الدائرة المربعة!

By : سلمان بن فهد العودة

تتحدث بلهجتك، وتحرك يديك، وتردد عبارات لازمة؛ مثلا، يعني، ايش اسمه، حقيقةً .. وجهك طافح بالتعبير، أنت لا ترى ذلك كله والناس يرونه، فثمَّ رسائل غير لفظية تجعلهم يرونك بمنظار ما قد يخفى عليك لأنك لا ترى نفسك.

صديق يتحدث ولا يستطيع الاتصال بعينينه أثناء الحديث، وقد يتجنب كثيرون إخباره بهذه الملاحظة دفعاً للإحراج.

هذه هي (المنطقة العمياء)، شعورك بوجودها سيجعل جزءاً من مصباحك ينعكس عليها لتهذب تعاملك وتعيد صياغة عباراتك وتتحكم في ملامحك (الابتسامة مثلاً). كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لأصحابه « إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ »، ويطلب منهم إذا سها أن يذكروه.

التغذية الراجعة يجب أن تستخدم بطريقة فعالة لتطوير الأداء، عادة ما يقول الشخص إذا سمع ملاحظة على سلوكه لم ينتبه لها: لالالا .. هذا غير صحيح. وقد يتحول إلى شخص هجومي يتهم الآخرين بأنهم قصدوا الإساءة إليه أو لم يفهموه و (رحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا).

* من تجارب الطفولة تعلمنا أن نلبس (القناع). خوفنا من الناس وعدم معرفتنا بهم بالقدر الكافي يجعلنا نتردد في أن نقول لهم رأينا حول أشخاصهم أو حول الحياة، أشياء كثيرة سنحتفظ بها لأنفسنا كأسرار، وإن كانت الحقيقة أن فتح الصدر والتعبير عن الذات هو أنفع وسيلة للتواصل بيننا وبين الآخرين. الأسباب العرفية أو الأخلاقية قد تجعلني أحجم عن بعض ما أحب قوله. أخطائي التي أستحي من ذكرها، أسراري التي أحتفظ بها لنفسي، نقاط ضعفي، أمنياتي المدفونة، مخاوفي التي لم أبح بها لأحد ..

ربما شعرت يوماً بالارتباك ولكني أخفيته عمن حولي، وربما أحسست بحاجتي إلى البكاء ولكني أمسكت نفسي {سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} (10) سورة الرعد. * تشاهد شخصاً لأول مرة وحين ينصرف تقول لصديقك: (سبحان الله! ها الشخص ما حبيته خلقة)! « الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ .. » قد لا يكون هذا الإنسان من فصيلتك.

وربما كان في لاوعيك يشبه شخصاً آخر خزنت عنه موقفاً سلبياً في طفولتك نسيت الموقف ولكنك لم تنس الانطباع عنه، فظل مخزوناً في اللاشعور، في (منطقة المجهول) حيث الكثير من الدوافع والمشاعر والذكريات التي لا تعرفها أنت ولا يعرفها الناس، في عقلك الباطن منجم ضخم للأحجار الكريمة، ومزبلة لما هب ودب!

وهذا داخل في ما هو أخفى من السر كما في التنزيل. خوض التجارب، توسيع المعرفة، تنويع العلاقات، السفر، هي أمور تظهر بعض ما خفي. التحليل النفسي؛ لماذا أنا هكذا اليوم؟ ولماذا كنت كذلك بالأمس؟ ما سبب هذا الشعور المفاجئ؟ ما سبب حبي أو كرهي؟ قد يساعد على معرفة الدوافع الخفية.

* حينما نكون صرحاء ومنفتحين ومشاركين لغيرنا يكون واضحاً ماذا نريد من الناس؟ وماذا يريد الناس منا؟ هذه منطقة وعي نعرفها عن أنفسنا، ويعرفها الناس عنا، وهي منطقة تتسع كلما زادت الثقة بيننا وبين الآخرين من الزملاء والأصدقاء والأسرة، وتدربنا على العفوية والسلاسة. وضوح القيم التي تؤمن بها والمميزات الشخصية والهوايات والانفعالات يزيد من مساحة (الميدان العام) الذي يحتويك ويحتويهم.

اتساع المنطقة المفتوحة التي نعرفها ويعرفونها عنّا يعني صغر منطقة (القناع) الذي نزيف به شخصياتنا، ويسهّل التواصل والتعاون والعمل المشترك، حيث تنساب المشاعر والأفكار، وتتقارب الجهود، ويسهل على كل طرف أن يعرف شخصية الآخر دون تعقيد. الفعالية الناجحة تتحقق حين يكبر الميدان المفتوح في شخصية ما، ويصغر حجم المنطقة العمياء ومنطقة الأسرار.

(جوهر) ليس اسماً عربياً، هو مركب من (جوزيف لوفت) و (هاري) اللذين اكتشفا هذا النموذج الاتصالي الجميل. الآية الكريمة {وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} (7) سورة طـه، تغطي هذه الدوائر، بالجهر الذي يستوي الناس في معرفته، وبالسر الذي يخفيه عن الآخرين، أو يخفيه الآخرون عنه وهو يتعلق به، وما أخفى من السر يتسع لمعانٍ عدة، منها السر الذي لا يعلمه المرء عن نفسه ولا يعلمه الناس عنه. الوعي بالذات يجب أن يسبق الوعي بالآخرين، معرفة نفسك وأهدافك وعناصر قوتك ونقاط ضعفك، من أنا؟ ماذا بداخلي؟ لماذا أنا متحمس؟ هل أنا على صواب؟ .. قبل معرفة الآخرين ومخططاتهم وأهدافهم. هل قرأت كتاب قوة التركيز (لعدة مؤلفين)؟

عندما تقرأ المعلومة فهي معرفة فحسب، ولكن عندما (تدركها) تتحول إلى (وعي)، إدراكها يعني تقبلها والتفاعل معها وتطبيقها. أنت في الخلاصة مجموعة من العادات الهائلة الإرادية وغير الإرادية، تعلّم كيف تبني عادة وتهدم أخرى!


اترك تعليق