عمرو بن العاص فاتح مصر

By : أ. د. يوسف القرضاوي

رسالة الإسلام

هو عمرو بن العاص بن وائل، القرشي السهمي، يكنى أبا عبد الله وأبا محمد، وكان يعمل في الجاهلية جزارًا، كما احترف التجارة أيضًا، فقد كان يسافر بتجارته إلى الشام واليمن ومصر والحبشة.

كما كان من فرسان قريش وأبطالهم المعدودين، مذكورًا بذلك فيهم، وكان أيضًا شاعرًا حسن الشعر، وعرف عنه أنه داهية من دهاة العرب، وصاحب رأي وفكر، لذلك أرسلته قريش قبل إسلامه إلى الحبشة، ليطلب من النجاشي تسليمه المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة، فرارا من الكفار وإعادتهم إلى مكة، لمحاسبتهم وردهم عن دينهم الجديد، فلم يستجب له النجاشي.

 وبعد إسلامه فتح مصر بعد أن قهر الروم، وأصبح واليا عليها بعد أن عينه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

إسلامه

دخل الإسلام في السنة الثامنة للهجرة، بعد فشل قريش في غزوة الأحزاب، وقدم إلى المدينة المنورة مع خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة، مسلمين بعد مقاتلتهم الإسلام.

ولما أسلم كان النبي يقربه ويدنيه لمعرفته بشجاعته، وقد بعث إليه رسول الله يومًا يقول له: "خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني".. فقال عمرو: "فأتيته وهو يتوضأ فصعّد فيَّ النظر"، ثم طأطأه فقال: "إني أريد أن أبعثك على جيش، فيُسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة".. قال: قلت: يا رسول الله، ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله، فقال: "يا عمرو، نعم المال الصالح للمرء الصالح".

صفاته

كان عمرو بن العاص قصير القامة، قوي البنية، مرن الأعضاء، تعود جسمه احتمال المشقة، وقد ساعده ذلك على أن يبرز في أفانين الفروسية والضرب بالسيف.

و كان عريض الصدر واسع ما بين المنكبين، له عينان ثاقبتان، سريعتا التأثر بحالته، سواء كان غاضبا أو فرحا، وفوقهما حاجبان غزيران، وكان أدعج (شديد سواد العين)، أبلج (أبيض ما بين الحاجبين)، ودون ذلك فم واسع، كان يخضب لحيته بالسواد، وافر الهامة، وجهه ينم عن القوة من غير شدة، وتلوح عليه لائحة البشر والأنس، وكان خطيبا بليغا محبا للشعر ويطرب له، وفوق ذلك كان شديد التواضع، وقد أخرج ابن المبارك عن جرير بن حازم، قوله سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير يقول: "مَرَّ عمرو بن العاص فطاف بالبيت فرأى حلقة من قريش جلوسًا، فلما رأوه قالوا: أهشام (أخو عمرو) كان أفضل في أنفسكم أو عمرو بن العاص؟ فلما فرغ من طوفه جاء فقام عليهم، فقال: "إني قد علمت أنكم قد قلتم شيئًا حين رأيتموني، فما قلتم؟ قالوا: ذكرناك وهشامًا فقلنا: أيهما أفضل؟ فقال: "سأخبركم عن ذلك، إنا شهدنا اليرموك فبات وبِتُّ في سبيل الله، وأسأله إياها، فلما أصبحنا رُزِقَهَا وحُرِمْتُهَا، ففي ذلك تبين لكم فضله عليَّ.

وقد ولاه رسول الله غزاة ذات السلاسل، وأمده بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح، ثم استعمله على عُمان، فمات صلى الله عليه وسلم ومازال ابن العاص أميرها، ثم كان من أمراء الأجناد في الجهاد بالشام في زمن عمر، وهو الذي افتتح قِنَّسْرِين، وصالح أهل حلب ومَنْبج وأنطاكية، وولاه عمر فلسطين، هذا غير جهاده العظيم في حروب الردة.

فتح مصر

كان أهل مصر علي عهد الدولة البيزنطية، يعيشون في ظلم مرير، فالمسيحيون المصريون الذين كانوا على مذهب يعقوب البردعي، الذي يقوم على مبدأ وحدة طبيعة المسيح الإلهية، قد تعرضوا للاضطهاد من قبل الروم البيزنطيين، الذين كانوا على مذهب الملكاتي، الذي يقوم على مبدأ ثنائية طبيعة المسيح.

كان عمرو بن العاص قد زار مصر من قبل في تجارة له، وعندما تولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة، فاتحه عمرو في أمر فتح مصر أكثر من مرة، حتى وافقه عمر، فسار بجيش مكون من 4 آلاف رجل، وعبر بهم من فلسطين إلي العريش،  ومر ببئر المساعيد حتى انتهي إلي الفرما، وهو ميناء صغير علي البحر، وتقابل هناك مع حامية رومية و دار قتال شديد، حتى انتصر المسلمون، ثم واصلوا السير إلي داخل مصر، حتى وصلوا إلي بلبيس في دلتا مصر في مارس 640م/ ربيع أول 19 هجرية .

و في بلبيس تقابل جيش المسلمين مع جيش الروم، بقيادة Arteon الذي سماه العرب أرطبون، وانتصر المسلمون بعد قتال دام شهر، واستولوا علي بلبيس، ثم تقدموا إلي حصن بابليون، و كان الحصن فيه حامية رومية كبيرة، ويقع في منطقة تسمي مدينة مصر، وهي منطقة مزارع من قرى وحدائق تتصل جنوباً بمدينة منف في الجيزة، علي الضفة الغربية للنيل، وكان حصن بابليون شديد المنعة، فأرسل عمرو بن العاص يطلب مدداً، من الخليفة عمر بن الخطاب.

