دموع الشيخ على الدماء التي ( ربما ) تسفك

By : حازم سعيد

طب والتي سفكت فعلاً وتجاوزت خمسمائة نفس طاهرة بخلاف آلاف الجرحي والمصابين ، مفيش دمعتين علشانهم ؟


كانت هذه الجملة هي أول ما حدثتني به نفسي وأنا أستمع لكلمة الشيخ محمد حسان وأشاهد دموعه ، وما كان لنفسي أن تحدثني بهذا الكلام لولا ما رأيته من سلبيات - وعورات كلماته - وأخشى أن أطلق عليها ( عسل بداخله السم ) .

صوفية السلفية ؟
على طول عمري لا أحب مدرسة الشيخ لا هو ولا الشيخ يعقوب ولا غيرهم ممن أطلق على مدرستهم ( صوفية السلفية ) أو ( الدراويش ) وهي المدرسة التي تفرغ السلفية من مضمونها العملي الحركي الجهادي إلى المضمون التعبدي البكائي ، فالإسلام والسلفية - بحسب فهمي لهذه المدرسة - هي شعائر تعبدية ومناسك وبكاء وقراءة قرآن وأوراد وصدقات ورقائق وزهد ( نظري ) - اما المضمون الجهادي ، مضمون عبد الله بن المبارك العابد المجاهد ، مضمون سعيد بن جبير صاحب كلمة الحق عند سلطان جائر ، فلا أراه ولا أعرفه .
إنها مدرسة الشيخ يعقوب الذي اعترض على تظاهراتنا من أجل مناصرة غزة في 2008 لما داهمها اليهود واحتقر هذه التظاهرات وقال أن القدس لا تنصر بالتظاهرات .
إنها مدرسة الشيخ الحويني الذي اعتزل الناس في 25 يناير لأنها فتنة لا يدري أين الحق فيها من الباطل .
وهي مدرسة الشيخ حسان الذي يبكي من أجل دماء هدد الظالمون أن يسفكوها ، ولا نرى له دموعاً على الدماء التي سفكت فعلياً .
إنها نفسها مدرسة أولئك المشايخ الذين اعتزلوا الجهاد ضد الفرنسيس ، وجلسوا يتلون صحيح البخاري بقلب الجامع الأزهر حتى يستنزلوا رحمات الله سبحانه . وكأن الجهاد عندهم - رغم أنه ذروة سنام الأمر - ليس بمنزلة قراءة صحيح البخاري ولا يستجلب نزول الرحمات ، وكأن قراءة صحيح البخاري أصبحت في المنزلة كتلاوة القرآن المتعبد بها .

لماذا هذا التوقيت ؟
أرى أن الأمر هو استكمال لتمثيلية تفويض الداخلية لفض الاعتصام وما حولها ، وما هو إلا محاولة ممجوجة من مخترعيها وبإدارة مخابراتية غبية كما تعودنا منذ بدأ الانقلاب الفاشل ، كي يخذلوا الحشود عن الذهاب لرابعة والنهضة .
فها هو أحد شيوخ الإسلام ( الواصلين الذين لهم علاقات ) قد تيقن أن هناك دماءاً ستراق ، وهو يبكي من أجلها ، فلنجلس في بيوتنا ولا نذهب للميادين نجاةً بأنفسنا .
وفي هذا تأكيد لغباء جهاز المخابرات الذي يدير معركة الانقلاب ، وتأكيد لأنه لم يدرسنا ولم يذاكرنا ولم يتعظ بصمودنا وثباتنا ، ولم يعرف السر وراء ذلك والمتمثل فيما تربينا عليه داخل جماعة الإخوان المسلمين وداخل التيار الإسلامي عامة .
لم يعرفوا أن الجهاد سبيلنا وأن الموت في سبيل الله أسمى أمانينا ، وأنهم يخوفوننا بالذي نحب ، وأن آيات القرآن الكريم نصب أعيننا والله سبحانه يقول فيها : " أليس الله بكافٍ عبده ، ويخوفونك بالذين من دونه ، ومن يضلل الله فما له من هاد " .
وقول الله عز وجل " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ... "

