إلى المرأة المصرية: إلى النفير العام

By : عصام تليمة

ثار لغط وجدل شديد في الآونة الأخيرة وبخاصة بعد ما ينشر من تسلط مجرمي وزارة الداخلية، وعدم رجولتهم ونخوتهم، في التعامل مع النساء، وربما أراد الصيد في الماء العكر من يتصنعون غيرتهم على النساء متذرعين بأن الشرع أمرهم بالقرار في البيوت، فسلطوا ألسنتهم على الضحية لا الجلاد، على المقتول لا القاتل، البريء لا الظالم، وهذا ديدن المخذلين في كل زمان ومكان، متترسين بنصوص شرعية يلوون أعناقها، ويحرفونها عن مواضعها.


أما عن حكم الشرع، فهو معلوم لمن سبر أغواره، وغاص في قواعده ومقاصده ونصوصه، وهو التأييد، بل الدعوة للمرأة للخروج ضد الظلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد بالكلمة ضد الحاكم الظالم، جهادا سلميا، والقرآن الكريم السنة النبوية المطهرة مملوءة بنماذج لا حصر لها، تبين أن المرأة لها دور في الجهاد ضد الظلم جنبا إلى جنب مع الرجل.


فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: سيد الشهداء الحمزة، ورجل قام إلى سلطان جائر فنهاه فقتله. والخطاب هنا عام، ليس خاصا بالرجل فقط، فالإسلام في تشريعه لا يفرق بين المرأة والرجل، إلا فيما هو خاص بأحدهما من أحكام، وهذا من الأحكام العامة المشتركة بينهما.


ورأينا عمة النبي صلى الله علي وسلم صفية بنت عبد المطلب، وقد حاول يهودي الاقتراب من حمى النساء، فقامت بقتله. بل إن أول شهيدة في الإسلام كانت امرأة، وهي سمية رضي الله عنها. وخروج نساء الصحابة لمداواة الجرحى، ألم يكن يتهددهن الأسر والرق والقتل؟!!


ومن نماذج نساء عصر النبوة: السيدة أسماء بنت أبي بكر، وكل تاريخ حياتها جهاد ونضال ضد الظلم، رغم ما قد يلوح لها من تعرض للأذى والبطش ممن تواجههم، فواجهت وهي شابة صغيرة، رجلا كأبي جهل ليلة الهجرة وقد لطمها على وجهها، ثم خرجت بالطعام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيها أبي بكر في غار ثور في هجرتهما للمدينة، وقد سميت (ذات النطاقين) لموقف حدث لها في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وحين خرجت تواجه ظلم الحجاج بن يوسف الثقفي المعروف بظلمه وبطشه، وقد قتل ابنها، وقالت كلمة الحق في وجه الطاغية الحجاج، دون تعلل بالخوف من الحاكم الظالم، وأن الأسلم لها والآمن لها أن تقر في بيتها.


أما ما يسوقه مدعو الخوف على النساء باسم الشرع، بأن سد الذرائعٍ خوفا عليهن يجعلنا نقول لهن: أن يقرن في بيوتهن، فقد وضع الأصوليون لهذه القاعدة شروطا، ومجملها ما يلي:


1ـ أن يكون إفضاء الوسيلة المباحة إلى المفسدة غالبا، لا نادرا، وعند الإمام الشاطبي أن يكون كثيرا لا نادرا ولا غالبا.


2ـ أن تكون مفسدتها أرجح من مصلحتها، وليس مجرد مفسدة مرجوحة.


3ـ ألا يكون المنع بعد توفر الشرطين السابقين تحريما قاطعا، بل هو بين الكراهة والتحريم حسب درجة المفسدة.


4ـ إذا كانت الوسيلة تفضي إلى مفسدة، ولكن مصلحتها أرجح من مفسدتها فالشريعة لا تبيحها فحسب، بل قد تستحبها أو توجبها حسب درجة المصلحة.


هذه شروط وضعها الإمام ابن القيم والشاطبي لسد الذريعة في الأمر المباح، فما بالنا والأمر ليس مباحا بل واجبا، وهو إنكار المنكر، والوقوف ضد الطغيان والظلم،


إن نظرة إلى صحيح الإمام البخاري في بعض عناوينه، تدل بوضوح على دور المرأة في النضال الثوري ضد الظلم، وأن لها دورا كبيرا في الجهاد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فنرى في صحيح البخاري هذه الأبواب: باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء.


ـ باب غزو المرأة في البحر.


ـ باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال.


ـ باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو.


ـ باب مداوة النساء الجرحى.


ـ باب رد النساء الجرحى والقتلى.


بل عندما حدثت حالة اغتصاب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة خرجت لصلاة الفجر، ومعلوم أن صلاة المرأة في بيتها أفضل لها من صلاتها في المسجد، أن امرأة خرجت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، تريد الصلاة فتلقاها رجل فتجللها فقضى حاجته منها، فصاحت فانطلق، ومر عليها رجل، فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا، ومرت بعصابة من المهاجرين فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا فأخذوا الرجل الذي ظنت أنه وقع عليها، وأتوها، فقالت: نعم هو هذا، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أمر به ليرجم، قام صاحبها الذي وقع عليها، فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، فقال لها: اذهبي فقد غفر الله لك، وقال للرجل قولا حسنا، وقال للرجل الذي وقع عليها: ارجموه، وقال: "لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم".


ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" ولم يصدر قرارا ولا أمرا ولا نصيحة بالمنع من خروج المرأة للمسجد.


وفي تاريخ مصر الحديث، رأينا في ثورة 1919م، عطاء المرأة المصرية ونضالها، وارتقت نساء كثيرا شهيدات في سبيل الله لأجل تحرير هذا الوطن.


هذا هو موقف الشرع الحنيف، وهو يحث المرأة على الخروج ضد الظلم والطغيان، والقيام بواجبها نحو ذلك، وتاريخنا كذلك، يبقى دور الرجال هنا في حماية النساء في المسيرات، ومنع أي مجرم من مجرمي البلطجية أو الداخلية من الاعتداء، وإذا تم اعتقال أو اختطاف إحداهن على الجميع الخروج لاستنقاذهن مهما كلف ذلك، يصعد الأمر حسب ما يتراءى للناس على الأرض، فلكل فعل حكمه ورد فعله الذي يؤيده الشرع بلا شك.


وندائي للمرأة والفتاة المصرية: بالخروج للثورة على الظلم، بالاحتجاج السلمي في المظاهرات والمسيرات، فقد أصبح الخروج لمواجهة الظلم واجبا يوجبه القرآن والسنة، ويوجبه الواقع الذي يأبى فيه المرء الحر على نفسه أن يعيش عيشة العبيد، يقتل شبابه ونساءه، وتنتهك حرماتهم دون أن يحرك ساكنا، بل يكتفي بالبقاء في البيت، وهو واجب لا تحتاج فيه المرأة إلى إذن الوالدين أو الزوج، وخروجها ليس مخالفة بل أداء لواجب.


اترك تعليق