أقام عمرو في الفيوم، للتزود بالمؤن وانتظار المدد العسكري من الحجاز، لمحاصرة واقتحام الحصن، ووصل المدد من الخليفة عمر بن الخطاب، قوامه أربعة آلاف رجل وعلى رأسهم أربعة من كبار الصحابة، هم الزبير بن العوام و مسلمة بن مخلد وعبادة بن الصامت والمقداد بن الأسود، فتسني لعمرو بن العاص ترتيب صفوفه واتجه لملاقاة جيش الروم الذي كان يقدر بـ20 ألف جندي، وتقابل الجيشان في موقعة كبري، هي عين شمس عام 640م / 19هجرية، وانتصر عمرو بن العاص انتصاراً كبيراً، و فر من بقي من جيش الروم، إلى داخل حصن بابليون.

توجه عمرو بن العاص بجيشه إلي حصن بابليون، وحاصره 7 أشهر متواصلة . فأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص يفاوضه، يعرض فيها عليه مبلغاً من المال نظير رجوع المسلمين لبلادهم، ولكن عمرو بن العاص رفض، وقال له ليس بيننا و بينكم إلا ثلاث خصال: الإسلام أو الجزية أو القتال.

فأشار المقوقس علي الحامية الرومانية، التسليم والصلح، ولكن الحامية رفضت وكذلك الإمبراطور الروماني هرقل، الذي قام بعزل المقوقس عن حكم مصر، فتجدد القتال وشدد المسلمون الحصار علي الحصن، وفي أبريل 641م، استطاع الزبير بن العوام تسلق سور الحصن، ومعه نفر من جند المسلمين، و كبروا، فظن الروم أن العرب اقتحموا الحصن، فتركوا أبواب الحصن وهربوا إلي الداخل، فقام المسلمون بفتح باب الحصن، واستسلم الروم وطلبوا الصلح، فأجابهم عمرو بن العاص سنة 641 م / 20 هجرية.

بعد سقوط حصن بابليون، فقد الروم معظم مواقعهم في مصر، ولكن مازالت عاصمتهم المزدهرة الإسكندرية في أيديهم، ورأى عمرو بن العاص أن مصر لن تسلم من غارات الروم، طالما بقيت الإسكندرية في حوزتهم،  فاتجه بجيشه إلي الإسكندرية، وفرض عليها حصارا بريا استمر لمدة أربعة أشهر، ولكن هذا الحصار لم يكن مجديا لأن المواصلات بينها وبين الإمبراطورية الرومانية عن طريق البحر، ظلت مفتوحة، لولا موت الإمبراطور الروماني وحدوث فتن واضطرابات عمن يخلفه.

فقرر عمر بن العاص اقتحام المدينة، وعهد إلي عبادة بن الصامت بذلك، فنجح في اقتحام المدينة بجنده، وجاء المقوقس إلي الإسكندرية، ووقع على معاهدة الإسكندرية مع عمرو بن العاص  سنة 642 م / 21 هجرية، وكانت تنص علي إنهاء حكم الدولة البيزنطية لمصر، وجلاء الروم عنها، ودفع الجزية للمسلمين، دينارين في السنة عن كل شخص وإعفاء النساء والأطفال والشيوخ منها.

 وكان تعداد مصر في ذلك الوقت، من ستة إلي ثمانية ملايين قبطي، على أرجح الأقوال، وكان عدد من تجب عليهم الجزية، من مليون إلى مليوني قبطي.

و بعد أن استتب الأمر لعمرو بن العاص في الإسكندرية، أرسل عقبة بن عامر إلى النوبة لفتحها، ولكنه لم يستطع لشدة مقاومة أهلها، الذين كانوا مهرة في النبال، وكانوا يوجهون نبلهم إلي عيون جنود الأعداء، فسموا رماة الحدق.

بعد إتمام فتح مصر، ولى عمر بن الخطاب عمْرًا بن العاص على مصر. وعندما استتب له الأمر في الإسكندرية، عاد إلي موضع فسطاطه عند حصن بابليون، وشرع في بناء عاصمة لمصر بدلاً من الإسكندرية، لأن الخليفة عمر بن الخطاب، أمره أن يختار عاصمة لا تكون بينها وبينه ماء.

اختار عمرو بن العاص موقعاً بالقرب من حصن بابليون، غرب جبل المقطم ليبني حاضرته الجديدة،  وأسماها الفسطاط و تعني الخيمة.

استمرت الفسطاط في الاتساع والازدهار، وأصبحت مركزاً للتجارة، حتى أحرقها شاور وزير الخليفة الفاطمي العاضد، خوفاً من استيلاء الصليبيين عليها سنة 116م.

كما بنى عمرو بن العاص، أول مسجد  في مصر وإفريقيا وهو جامع عمرو بن العاص في وسط مدينة الفسطاط  سنة 642 م / 21 هـ.  وعندما بني المسجد لأول مرة، كان له ستة أبواب، وبه ساحة غير مسقوفة،  وكانت أعمدته الداخلية من جذوع النخل وسقفه من الجريد، ويقال إنه وقف على إقامة قبلته، ثمانون رجلاً من الصحابة، منهم: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو ذر الغفاري.


اترك تعليق