لماذا أعترض على كلمة الشيخ :
كلمة الشيخ لا أحمد له فيها سوى لهفته على الدماء التي يحتمل - وأكرر يحتمل - أن تسيل نتيجة عدوان الشرطة على أصحابها الأطهار .
أما ما أراه فيها من الشر فكثير .. بل كثير جداً :
أولاً : الشيخ حسان على أيسر أحواله يساوي بين الطرفين حين يخاطب الانقلابيين بأنهم النظام الحاكم ، وحين يقول لابد أن يجلس كل طرف مع الآخر ويتنازل مقابل الصلح .. 
وهو بهذا يتعامي عن كون أحد الأطراف خائناً انقلابياً سارقاً لإرادة شعبه وناسه ، ويتعامى عن كون نفس هذا الطرف قاتل وسفاك للدماء - ولا يسميه بذلك - ، وأن الطرف الثاني الذي يطالبه بجزء من التنازل مقابل الصلح ليس أمامه إلا حلاً واحداً ومطلباً واحداً هو عودة الشرعية ( رئيس شرعي منتخب - دستور مستفتى عليه ديمقراطياً - مجلس شورى منتخب بانتخابات نزيهة ) فعن ماذا نتنازل ؟ والله مش فاهم !
وأن هذا الطرف الثاني هو من وقع عليه ظلم الخيانة ، وأنه هو الذي كمم فمه ، وأنه هو الذي أغلقت له القنوات ، وأنه هو الذي اعتقلت قياداته ، واعتقل كثير من شبابه ، وأنه هو الذي قتل منه المئات وسفكت دماؤهم ، فكيف يساوي بين الطرفين ؟ إنها حيادية غريبة في غير موطنها مهما كانت دوافعك أيها الشيخ الجليل .

ثانياً : كلمة الشيخ حسان عن طرفين متساويين في الخصومة أو خائن انقلابي يطلق عليه الحاكم ، تجعله يمرر للاوعينا الجمعي أن هذا هو الواقع ، وحقيقة الأمر أن الواقع هو أننا انتخبنا رئيساً شرعياً لمصر ، وصنعنا دستوراً هو أحد أعظم الدساتير في العالم ، ليجئ الانقلابيون العسكر الغدارون الخائنون ليحاولوا فرض واقعٍ آخر جديد علينا .

ثالثاً : الشيخ حسان يبكي بحرقة خوفا ًمن دماء ربما تسيل ، ولم تتذكر مآقيه أي شئ عن تلك التي سالت من قبل ، وفي هذا جرم شديد ، حيث بدا الجاني وكأنه لم يقترف آثاماً من قبل ، مع أن الحقيقة أنه خلاص ( لغ في الدماء لغاً ) ، أكثر من خمسمائة شهيد سفكت دماؤهم أيها الشيخ فمال مآقيك لا تتذكرهم ، ومالك لا تجرح مشاعر الجاني بأنه سفك دماءهم ، بل وتحذره من خطورة الدماء التي سيخوض فيها وكأنه البرئ الشريف النزيه الذي تخاف أن يتلوث ثوبه ، إنه تلبيس بالباطل حين يتحدث عن مستقبل إجرامي ، ويتغافل تماماً عن الماضي الإجرامي لذات الشخص .

رابعاً : هناك رسالة توهين وتثبيط أخرى يوصلها بكاء الشيخ على الدماء القادمة وفزعه منها . ونحن يا أيها الشيخ الجليل لا نخاف من الدماء ، ولا نخشى أن تزهق أرواحنا فداء ديننا وعقيدتنا ومبادئنا ، إننا قومُ الموت في سبيل الله أقصى أمانيهم .
وما يبكينا على الدماء التي سالت في الماضي إلا عاطفة جياشة وعشرة يفتقدها الإنسان المرهف الحس ، أما القادم من الدماء فهي والله التي نحب ، وما خرجنا من بيوتنا إلا لأجلها ، موتة كريمة شريفة وشهادة في سبيل الله عز وجل .
إن الذي نخشاه يا سيدي هو مصير بلادنا التي يسرقها الطغاة - ولا يوضح لهم أمثالك - أنهم سراق وحرامية وانقلابيون وخائنون ، إن الذي نبكيه حقاً يا سيدي هو مصير أولادنا وخوفنا من أن يعيشوا في أوطاننا أذلاء خافضي الرؤوس ، بل نتمني لهم الحياة الكريمة العزيزة في بلادهم وأوطانهم ، وألا يسرق أحدٌ إرادتهم ، هذا يا شيخ هو ما خرجنا من أجله .

خامساً : لا أدري لم لم يلتفت الشيخ إلى الرئيس حامل القرآن الأسير المخطوف ؟ ولماذا لم يبكت الطغاة والظالمين على جرمهم الفادح بانقلابهم الخائن الغادر الفاشل ؟ أهو عيب أو شنار أن تسمى الأمور باسمها ؟
ومتي يا شيخ ستمتثل أنت ومن تمثلهم بقول الله تعالى : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون " ، متى يا شيخ ستنتهي عما نهت عنه الآيات .
هل تعلم يا شيخ محمد أني وأنا أسمعك أحسست أنك كنت مسافراً سفراً طويلاً بعيداً ومغيباً ولا تعلم من الأمر شيئاً ، وأنه إذ بك فجأة تسمع الداخلية تهدد الأبرياء العزل بأنها ستستفك دماءهم فانتحبت هكذا وبكيت وخلطت الأوراق وكأنك لا تعلم شيئاً على الإطلاق .


يا شيخ محمد : حمد الله على السلامة .


اترك تعليق