسبون لها ألف حساب بل يساورهم - وهم مفزع من خشية انطلاقها يوماً من الأيام. يقول البروفيسور ( جب ) في كتابه ( وجهة الإسلام ):" إن الحركات الإسلامية تتطور عادة بسرعة مذهلة تدعو إلى الدهشة، فهي تنفجر انفجاراً مفاجئاً قبل أن يتبين المراقبون من أماراتها ما يدعو إلى الاسترابة في أمرها، إن الحركات الإسلامية لا ينقصها إلا الزعامة. لا ينقصها إلا صلاح الدين من جديد ".

وكتب الرحالة الألماني ( بول أشميد ) كتاباً خاصاً بهذا الموضوع سماه ( الإسلام قوة الغد ) ظهر سنة 1936 ومما قال فيه:

إن مقومات القوى في الشرق الإسلامي، تنحصر في عوامل ثلاثة:

1- في قوة الإسلام ( كدين ) وفي الاعتقاد به، وفي مثله، وفي مؤاخاته بين مختلفي الجنس واللون والثقافة.

2- وفي وفرة مصادر الثروة الطبيعية في رقعة الشرق الإسلامي الذي يمتد من المحيط الأطلسي، على حدود مراكش غرباً إلى المحيط الهادي، على حدود إندونيسيا شرقاً.

وتمثيل هذه المصادر العديدة لوحدة اقتصادية سليمة قوية ولاكتفاء ذاتي، لا يدع للمسلمين في حاجة مطلقاً إلى أوربا أو إلى غيرها إذا ما تقاربوا وتعاونوا.

3- وأخيراً أشار إلى العامل الثالث وهو: خصوبة النسل البشرى لدى المسلمين، مما جعل قوتهم العددية قوة متزايدة، ثم قال: (فإذا اجتمعت هذه القوى الثلاث فتآخى المسلمون على وحدة العقيدة، وتوحيد الله، وغطت ثروتهم الطبيعية حاجة تزايد عددهم، كان الخطر الإسلامي خطراً منذراً بفناء أوربا وبسيادة عالمية في منطقة هي مركز العالم كله ).

ويقترح ( بول أشميد ) هذا بعد أنفصل هذه العوامل الثلاثة عن طريق الإحصاءات الرسمية، وعما يعرفه عن جوهر العقيدة الإسلامية، كما تبلورت في تاريخ المسلمين، وتاريخ ترابطهم وزحفهم لرد الاعتداء عليهم، أن يتضامن الغرب المسيحي شعوباً وحكومات ويعيدوا الحرب الصليبية في صورة أخرى ملائمة للعصر، ولكن في أسلوب نافذ حاسم.

وقال " روبرت بين " في مقدمة كتابه الذي سماه " السيف المقدس ": ( علينا أن ندرس العرب ونسبر أفكارهم، لأنهم حكموا العالم سابقاً، وربما عادوا إلى حكمه مرة أخرى، والشعلة التي أضاءها محمد لا تزال مشتعلة بقوة. وهناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الشعلة لا تطفأ. ولهذا كتبت هذا الكتاب لكي يقف القراء على أصل العرب، وسميته باسم السيف ذي النصلين الذي ناله محمد في وقعة بدر تذكاراً لانتصاره، لأن السيف أصبح رمزاً لمطالبه الإمبريالية ).

وبغض النظر عما في هذا الكلام من تحامل، وما يغلي به من حقد، فهو يبين لنا مبلغ قوة المسلمين في نظر الأجانب عنهم.

- من كتاب " من أجل صحوة راشدة تجددالدين وتنهض بالدنيا" للعلامة القرضاوي.


اترك تعليق